فيلم مستقل من 12 محلّفة ومحلّفا لبنانيا مهتهم الحكم على متهم سوري
بيروت ـ «القدس العربي»: «طنعش» فيلم لبناني مقتبس من فيلم «12 رجلا غاضبا» الأمريكي، والذي قُدمت منه نسخ أخرى في العالم. استغرق العمل على النسخة اللبنانية شهران، وبعد العرض الأول ضمن مهرجان السينما المستقلة في بيروت، بات الفيلم في الصالات المحلية.
إنهم 12 مُحلّفة ومحلّفا لبنانيا ألقيت على عاتقهم مهمة إصدار حكم بالإجماع على شاب سوري الهوية، متهم بقتل إمرأة ناشطة في الشأن الاجتماعي. إنه تقليد سائد في القضاء الأمريكي، والفيلم الذي يحمل اسم «12 رجلا غاضبا» أخرجه سيدني لوميت الأمريكي الهوية سنة 1957 يُعتبر من روائع السينما العالمية. هذا الفيلم شكّل نقطة ارتكاز لفكرة فيلم «طنعش» بين المخرج بودي صفير، والكاتب والمنتج أذدشير جلال أحمد. ولاحقاً تمّ تطوير السيناريو بأدق تفاصيله بالتعاون مع باتريك شمالي.
مع بدء الاجتماع بين 12 امرأة ورجلا لبنانيا في غرفة واحدة لإصدار الحكم، تبدأ سلسلة الاشكاليات المعهودة التي تعقّد حياة اللبنانيين. تتوتر الأجواء، تعلو الأصوات، تُغذّى العصبيات ووو، متاريس نفسية ترتفع، فقبول الآخر غير وارد.
إنها الحالة اللبنانية الحقيقية بأبهى حُللها، عنصرية، وتنميط، وأحكام مسبقة، وإنغلاق فكري وثقافي. ومن يمتلك عوامل القوة لن يتخلّى عن استحضارها. الأحكام المبرمة على هذه الفئة أو تلك، وخاصة الطبقة الشعبية جاهزة، إلى الأحكام المتأثرة بسيرة الفرد وظروف حياته الخاصة والعائلية والعامة أيضاً.
بعد التصويت الأول الذي أتت نتيجته مريعة، شغّل فرد من الـ«طنعش» وبإصرار آليات المنطق والبحث، وضرورة التفكير وطرح الأسئلة. الاعتراضات انهمرت بين مستهتر بحياة شاب في مطلع العمر، وبين مستاء من وجود هذا النوع من البشر بالأساس، وبين مستعجل ليلتحق بقضاء أمر غير ذي أهمية.
مثّل الحوار على طاولة الـ«طنعش» عينة نموذجية واضحة من المجتمع اللبناني الشائك السيرة والسلوك. دون إغفال إيجابية وجودهم معاً في غرفة واحدة، يتحاورون ويقولون رأيهم بحرية، وبدون أن يتحول المكان إلى «حمّام مقطوعة ميتو». عينة لبنانية وقع الاختيار عليها بدقة. لكل دوره ومساحته في التفكير وإبداء الرأي، فكان الحوار ذو جدوى في النهاية. والحمدلله.
مع المخرج بودي صفير هذا الحوار:
○ مبروك جمعت 12 من أطياف لبنانية في غرفة واحدة في حين فشل جمع السياسيين للحوار حتى الآن. من أين لك هذا؟
• بعد الأزمة التي تفجّرت سنة 2019 شعرت كما غيري من اللبنانيين بنقمة على الأداء السياسي الذي أخذ لبنان إلى هذا المصير. نقمتي هذه طرحت عندي أسئلة عن سبب عدم اتفاق اللبنانيين؟ وسألت إن كانت لهم قدرة اتخاذ قرار بمفردهم في حال اجتمعوا في غرفة مغلقة بعيداً عن تأثير الخارج؟ وهل لهم أن يفكروا بمستقبل الأرض التي يعيشون عليها؟ أم هم فقط زوّار ينشؤون الأجيال ويعدّونها للسفر إلى الخارج؟ وجدت ضرورة لاختبار هذا السيناريو، خاصة وأن اللبناني يُثبت نجاحه عندما يعيش ويعمل في نظام مبني على المؤسسات. فلماذا الفشل في لبنان؟
○ كم استفدت من الفكرة الأساسية لفيلم «12 رجلا غاضبا»؟
• استفدنا كثيراً فالفيلم اُنجز بهيكلية سلسة للغاية. استندنا إلى هذه الهيكلية وأضفنا إليها مشكلاتنا الخاصة كلبنانيين. كل مُحلّف جلس إلى الطاولة يمثّل آخرين في بلدنا. أضفنا العنصر النسائي وهي حالة مستجدة على الفيلم الأساسي. فالنساء شريكات في الحياة، وهنّ حاضرات في كافة مفاصلها.
