بعد ضجة تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيد، حول أصل إعصار «دانيال»، وربطه بالصهيونية، جاءت زوبعة «الأقاليم»، التي تفاعل معها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بين من لم يفهم الجدوى منها، ومن يتهكم لما آلت إليه الأوضاع في تونس، في ظل الحكم الحالي، ومن يراها مجدية اقتصاديا واجتماعيا، ومن يراها مشروعا قديما أعيد إلى الواجهة. «سلام عليكم يا جماعة بجاه ربي يا أخي شو حكاية الأقاليم الي مالية فيسبوك، يرحم والديكم الي عنده معلومة يقوللنا. تراني ما فهمت شي، والله لا يضيع أجر المحسنين»، كتب «أرتيست نبيل عنابي».
أما الدكتور رفيق عبد السلام، فكتب منشورا يوجه فيه أصابع الاتهام للرئيس سعيد عن أوضاع تونس المزرية: «بعدما فكك الدولة قطعة قطعة وحولها إلى شظايا متناثرة ومتمحورة حول شخصه، وبعدما ألغى كل المؤسسات والهيئات، ولم يبق منها إلا مؤسسة الرئاسة المختزلة في شخصه جسدا وروحا، استدار في اتجاه الشعب لإعادة تفصيله وتقسيمه وتفكيكه وتركيبه على مقاسه إلى أقاليم ملونة، دون سابق استشارة ولا محاولة تخطيط ولا تدبير (سوى التدبير الشخصي). ومثلما جعل الدولة في مواجهة الشعب، يريد الآن أن يجعل الأقاليم في مواجهة بعضها البعض، أي التحول من تفكيك الدولة إلى تفكيك المجتمع».
ويضيف رفيق: «طبعا هو أدرك أن انتخاباته فاشلة مسبقا، ولن يلتفت إليها الشعب، الذي يقف في الطوابير الطويلة من أجل الخبز والحليب، فأراد أن يدخل فيها عنصر «الإثارة الفرجوية» على أساس أنها انتخابات ثورية عظيمة ولا سابق لها في المسار السياسي التونسي، ولكن تغير التفصيل والتقسيم لن يغير شيئا من واقع الشعب، تعددت الأقاليم والدوائر والألوان، وتعددت الانتخابات والاستشارات والاستفتاءات، ولكن النتيجة واحدة ثابتة: حكم الفرد المطلق والفاشل».
وهناك من يرى الجانب الإيجابي من تقسيم تونس إلى أقاليم وأن الفكرة كانت موجودة قبل الاستعمار وبعده وهذا ما كتبه عبد الحفيظ تليلي على صفحته في فيسبوك: «منذ كون الدولة التونسية الحديثة كان تقسيم الأقاليم خاضع للجغرافيا، وأبقت تونس على التقسيم إبان الفترة الإستعمارية، ثم في السبعينيات تجدد التقسيم، لكن حافظ تقريبا على نفس الولايات، مع إضافة لكل إقليم ولاية لها طابع تاريخي، وبذلك ازدادت الهوة بين الأقاليم الساحلية والأقاليم الأخرى، وتركزت جميع المرافق الحيوية والسياحية فيها كالنزل والمستشفيات الجامعية والكليات والشركات وأهم الاستثمارات، وهذا معلوم للجميع، وأصبح واقعا مريرا تقبله جميع مكونات الشعب، وكانت الثورة نتيجة حتمية لهذا التفاوت، بعد وعي واحباط شعبيين. رغم اقرارنا أن هذه المحاولة الإصلاحية هي أحسن من لا شيء، أو هي متأخرة زمنيا، لأن التقسيم صحيح، وقد لا يكون منطقيا هو أن ندمج الولايات دون مراعاة للحدود الجغرافية، أعتقد أننا في مرحلة وعي بالاحتياجات ووعي بمتطلبات المرحلة المقبلة، وهذه أهم خطوة في مشروع تونس الجديدة».
