غزة ـ «القدس العربي»: من جديد عاد ملف هجرة الشباب من قطاع غزة إلى القارة الأوروبية، يتصدر حديث السكان خاصة بعد توثيق عملية خروج عشرات الشبان من عدة مناطق في القطاع على دفعات متتالية، تشمل الواحدة نحو 40 شابا يوميا، من معبر رفح البري، في طريقهم إلى مصر، ومنها كالعادة إلى تركيا ومن هناك تهريبا إلى اليونان، رغم الأهوال والمخاطر التي قد تكلفهم حياتهم، على غرار عشرات الحالات السابقة.
وأصبح الحديث عن ملف الهجرة، هو العنوان الأول في هذه الأيام في مجالس الغزيين، بعد ما جرى تبادل صور للشبان الراغبين في الهجرة وهم يحتشدون بالعشرات أمام مكتب سفريات، مختص بإصدار «فيزا» من تركيا، وآخرون وهم يحملون أمتعتهم، على بوابة معبر رفح جنوب القطاع، قبل الانطلاق في رحلة سفر طويلة تمتد برا إلى مطار القاهرة، ومنه جوا إلى مطار إسطنبول، وهناك يبدأون بتدبر أمورهم بالتواصل مع مهربين لإخراجهم بطرق غير قانونية، إما عن طريق الغابات الموحشة أو عن طريق البحر المرعب، من خلال قوارب غير آمنة إلى إحدى المناطق اليونانية.
فيزا تركيا بداية الطريق
ومنذ أسابيع، بدأ يلاحظ تجمع عشرات الشبان أمام مكتب مختص بتسهيل إجراءات الحصول على «فيزا» تركية سياحية، من أجل الحصول على جوازات سفرهم التي وضع عليها طابع تلك الفيزا الخاص، لتنسيق سفرهم بعد ذلك عبر معبر رفح البري، للوصول إلى القارة الأوروبية عبر بوابة اليونان، في رحلة محفوفة بالمخاطر.
ومنذ أيام قليلة انحسرت كثافة المتواجدين، بعد فرض الجهات التركية إجراءات جديدة للحصول على «الفيزا» تشمل إحضار أوراق إضافية من الراغبين بالسفر، وتعقد مهمة بعضهم، غير أن هناك من الشبان من يحضر يوميا ليقف أمام بوابة المكان المغلقة، والتي يوصدها رجال أمن من شركة حراسات خاصة، بانتظار دوره للدخول إلى مقر الشركة.
وقبل أسبوعين، كان هناك من بين من يتواجدون شبان يحضرون قبل أن تشق الشمس طريقها إلى سماء غزة، ومنهم من ينتظر حتى تختفي الشمس في البحر، وهؤلاء جميعا يبدأون بتنسيق سفرهم من معبر رفح، حتى الوصول إلى تركيا، بمجرد الحصول على «الفيزا» وقد وضع شبان تداولوا ملف الهجرة على صفحاتهم على موقع «فيسبوك» صورا مع تعليق «طوابير مئات الشبان في مكاتب السفر سعيا للهجرة خارج غزة».
وفي غزة تحتكر شركة واحدة عملية إصدار «الفيزا» التركية، وهو أمر خلق حالة تزاحم وتدافع على مدار الأسبوعين الماضيين، علاه في الكثير من الأوقات صراخ واحتكاك مع أفراد شركة الأمن المخصصة لحماية الشركة، ما أدى في أحد المرات لصدامات وشجار بالأيدي بين أفراد الأمن والشبان المقبلين على الهجرة، والذين يتلهفون لإنجاز معاملات السفر ويشتكون البطء الحاصل في إجراءات «الفيزا» وقد حظيت لقطات وثقت الأمر باهتمام كبير في غزة، وجاء ذلك وفق المعلومات المتوفرة لـ «القدس العربي» بسبب تأخير الجهات القنصلية التركية إصدار التأشيرة، لطلبها أوراقا جديدة للمتقدمين، حيث تقرر أن يجري العمل بالآلية الجديدة مطلع الأسبوع الماضي.
وقد دفع التزاحم أمام مكتب الشركة، جمعية وكلاء السياحة والسفر، لاستنكار ما وصفته بـ «الاعتداء الهمجي» ضد المواطنين، من الشركة التي وصفتها بـ «الاحتكارية» وقالت إن المتقدمين «أصيبوا واهينوا وعوملوا معاملة تمتهن كرامتهم وإنسانيتهم واذلالهم في طوابير طويلة عبر شقة صغيرة داخل مبنى لا يناسب الأعداد الكثيرة» واتهمت الجمعية تلك الشركة بسبب احتكارها للأمر برفع رسوم «الفيزا» بشكل جنوني.
