(بمناسبة صدور طبعة جديدة، قريباً، من رواية «دمشق67» عن المؤسسة العربية في بيروت، هنا فصل قصير منها).
عندما وصلتُ كان علي صامتاً، وعلى وجهه لُبَدٌ وهموم. وبلامبالاة لَمَّ فخذيْه المليئتيْن ليفسح لي مكاناً بالقرب منه، وهو يشير إلى النادل النحيل طالباً لي كأس شاي فوراً. واحتجّ عثمان :
ـ شاي! ونحن على أهبّة المسير، ياعلي؟
وبهدوء شديد يُقارب الإنقباض رَدّ علي :
ـ دعْه يشربْ هانئاً، لا تبخسْ متعته ياعثمان.
ـ أتعلّمني مُتَع الدنيا وأنت أزهد الناس فيها؟
قال عثمان حاقداً، وأضاف رأساً ، وكأنه يخشى أن تضيع الفكرة منه:
ـ أم تلك خدعة جديدة؟
كان يتكلّم وهو يتَشوّف الطريق وكأنه ينتظر أحداً لا يريد أن يراه. ظلّ علي محافظاً على هدوئه، وكأنه قرّر ألاّ يعكّر أحد صَفْو نفسه، ذلك اليوم. وبعد فترة من الصمت، قال بلا مغالاة:
ـ ومَنْ يعرف مُتَع الدنيا أكثر من الزاهدين فيها؟
قال ذلك وهو يبتعد بعينيه عنه، شاهقاً نسيم الغروب المنعش، النسيم الذي كان ينحدر من أعالي الليل، ليل الجبال التي كانت تسوقه نحونا.
كانت الشام، كلها، تبتهج بلَطائف ذلك النسيم الرطب المنحدر من السماء، من السماء الغربية الخاتلة خلْف الجبال. نسيم نقيّ تُصَفّيه الصخور العظمى وأعشابها البريّة الكثيفة، ومن بعد، يمرُّ على«الفيجة»، و«بَرَدى»، قبل أن يجيء حاملاً ذراري الماء، وروائح الصعْتر والخَرْنوب. نسيم أدمنه أهالي دمشق، كلهم : النسوة والاطفال والرجال. كلهم، كانوا يتمازجون وهم يسيرون بهدوء آسر متعرّجين مع الطريق الضيقة المتجهة إلى الغرب، حيث «بيروت» الشهيّة البعيدة المنال. يسيرون تحت صفائح الجبل العالي صَمْتى، ناظرين برهبة إلى الصخرة العظمى، وقد كَتب عليها أحد العُشّاق: « أذكريني دائماً»! قبل أن يُلٌقي بنفسه في الحضيض.
عثمان، هو الآخر، أدار رأسه باستياء. أداره وهو يٌتمْتِم بكلمات لم أفهم منها شيئاً، وإنْ كنتُ فهمتُ الأساسيّ، إذْ سمعته يٌؤكِّد :« شَرِب كثيراً، وأكلَ كثيراً، ولم يكبر»! مَن المقصود غيري؟ ومع أن رصاصات نقده اللاذع لم تكن تصيبني لأول مرة، إلاّ أنني أحسستها، الآن، أكثر إصراراً على اختراق حصانتي المنيعة، حصانة الجوع الذي لا يعرف الإرتداد: جوع المعرفة، وجوع الزاد.
ووجدتني، كالعادة، أُواسي نفسي متواطئاً معها: وما يهمّني منه، ومنهم، وأنا القادم من أعماق الأرض المليئة بالشوك والآفات؟ كانت الدافعة التي تحرّكني مجهولة حتى مني، وكنتُ لذلك، ربما، أطيعها بلا استياء؟ كيف لي، في هذه الحال، أن أتمتّع برأي، أو أن يكون لي موقف وسلوك، وأنا الجاهل بمَنْ هو أنا؟ صرتُ أتساءل. وما هو الخضوع، إنْ لم يكن هو هذا الفراغ الهائل الذي يشلّ الكائن، ويُلقي به في حضيض اللافعل، كما سأعرف فيما بعد؟
منذ متى وأنا أُلاحقهم مثل الكلب الأليف؟ صرت ألوم نفسي. ومن أجل أي شيء أفعل ذلك؟ من أجل طمأنينة وهْميّة؟ أم من أجل مصالح صغيرة أُخرى؟ مَنْ يدري، إنْ كنتُ أنا نفسي لستُ متأكّداً من شيء يخصّني، يخصّ حياتي الداخلية بالذات؟ وفجأة، قال علي وكأنه لم يَنْسَ ما قاله عثمان قبل قليل، أو لكأن بنفسه أمراً أراد له أن يكون واضحاً بلا لَبْس:
ـ لِمَ يتكلّم المرء إن لم يمس كلامه القلب؟
وبعد فترة من الصمت الذي سيطر بشكل قسريّ على الفضاء، تابع حديثه «الصغير» وكأنه لم يبلغ مأربه «الكبير» في التعبير عمّا كان يشغله بعمق، فقال:
ـ أُعطِيَ الكائن نعمة الكلام ليعبّر عمّا يملأ قلبه من أمنيات، وعمّا يعتمل في نفسه من رُؤى لا خلاص له منها إلاّ بالتعبير عنها، لا لينْثُر كلماته في وُجوه الخلْق، وكأنه ينثر عليهم الأزهار، وهي في الواقع أشواك لَواسِع.