وبين التشاؤم والتفاؤل، وعن التعامل مع الأحداث بسخرية، ينتقد الاعلامي سمير الوافي أسلوب التوانسة في التعامل مع الأحداث عامة: «التوانسة يسخرون من كل شيء، وهذا له دلالاته الاجتماعية التي يعرفها ويحللها علماء الاجتماع، وقد حولوا موضوع تقسيم البلاد إلى أقاليم إلى مادة للسخرية، لكن لو تناولناه بجدية لوجدنا أن تقسيم البلاد إلى أقاليم ليست بدعة». أي أن الفكرة طرحت سابقا في تونس، وأن هناك بلدانا طبقتها، مثل فرنسا والمغرب. ويرى أن المشروع يتضمن «رؤية تنموية واقتصادية. ويعتبر أن مشروع الأقاليم ثوريا وتاريخيا وتغييريا، أما إذا تم حصره في إطار العملية الانتخابية فقط، فهذه رؤية ضيقة ومحدودة». هل فعلا فكرة الأقاليم تنموية وترفع الغبن عن بعض الجهات، أم هي إغراق في المشاكل المحلية والتقوقع على الذات، وتكرس مؤهلات ونواقص كل إقليم؟
«الجبة» القبائلية وجدل الهوية المستعر
كل الطرق التي تؤدي إلى إثارة جدل الهوية ممكنة على منصات التواصل الاجتماعي، في يوم واحد جاءت التلميذة «ثيزيري» إلى ثانوية «برشيش» في القصر في ولاية «بجاية» من الجبة القبائلية، وهناك من رفض إدخالها للثانوية، بحجة أن لباسها غير لائق، وفي اليوم نفسه اعتذر المدير، وواصلت التلميذة دروسها في المساء، لماذا كل هذه الضجة؟!
تثار المشاكل وتأخذ أكثر من حجمها وترتبط بالهوية، لأن لا أحد مقتنع بالآخر وبوجوده ويترقب حدوث أي مشكلة ما ليجعل من خلالها «الحبة قبة»، ويحدث تراشق عنصري بين «العرب» و«القبايل»، وكأنهم المكونين الوحيدين في الجزائر. ومشكل اللباس يزداد في الباد لغياب الدراسات المعمقة حوله، وبقيت تتخفى وراء النزعة الفلكلورية والأيديولوجية. فهناك من يرى القضية التي انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، من منظور المحافظة على أصالة منطقة القبائل لمدى انتشار « القندورة» أو «الكسيوة»، أي الجبة، مثل كريم مرداسي، الذي وجه «تحية تقدير لحرائر جرجرة، بعد منع تلميذة من دخولها للثانوية بحجة أنها تلبس جبة تقليدية، رغم أنها لباس جزائري قبايلي أصيل، وارتدائها للمئزر لا يوجد ما يمنع قانونيا ولا تربويا ارتداء لباس تقليدي؟ فما نراه من ألبسة فاضحة أو ثقافات مستوردة من الشرق أو الغرب يتم التغاضي عنها، بينما يحارب كل جزائري أصيل على أرضه». وهناك من له رأي آخر: «كم يعشقون إثارة الجدل حول لا شيء وخلق بلبلة من أجل أبسط الأمور. لا أذكر أن تلميذة لبست «كاراكو» أو «نايلي» أو حتى «شاوي» للمدرسة. المسألة ليست مسألة تقاليد أو منع لباس تقليدي في المدرسة، بل محاولة دائمة وسمجة للفت النظر وخلق المشاكل عبر النفخ فيها إعلاميا.»
بعد المظاهرة بالجبة، والتضامن لحد ارتداء أحد المدرسين الجبة، إن كان الأمر ليس «فوتوشوب»، قام مدير الثانوية بالاعتذار على قناة تلفزيونية، وبهذا يكون الأمر قد أخذ فعلا أكثر من حجمه، وأن الرجل لم يكن على علم بالأمر، وقام بتوضيح مفاده أنه «لا يحق لأحد منع لباس تقليدي، النظام الداخلي للمؤسسة يفرض لباسا محترما بالمئزر فقط، ولا يحق لأحد أن يطرد تلميذا بلباس تقليدي». وحسب بعض الصفحات فإنه: «تم طرد العامل الإداري، الذي منع التلميذة من الدخول». كانت، في البداية، زوبعة في فنجان، ثم أصبحت إعصارا لباسيا؟!
كاتبة من الجزائر