ركوب «البلن» إلى أوروبا
ويقول أحد الشبان وهو في منتصف العشرينات ويدعى إبراهيم، ممن يسعون للهجرة، أنه تواجد منذ ساعات الصباح الأولى، وقبل أن يبدأ العمل رسميا في مكتب السفريات لحجز دور متقدم لمقابلة موظفي الشركة للحصول على الفيزا، ويشير إلى أن ما دفعه لاتخاذ هذا القرار هو صعوبة العمل في غزة، ورغم أنه يعلم أيضا أن طريق الهجرة صعب، ويقول إنه قرر الهجرة والمغامرة ليقوم بتحسين وضع عائلته الفقيرة، وخلال حديثه اعتلت صوته حشرجة حين قال إنه قرر الهجرة حتى لو قضى قبل الوصول لوجهته.
أحد من تواجدوا هناك كان رب أسرة يبلغ الأربعين من العمر، وقال لـ القدس العربي» إنه يعلم أن طريق الهجرة غير آمن، وأنه ربما لا يتمكن من النجاة وأن يكتب عليه الموت، لكن عدم وجود مجال عمل له في غزة دفعه للتفكير في الهجرة، ويضيف أن ما يضطره لركوب البحر ومعاناة مخاطر الهجرة هو عدم ملائمة دخله في غزة مع متطلبات العائلة، ويقول إنه سيبدأ فور الحصول على عمل في الدولة التي ينوي الوصول إليها بعد اليونان، وهي بلجيكا، أن يرسل أموالا لانتشال أسرته من الفقر.
ويقول خالد وهو شاب لم يكمل تعليمه الجامعي واكتفى خلال السنوات الثلاث الماضية بالعمل في عدة مجالات بأجر زهيد، خلال انتظار الدور أن يحصل على جواز سفره على وجه السرعة، يقول إنه جهز حقيبة سفره، ولم يأبه خلال حديثه مع «القدس العربي» لحوادث الغرق التي أودت بحياة الكثير من قبله. وقال بثقة «أصل تركيا، وهناك طريقتان للتهريب» ويشير إلى أن الطريقة الأولى تعرف بركوب «البلان» وهو زورق مطاطي يركب على ظهره نحو 20 شابا، رغم أنه غير مجهز لهذه العملية، وتقدر تكلفة الفرد بـ 1700 دولار، وقد تسبب في حوادث غرق كثيرة، ويوضح أن الطريقة الثانية هي المركب السريع، الذي يركبه عدد قليل ويصل من لحظة الانطلاق من الأراضي التركية لليونانية في مدة قليلة جدا مقارنة بالرحلة السابقة، وتقدر تكلفته بأكثر من 3500 دولار، وهذا الشاب قد استدل على هذه الطرق من شبان سبقوه إلى اليونان، ولا يزال على تواصل معهم.
وقد اشتكى شبان وصلوا إلى القارة الأوروبية من أن المهربين يتركونهم في القارب المطاطي وحدهم ويدعون أحدهم لتحريك الدفة حتى الوصول إلى إحدى جزر اليونان، ما يهدد حياتهم للخطر، ويؤكدون أن المهربين يحملون تلك القوارب فوق طاقتها، بحيث يتم وضع أكثر من 20 فردا دفعة واحدة، ما أدى إلى غرق الكثير منها، وقد ظهر في صورة التقطها شاب قبل أيام وهو على متن هذا القارب خلال رحلة الهجرة، عدد كبير من رفاقه، فيما أظهرت لقطات أخرى فرحة أولئك الشبان حين وصلوا سالمين إلى الجزيرة اليونانية. كما يؤكد الشبان الذين ينوون الهجرة أنهم جمعوا كل مدخراتهم واستدانوا وعوائلهم من أقارب وجيران، لاستكمال أوراقهم وحجز تذاكر السفر ودفع رسوم التهريب، على أمل أن يجمعوا هذه الأموال عند الوصول والعمل في أوروبا.
وقد لوحظ أن الإقبال على الهجرة زاد خلال الشهرين الماضيين، ويتحدث عن الشبان أن من سبقوهم خلال تلك الفترة، لم يواجهوا أعباء السفر، ولا ملاحقة الأمن البحري اليوناني، وحصلوا على الإقامة في غضون شهر أو شهرين، بعد أن كان الحصول على الإقامة في هذا البلد والذي يمهد لهم الخروج لأي دولة أوروبية يحتاج إلى سنة أو أكثر، وبدا ذلك في لقطات مصور لشبان من غزة، جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي وهم في طريقهم البحري من تركيا إلى اليونان، ولآخرين بعد أن وصلوا أحد معسكرات إيواء اللاجئين في اليونان، وكانوا على بوابة المخيم يلوحون بأيديهم لأصدقاء ورفاق لهم سبقوهم إلى ذلك قبل أيام، وعلمت «القدس العربي» أن هناك شبانا وصلوا إلى اليونان، بعد خمسة أيام فقط من مغادرة قطاع غزة.
نصائح للراغبين بالهجرة
ومع تزايد الطلب على الهجرة، قام شاب يدعى حسام البيوك، وهو من قطاع غزة، وتمكن في وقت سابق من الوصول إلى اليونان بغرض الهجرة بتقديم نصائح للراغبين بالهجرة على صفحته على موقع «فيسبوك» والتي تلاقي متابعة من الكثير من الشبان، الذين يسألونه عن أمور السفر والوصول والتسجيل كمهاجرين، كما يقدم لهم نصائح حول كيفية استقدام الأسر في وقت لاحق.
لكن رغم ذلك، لا يزال سكان غزة يستذكرون بألم عشرات الشبان الذين قضوا غرقا في بحر المتوسط خلال محاولات الهجرة والتي بدأت منذ العام 2010 ويخشون أن يواجه المهاجرون الجدد مصيرا مماثلا، ويظهر ذلك جليا في مشاهد الوداع بين الأهل والمهاجرين، عند آخر نقطة لقاء بينهم على بوابة معبر رفح جنوب القطاع، حيث يمرون منها إلى مصر برا، ومن ثم إلى تركيا جوا، ففي لحظات الوداع الأخيرة، تفيض أعين الشبان وأهاليهم خاصة أمهاتهم بالدموع، وفي تلك المشاعر يستذكر الأهالي والشبان، قصص الغرق وأعباء السفر، كما يستذكرون بعد المسافات التي ستفصلهم، في حال نجاح مهمة الوصول إلى القارة الأوروبية.
مخطط إسرائيلي
وهناك من يقول إن الترويج لعمليات الهجرة في هذا الوقت يأتي بسبب وجود تسهيلات وعمليات تهريب جديدة لجأ إليها المهربون تمكن الشبان من الوصول أولا إلى اليونان مقابل مبلغ مالي باهظ يدفع بعد وصول الشبان إلى هناك، في وقت يحذر آخرون من مخطط معد له مسبقا تشارك فيه دولة الاحتلال، لتسهيل عمليات الهجرة، رغم أن هناك من يؤكد أن رحلة الهجرة لا تزال محفوفة بالمخاطر، ويحذر هؤلاء من حوادث غرق للمراكب غير المجهزة للعبور بهؤلاء الشبان، خاصة الشهر المقبل، والذي تبدأ فيه أمواج البحر بالارتفاع كثيرا مع دخول فصل الخريف واقتراب فصل الشتاء، باعتبار أن الكثير من حوادث الغرق السابقة حصلت في هذه الأوقات.
وفي غزة، لا يستبعد أن يكون لإسرائيل الدور الكبير في هجرة الشباب، بخلاف دورها الأساسي الذي دفعهم لذلك وهو البطالة والحروب، وذلك من خلال تقديم بعض التسهيلات المطلوبة في عمليات الهجرة التي طالت بعض العقول وأصحاب التخصصات النادرة. وفي دلالة على ذلك، ذكر تقرير سابق لهيئة البث الإسرائيلية، نقلا عن مصدر سياسي كبير في حاشية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قوله إن إسرائيل سعت لتهجير سكان قطاع غزة من خلال فتح باب الهجرة الطوعية لهم، وأشار إلى أن إسرائيل مستعدة لتمويل رحلات الهجرة على أن تنطلق من مطارات سلاح الجو، ومن المحتمل أن يعود هذا الأمر، خاصة وأن هناك تصريحات مماثلة لوزير الأمن المتطرف ايتمار بن غفير، الذي قال مؤخرا وفي سياق محادثات تشكيل حكومة اليمين المتطرفة، أنه يفكر في استحداث وزارة للهجرة تكون مسؤوليتها إرسال الفلسطينيين إلى دول أوروبا التي ترغب بالأيدي العاملة، وفي المقابل جلب المزيد من اليهود، لـ «مقاومة التغييرات الديموغرافية».