○ من اللحظة الأولى تحدد الهدف قرار موحد حول مصير مُتهم. لماذا التعجيز؟
• ليس للقضاء عندنا نظام المحلّفين. بعد تفجير الرابع من أب/اغسطس 2020 ورد ذلك ضمن اقتراحات إصلاح النظام القضائي. وهذا النظام يفترض الوصول إلى قرار موحد بينهم جميعاً مذنب أو غير مذنب. ولدى الفشل بالوصول إلى هذا القرار تُعلّق الجلسة، ليأتي 12 محلفاً غيرهم. ركزنا في الفيلم اللبناني على القرار الموحد، لكونه يفرض على المحلفات والمحلفين اللبنانيين، أن يتخففوا من خلفياتهم وقضاياهم الخاصة المتعلّقة بالدين والانتماء، والسياسة والمشاكل الاجتماعية التي يعيشونها. كذلك التخفف من المظالم التي تعرضوا لها في الحياة وتركت أثرها في نفوسهم. قدرة التجرد من كل ما ورد تؤدي للوصول إلى قرار موحد. وهذا صعب للغاية في لبنان، سوى بحالة ورود قرار من الخارج يفرض الاتفاق. في فيلم «طنعش» لم تكن المسطرة حاضرة، نسمع حركة طيران وغيره بهدف التأثير على قرار المحلفين، لكنهم بلحظة ما تجردوا من كافة المؤثرات على حياتهم، وتحدثوا عن ما يجول في قلوبهم، إلى حين الوصول إلى قرار موحد.
○ ظهر اللبنانيون عجولين متسرعين لإصدار حكم باستمرار الحياة أو إيقافها. الإصرار على الحوار غيّر المعطيات. هو تضخيم لواقعنا؟
• إنها الحقيقة وغير مضخّمة. في الموضة أو الأفكار أو التحليلات ينتمي الشعب اللبناني لمنطق القطيع. لم يتعاطوا بجدية بقرار المحلفين. وجدوا في القضاء والمحاكمة التي جرت للمتهم كافية، فلماذا يخوضون نقاشاً؟ أحدهم ترك للتحليل والمنطق أن يأخذ مجراه، ووجد في الدولة المدنية حلاً بعيداً عن كل العواطف. وهو من استنكر القرار السريع للمحلفين رغم أنهم حيال الحياة والموت.
○ أظهر السيناريو صورة واقعية لشرائح مجتمعنا عبر دلالات غير محكية. هل من شريحة أسلس من أخرى في تظهيرها السينمائي؟
• لو أردنا محلّفين مختارين من الانتماءات الدينية بالكاد كانت تكفيهم عشر قاعات. اخترنا توليفة تتشكل من انتماءات طائفية حزبية، واجتماعية، ومدنية، وتمثّل المجنسون، وكذلك حضر الوجود السوري في شخصية المتّهم. وهذا الوجود كان سابقاً كجيش ومن ثمّ كنازحين. سابقاً في موقع القوة، وحالياً في حالة ضعف تمثّلت بالمتهم. وتواجد بين المحلّفين الجيل القديم ممثلاً للحكمة. وبدوره أوجد التوليفة التي أخذت الحوارات إلى مكان سلس. وبالتالي تركت المتفرج بانتظار التالي.
○ التصوير في غرفة واحدة بين الإيجابي والسلبي، هل من حكم عادل لديك؟
• إنه التحدّي لكل من يقرر خوض هذه التجربة. يتمثّل التحدي بالحفاظ على شغف المشاهد وعدم تسلل الملل إليه. وثانياً إيصال السردية التي نحن بصددها. عادة تعتمد الأفلام على 15 موقعاً بالحد الأدنى لرفع إيقاع الشريط السينمائي. في «طنعش» كنّا حيال غرفة واحدة، وجذب انتباه المشاهد يبدأ من العمل على نص متماسك ومتصاعد في التشويق. اعتمدنا الواقعية في التصوير بحيث تصورنا المشاهد وكأنه يجالس الـ12 محلفاً ومحلّفة. وعلى المشاهد الاقتراب منهم، وأن يشرد معهم في أفكارهم. إنه الإيقاع المعتمد الذي ترك المشاهد دائماً مشدود العصب، ومشاركاً ضمن جلسة المحلّفين. وهكذا كُسرت مشهدية الغرفة الواحدة واحتفظنا بسلاسة الطرح وحركة الكاميرا.