ظلّ عثمان ساكتاً دون أن يسكت فعلاً. كان يتكلّم صمتاً. كانت طاقة الكلام الممتليء بالإرتجاجات تسيطر عليه بشكل لا يُقاوَم. لا، لم يكن مثل غيره من الناس بحاجة إلى النُطْق ليتكلم. كان مجبولاً من الكلام.
كانت طاقة الكلام المركّبة، هذه، عنده تثير دهشتي وخوفي. لم أكن أفهم كيف يحتاج المرء إلى الكلام بقدْر حاجتي أنا إلى الطعام. وعندما حكيت «لابن الورّاق» عن هذا ضحكَ بلزوجة وهو يقول :«لا ينطق الكائن إلاّ عن الهوى». ولمّا رآني مأخوذاً بكلامه أكثر ممّا كان يتوقَّع، ابتَسمَ باللزوجة نفسها، وهو يقول : « الكلام، هو الآخر، طاقة. إنه تصريف لطاقة مكبوتة بالأحرى. القمع المخيف الذي يمارسه الآخرون علينا هو الذي يُنتِج لَغْوَنا السخيف».
وبعد أن سَكتَ قليلاً، وكأنه أرادني أن استَوْعب ما قال، أضاف: « لَغْو؟ لا. كل ما يصدر عن الكائن ذو معنى. لكننا، مع الأسف، لم نتعَوّد، بعد، على التقاط المعاني الكثيرة التي تُرْمى أمامنا باستمرار. لماذا؟ لأن حاسة الإدراك عندنا مشغولة، أريد أن أقول شُغِلَتْ بأمور تافهة أخرى».
أردتُ أن أسأله عن ماهية تلك الأمور «التافهة» التي تسيطر على إدراكنا وتعطّله إلى حدّ البلادة، إلاّ أنني خشيتُ عاقبة الكلام، فسكتُّ. سكتُّ، وأنا أُغالب النظر إلى بكر مستطلعاً، خِفْية، ما يُعانيه.
لم يكن بكر في وضع يسمح له بالتعليق على ما كان يجري أمامه، آنذاك. كان يبدو للناظر إليه مثل خِرْقَة مَدْعوكَة. وكنتُ أحسب، وربما حسبوا هم أيضاً، أن السبب امرأة. ولقد أوحتْ لي بذلك تمتمات عثمان المستنْفِر، وهو يردد في خناقه: « ماذا فعلتْ به المرأة الفَتوك»؟ ولكن مَنْ باستطاعته أن يتأكد؟ وكيف يمكن اختراق الهالة التي تحيط به، هالةٌ تُضخِّم التفاوت الموجود بيننا أصلاً؟
ذلك اليوم، نسيت ظمأي العنيف، وأنا أتطلّع إلى بكر. كنت مأخوذاً بالتبدّل الذي طرأ عليه. كان يبدو، وقد انفرجتْ أساريره، مثل طير في نهاية طيرانه. ولأول مرة، كنت استوعب معنى المتعة، لا أفهمها فقط. «فالفهم مرحلة أوليّة في طريق المعرفة» كما قال «ابن الورّاق»، قبل أن يؤكّد:«تلك هي حال الكائن الذي أشبَعَ رغبة من رغباته، فتصوّرْه وقد أشبعَ رغبات عدّة»، والذي أضاف، وهو يضيق ذرعاً بصمتي:« لذا علينا أن نعمل كل ما نستطيع لنتخلّص من الكبْت والأوهام. ولن يخلّصنا منهما إلاّ ثورة حقيقية».
ولمّا رآني أفتح عينيّ على اتساعهما تَعَجُّباً (وهما ضيّقتان)، صار يتعجّب، هو الآخر، بصمت. ولمّا طال سكوتي، ولم أقل شيئاً ممّا كا ينتظر قوله، ضحكَ ضحكته اللّزجة، نفسها، فتطايَر رذاذ بصاقه الثوريّ حولي، وهو يقول: «ما كنتُ أظنّكَ قليل الفطنةإلى هذا الحد». وكأنه أحسّ بأنفة في نفسه، أضاف، مقرِّعاً: «أحسّكَ تتراجع بدلاً من أن تتقدّم رغم لُحوقكَ الطويل بهم. لكأنك بلا فاهمة. أو لكأنهم، هم، بلا منظور نقديّ للحياة، منظور جدير بأن يقود كائناً تائهاً، مثلك، للوصول إلى حيث يريد».
وكأنه إراد أن يدفع بي، ذلك النهار، إلى حافة اليأس، قال بيقين مطلق: «قد تجد مَنْ يشرح لك الأمور، مهما كانت شديدة التعقيد، ذات يوم، لكنك لن تجد أبداً مَنْ سيفعل ما يجب عليك أن تفعله أنت».