«عطور الشرق» معرض تحتضنه باريس اليوم يحكي قصة حضارة عربية عريقة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: يفتتح معهد العالم العربي في باريس اليوم الثلاثاء معرض «عطور الشرق»، والذي يستمر إلى 17 آذار/ مارس العام المقبل. معرض فريد من نوعه يُدخل الزوّار إلى قلب واحدة من حضارات العطور، ومن حقبة العصور القديمة إلى يومنا هذا.
الزوّار مدعوون إلى «خوض تجربة ترحال حقيقي للحواس في الشرق، عبر طرق التجارة في شبه الجزيرة العربية، حيث جرى نقل البخور والعنبر والعود والتوابل، مرورا بالطقوس التي امتدّت عبر القرون الماضية».
يمتد المعرض على فضاء 1000 متر مربّع، ويعرِض ما يقارب 200 عمل تراثي ومعاصر ـ مخطوطات ومنمنمات، ومنسوجات، ولوحات، وصور فوتوغرافية، وتركيبات، ومقاطع فيديو، لتشعرنا كيف مثّلت العطور دوماً بعداً أساسياً في العالم العربي، من أعلى قمم جبال الأطلس إلى ضفاف نهر الفرات.
الانغماس في روائح الشرق سيكون خلال رحلة تتضمن استكشاف المغامرة الرائعة للعطور في عموم العالم العربي. من حقول العطور النادرة، إلى ورشة العطّار. ومن شوارع المدينة الأثرية، إلى الحمّام. وصولاً إلى الفضاء المُقدّس وهو قلب المنزل. سيتابع الزائر هذه الثقافة وهي تُعبّر عن نفسها من حوله، بانتمائها للتراث وقدرتها بالمحافظة على حيويتها حتى الآن، ببهاراتها ونكهاتها المتنوعة.
فمن شبه الجزيرة العربية إلى الهند، ومن الجزر الأندونيسية إلى حدود آسيا البعيدة، مروراً بحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى سيكتشف الزائر مصدر خُلاصات العطور النادرة والثمينة التي صنعت شهرة تجّار العرب. فمنذ العصور القديمة، لعبت الجزيرة العربية – أرض العطور والبخور والعنبر والمر – دوراً رئيسياً في تجارة العطور. فيما ازدهرت خلاصات عطور الأزهار والورد والزعفران والياسمين في حوض البحر المتوسط والشرق الأدنى. وظلّ أصل بعض هذه المواد، مثل العنبر أو المسك غامضاً لفترة طويلة، مما سمح للعرب باحتكار تجارتها. فكانت دوماً وإلى يومنا هذا إلى جانب خشب العود من بين أكثر خلاصات العود شهرة في هذه الصناعة المتميزة.
في رحلته داخل المعرض يكتشف الزائر الاستخدامات المتعددة للعطور في الأماكن العامة، حيث تُعتبر المدينة بالفعل مكاناً للخلط والتبادل، وفيها نصادف جميع أنواع الروائح ذات الاستخدامات المحددة: التجميلية، والعلاجية، والدينية. يَعْبر الزائر سوق العطّارين، ثمّ يزور الحمّامات قبل الذهاب للصلاة. وغالباً ما يكون صانعو العطور من الصيادلة وأصحاب الخبرة المرموقة. يتطلّب ابتكار العطر اتقان مجموعة من الخطوات، أولها وأهمها التقطير، باعتباره عملية معروفة منذ العصور القديمة، قبل أن يتقنها ويعمل على تحسينها العلماء المسلمون منذ القرن التاسع.
وكدلالة على المكانة التي يتمتع بها صانعو العطور، فإن منطقتهم تقع دائماً في قلب السوق، بالقرب من المسجد الرئيسي. يُذكّر هذا التقارب بالدور الأساسي للعطور في طقوس الطهارة التي ينصّ عليها الإسلام وتجري أطوارها في الحمّام، الذي يُعتبر أيضاً مكاناً بارزاً للتواصل الاجتماعي.
ويعلن بيان معهد العالم العربي أنّ تاريخ العطور بدأ في مصر القديمة، إذ جرى استخدامها للتواصل مع الآلهة. كما وظفتها الديانتان اليهودية والمسيحية كشفيع أو وسيط مع الرب. كانت العطور قبل الإسلام ملكاً لله، ثمّ قدّمتها الثقافة العربية والإسلامية للبشر ومنحتها بذلك هذا التفرد. ولذلك فإن الثقافة الشعبية في الإسلام هي التي تضفي نوعاً من الفضائل السحرية على البخور.
وفي ختام بيانه حول فعاليته الجديدة «عطور الشرق» أشار معهد العالم العربي أن نهاية رحلة الزائر تدخله إلى «قلب البيت». فهي تشكل مكوناً رئيسياً للتواصل الاجتماعي، كما يتضح من الطقوس التي اتبعها الأجداد في استقبالهم للضيوف، بما في ذلك تعطيرهم. وهكذا فإن رشاشات ماء الزهر أو المباخر موجودة في كل بيت. ويفتح البيت مخبأه السرّي للزائر، إنه مهجع النوم، حيث للعطور دورها من بين مجموعة من طقوس الإغواء. كما أنّ المعروضات القديمة منها والمعاصرة ستحكي عن أهمية العطور والمراهم والزيوت والبلاسم ومعها المياه والبخور في الممارسات الثقافية والاجتماعية والحميمية.
هذا ويصاحب المعرض برنامج ثقافي منوع من حفلات موسيقية وندوات وورش عمل، وعروض سينمائية، ولقاءات أدبية، تمتد من تشرين أول/ أكتوبر إلى شباط/ فبراير 2024.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية