لندن ـ «القدس العربي»: يرزح قطاع غزة تحت نير حصار إسرائيلي خانق برا وبحرا منذ العام 2007 وهو أمر أدى إلى مفاقمة الأزمة المعيشية للمواطنين الفلسطينيين في كافة مناحي حياتهم. ومن أجل إعلاء الصرخة ووضع العالم أمام مسؤولياته في الضغط على جيش الاحتلال لرفع حصاره، قامت مؤسسات أهلية فلسطينية وعربية، بحملة دولية حملت عنوان «افتحوا موانئ غزة». وأطلقت الحملة فعاليات مبادرتها في 23 أيلول/سبتمبر المنصرم، حيث أقيمت وقفات تضامنية في قطاع غزة وعدة دول أبرزها الكويت، تركيا، الأردن، ولبنان، تلاها بث فضائي مشترك لعدة قنوات تلفزيونية، سلط الضوء على معاناة أهالي قطاع غزة المحاصرين منذ 17 سنة، وما خلفه الحصار من آثار كارثية على الوضع الإنساني لغزة.
ومبادرة «افتحوا موانئ غزة» تقوم أيضا على تنظيم مظاهرة بحرية تجوب عددا من الموانئ حول العالم «بهدف رفع الوعي بخطورة الحصار الإسرائيلي، والضغط من أجل فتح منفذ بحري للقطاع، وتسهيل عمل المنافذ بصورة دائمة».
ومن مظاهر حملة التضامن تلك، ما دعا إليه «المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج» (هيئة دولية) جميع النشطاء في كافة أنحاء العالم للتغريد عبر وسم «افتحوا موانئ غزة». وتركز الحملة، حسب بيان صدر عن «المؤتمر الشعبي» على «تشكيل قوة ضاغطة على الاحتلال الإسرائيلي لرفع حصاره عن قطاع غزة وفتح المعابر البرية والموانئ البحرية وإدخال كافة المواد اللازمة من غذاء ودواء ومواد بناء ووقود بالإضافة لإعادة بناء مطار غزة». وقال المنسق العام لحملة فلسطينيي الخارج لكسر الحصار عن غزة زياد العالول، إن «حملة افتحوا موانئ غزة تهدف لإيصال رسالة للعالم أنه من حق الشعب الفلسطيني أن يكون له منفذ بحري ومطار، وأن تعمل معابره بآلية لائقة تحترم كرامة الإنسان».
وخلال الحملة التضامنية الدولية أيضا، نفذ ناشطون في بيروت وقفة لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، رفعوا خلالها الأعلام اللبنانية والفلسطينية، وشارك في الوقفة التي دعت إليها لجنة المبادرة الوطنية لكسر الحصاالمفروض على غزة، حشد من الناشطين تقدمهم أعضاء الحملة الأهلية لنصرة فلسطين وقضايا الأمة، وممثلون عن القوى والأحزاب والفصائل اللبنانية والفلسطينية.
وقال منسق العلاقات الدولية في المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن نبيل حلاق: «وقفتنا هي جزء من حراك واسع يريد تسليط الأضواء على الحصار الذي يعانيه أهلنا في قطاع غزة منذ 17 عاما».
الحصار والهجرة
يرى كثير من أهالي قطاع غزة أنهم يعيشون بما يشبه سجنا كبيرا يدفع الشباب نحو الهجرة أملا بتحصيل مستقبل أفضل.
فقد هاجر من قطاع غزة خلال العقدين الأخيرين أكثر من مئتي ألف فلسطيني غالبيتهم من الشباب إلى دول أوروبية وتركيا، حسب إحصاءات لمؤسسات حقوقية. وتزيد نسبة البطالة في القطاع عن 45 في المئة وترتفع إلى 70 في المئة في صفوف الشباب، وفقا لجهاز الإحصاء الفلسطيني.
وتقول إسراء مراد (21 عاما) وهي من سكان غزة: «كل الدول تنعم بمطارات ومعابر وميناء، أما نحن نسافر في خيالنا وأحلامنا، مطارنا مدمر ومعابرنا مغلقة. نحن في سجن».
ضنك العيش هذا الذي يتحدث عنه شباب غزة تحت الحصار، يزداد ويتفاقم بعدما جردت إسرائيل اتفاقية أوسلو من محتواها، وكأن شيئا لم يكن.
ففي نهاية عام 1998 احتفل الفلسطينيون بأول مطار على أرض قطاع غزة في افتتاح رسمي حضره الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون إلى جانب عدد من رؤساء الدول وكبار المسؤولين العرب والغربيين. إلا أن إسرائيل دمرت المطار في عام 2001 مع اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية.
ورغم أن الاتفاق ينص على بدء مفاوضات الحل النهائي بعد خمس سنوات، الا أن جولات المفاوضات تناولت مواضيع متفرقة، حيث لم تسمح حكومة الاحتلال بالتطرق إلى الحل النهائي.