○ كيف صمدتم في غرفة المنصورية وما هي الإغراءات لاستمرار الممثلين بزخم العطاء نفسه؟
• أتى التصوير في المنصورية تتويجاً لتمارين طويلة قمنا بها في مكان مختلف. مكان التصوير مدرسة شغلها الجيش السوري خلال وجوده في لبنان. وللمكان حضوره الرمزي لكل ما مررنا به في السنوات الثلاثين الماضية. لكننا فعلياً عملنا لتقريب الصالة التي اجتمع فيها المحلفون إلى ما يشبه شركة الكهرباء. والهدف إظهار مسؤولية الإهمال والفساد عن هذا التداعي الظاهر في المكان الـ«مشلّق». وهذا واقع شركة الكهرباء، ففي أحد طبقاتها بنو قناً للدجاج. وكل مبنى مهمل آيل للسقوط بالنهاية. وعدم المساءلة من الشعب قادت إلى الانفجار المؤلم في الرابع من آب/اغسطس.
○ برأيك سيجد كل لبناني نفسه في هذا الفيلم؟ وهل سيعيد تقييم افكاره كما حدث مع المحلّفين الـ12؟
• بشكل عام سيجد كل إنسان نفسه في هذا الفيلم سواء كان من خط الممانعة أو اليمين المتطرّف. أو الإنسان المعنّف والمتقدّم بالعمر وبات مهملاً. للأسف جيلنا يخشى الشيخوخة التي باتت مهملة كلياً في هذا البلد. ففي عمر الـ64 يشعر وكأن أحدهم يطلب منه أن يستقيل من الحياة، في حين أن حياته تبدأ في هذا العمر في البلدان المتقدّمة. على الطاولة تمثّل الجميع، وقد يجد المشاهد أن شخصيتين من المحلّفين تمثلانه، وليس واحدة.
○ الصاروخ الورقي المُجنّح الذي انطلق من غرفة المحلفين إلى الاهراءات في المرفأ. لماذا هذا المشهد الرمزي والمباشر في آن؟
• ثمة جملة معبرة في قصيدة الشاعر نزار قباني «الآن عرفنا ماذا اقترفت أيدينا». برأي عدم المساءلة عن الأداء السياسي، وعدم المحاسبة في صندوق الاقتراع، واهمال تأسيس دولة تحكمها الأنظمة، سيؤدي بالنهاية لما نحن عليه، عدم المساءلة مثّلها الصاروخ.
○ «الحق علينا كلنا» آخر ما ورد في الفيلم. استنتاج ضروري ليبقى اللبنانيون متساكنين أو متعايشين برأيك؟
• المساكنة ليست مطلوبة. على المواطنين أن يدركوا أن الوطن الذي يعيشون فيه ليس فندقاً. صحيح أن تاريخ هذا الوطن كدولة ليس مغرقاً في القدم، لكنه يحمل موروثات من الماضي على قدر كبير من الأهمية. الجهود يجب أن تُبذل من أجل الشراكة في الوطن وليس العيش المشترك. علينا اختيار ممثلين حقيقيين للشعب، يحولون الوطن مكاناً آمناً ومنتجاً للعيش. وطن يعود إليه المغتربون ليس للسياحة وحسب، بل للعيش والعمل والإنتاج. وأن نتخلّص من لازمة «منربي ولادنا وبيفلو».
○ وماذا عن الإنتاج؟
• انه مشروع شخصي بدأ من أزدشير جلال احمد كمنتج، وانطلق التصوير سنة 2021 وخلاله عشنا تقلبات غير منطقية في سعر الصرف. بدأنا بسعر وانتهينا بآخر خيالي. مررنا بمخاض عجزنا عن مواجهته، فنحن لسنا من المتمولين الكبار. وجاءت كارلا ماريا الخوري لتأخذ بيدنا مشكورة، حيث أنجزنا المراحل الأخيرة من الفيلم. نعم واجهنا مصاعب في الإنتاج.
○ وماذا عن الكاستينغ؟ بدا مميزاً.
• حاولنا منح مساحة للشباب الجدد. ففي لبنان تقريباً حوالي 2000 متخرّج في السينما أو المسرح ولا يجدون فرصة عمل. نحن قدمنا فيلماً مستقلاً، وكانت مساحة المواهب الجديدة ظاهرة في الـ90 دقيقة وهي زمن الفيلم. اعتمد الاختيار على الموهبة وعلى مدى الطاقة المؤثرة في تجسيد هذا الدور، وخضنا تمارين مكثّفة وصولاً إلى هذه النتيجة.