لهذا كله لا يعلق شباب غزة – الذين يعيشون الحصار – آمالا على اتفاقيات أوسلو بعدما يئسوا تماما من تطبيق الاتفاق. فبالنسبة للطالبة الجامعية إيمان حسونة (20 عاما) كل ما تعرفه عن اتفاق أوسلو مصدره المدرسة. وتقول «اتفاق أوسلو لا يشغل بالي، نحن كشباب نبحث عن فرص عمل ومستقبل، حلمي أن أجد وظيفة بعد تخرجي من الجامعة».
ويرى أحمد العبادلة (20 عاما) أن حلم الدولة لم يعد قابلا للحياة، ويؤكد أن أوسلو «حبر على ورق» مضيفا «لا تهمني أوسلو». بينما تقول إسراء مراد وهي طالبة في قسم الإعلام في جامعة الأقصى في غزة، «لا فرصة للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة». وتتابع «عشنا أربع حروب وانتفاضات، فكيف ننسى الماضي»؟ ويقول الطالب الجامعي أدهم عبد الله (22 عاما) «دمرت أحلامنا، لا وظائف للخريجين الجامعيين، لا عمل للشباب، الأوضاع في قطاع غزة تسوء كل يوم مع زيادة البطالة والفقر».
وشهد قطاع غزة منذ نهاية 2008 أربع حروب ومواجهات عسكرية دامية بين الاحتلال الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية على رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي ما أدى إلى قتل وجرح الآف الفلسطينيين. وما بين القتل والحصار وبعد ثلاثين عاما من الفشل في تحقيق سلام حقيقي وحلم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، أصبح جلّ اهتمام الشباب الفلسطيني ينصبّ على البحث عن فرص عمل وحرية التنقل والسفر، وتجاوز أزمات متعددة من بينها السكن والكهرباء والمياه التي تضاعفت في ظل الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة المفروض من العام 2007.
البنك الدولي: ربع الفلسطينيين تحت خط الفقر
صعوبة تلك الأوضاع في الأراضي الفلسطينية بشكل عام وقطاع غزة بشكل خاص، تناولها تقرير للبنك الدولي جاء فيه: «إن من بين كل 4 فلسطينيين، يعيش فلسطيني واحد تحت خط الفقر» متوقعا «أن يستمر الاقتصاد الفلسطيني في العمل بشكل أقل من إمكانياته بكثير». وأشار البنك الدولي في تقريره «أن هناك مجموعة من المعوقات المالية والقيود التي تفرضها إسرائيل، تعرقل الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، ما يؤثر سلبا على السكان، وخاصة في قطاع غزة». وجاءت معطيات البنك الدولي ضمن تقرير بعنوان «سباق مع الزمن» قدمه إلى لجنة الارتباط الخاصة، التي عقدت اجتماعا على مستوى السياسات بشأن تنسيق المساعدات الإنمائية للشعب الفلسطيني، في نيويورك يوم 20 أيلول/سبتمبر الماضي. وقال ستيفان إمبلاد، المدير والممثل المقيم للبنك الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة، حسب التقرير: «ظل الاقتصاد الفلسطيني يعاني بصورة أساسية من ركود على مدى السنوات الخمس الماضية، ومن غير المتوقع أن يتحسن ما لم تتغير السياسات على أرض الواقع». وأضاف: «شاركت الأراضي الفلسطينية في اتحاد جمركي بحكم الواقع مع إسرائيل منذ ثلاثين عاما، ولكن على عكس ما كان متوقعا، عندما تم توقيع الاتفاقيات ذات الصلة، فقد استمر التفاوت بين الاقتصاديين في الاتساع». وحسب بيانات رسمية، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين في 2022 نحو 18 مليار دولار، بينما بلغ في إسرائيل خلال نفس الفترة، قرابة 430 مليار دولار.
وزاد إمبلاد: «أصبح مستوى دخل الفرد في إسرائيل 14 ـ 15 مرة أكثر من دخل الفرد في الأراضي الفلسطينية، كما أن معدلات الفقر مرتفعة للغاية، ومن بين كل 4 فلسطينيين تقريبا، يعيش فلسطيني واحد تحت خط الفقر». وذكر تقرير البنك الدولي «أن الاقتصاد الفلسطيني ما زال يواجه مخاطر عالية، في ظل نظام معقد، بسبب القيود الإسرائيلية على الحركة والتجارة في الضفة الغربية، وشبه حصار على قطاع غزة، وانقسام داخلي بين الضفة الغربية وغزة، وقيود شديدة على المالية العامة، وبرنامج إصلاح غير مكتمل للسلطة الفلسطينية، وتراجع المساعدات الأجنبية على مدى سنوات عديدة».
وقال: «تعد جهود الإصلاح من جانب السلطة الفلسطينية ضرورية، ولكنها غير كافية لتحقيق النمو واستدامة المالية العامة حيث الحاجة ماسة إليهما». وأضاف: «من المهم أيضا الحصول على مزيد من المساندة المالية من المانحين، إلى جانب ضرورة زيادة التعاون من جانب الحكومة الإسرائيلية».