وكان الكاتب الإسرائيلي عومري شيفر رافيف، نشر مقالا في العام 2019 تحدث فيه عن تقارير تفيد بتواصل إسرائيل مع دول أخرى من أجل تنظيم هجرة منظمة إليها من قطاع غزة، ووفقا للخطة، فبمجرد موافقة أي دولة على قبول المهاجرين من قطاع غزة ستنشئ إسرائيل مطارا في الجنوب، و«تنقل سكان غزة إلى هناك بالحافلات، ومنها إلى بلدهم الجديد».
الجهات الرسمية وتقاعسها
وبسبب تزايد المقدمين على الهجرة من الشبان، علت الكثير من أصوات المواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي وجهوا خلالها اللوم للمسؤولين عن غزة لعدم تحركهم في السابق للتخفيف عن السكان، وهو الأمر الذي دفع الشبان لاتخاذ هذا القرار الصعب، وبدا ذلك الموقف واضحا في تدوينات وفي تسجيلات مصورة لنشطاء على مواقع التواصل.
وكان تنظيم الجبهة الشعبيّة، حذر من تنامي ظواهر مقلقة وخطيرة جداً باتت تهدد المجتمع الفلسطيني من أبرزها تزايد أعداد حالات الانتحار والهجرة غير الشرعية خاصة بين صفوف الشباب، وقال التنظيم إن تزايد مؤشرات حالات الانتحار وتقاطر آلاف الشباب للحصول على تصاريح وأذونات السفر للدول الإقليمية التي تُشّكل المحطات الأولى للهجرة غير الشرعية وركوب قوارب الموت إلى المجهول، «سببه استمرار العدوان الصهيوني والحصار المفروض على القطاع منذ سنوات طويلة، والتداعيات الخطيرة للانقسام الفلسطيني التي خلقت بيئة لتوالد وتوطين الأزمات، بفعل تواطؤ الجهات الرسمية وتقاعسها في أحيان أخرى، عدا عن قراراتها وإجراءاتها غير المسؤولة التي ساهمت بشكلٍ كبير في إدارة تلك الأزمات استناداً لحسابات الربح والخسارة» وأكدت أن تلك السياسات عظّمت من معاناة المواطنين وفي مقدمتهم الشباب.
وفي غزة، ليست هناك أرقام دقيقة لمن قام مؤخرا بالتسجيل للحصول على «الفيزا» التركية كبداية لطريق الهجرة، لكن متابعين للملف يقولون إنه يخرج يوميا من القطاع ما بين 30 إلى 40 شابا، وفي بعض الأحيان أكثر من ذلك، وأن من بينهم شبان إما يقطنون حارة واحدة أو من عائلة واحدة، ويقدر هؤلاء وجود نحو 20 ألفا يطلبون الحصول على «الفيزا» لكن هذه الأرقام غير دقيقة في ظل عدم وجود بيان رسمي من شركة السفر تقدم من خلاله مجموع من تقدموا لإتمام معاملاتهم.
أعداد المسافرين
كما لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد المهاجرين الذين تركوا القطاع خلال سنوات الحصار الإسرائيلي الممتد منذ 17 عاما، غير أن أحاديث متابعين للملف تشير إلى أن العدد الإجمالي للمهاجرين وأسرهم التي لحقت بهم يقدر بعشرات الآلاف، وأن هذا العدد مرشح للزيادة في ظل استمرار الأوضاع المعيشية والاقتصادية السيئة على ما هي عليه من دون تغيير.
وبسبب الحديث المتواصل عن ملف الهجرة غير الشرعية ومخاطرها، أصدرت الهيئة العامة للمعابر التي تشرف على عمليات السفر، بيانا أشارت فيه إلى وجود تهويل في الأمر، وقالت إن أعداد المسافرين المغادرين أو العائدين هي وفق المعدل السنوي المعتاد، ولا يوجد أي تغير ملحوظ فيها، وأنه حسب بيانات حركة السفر عبر معبر رفح تم تسجيل مغادرة 113234 مواطنا منذ بداية العام وحتى تاريخه، استنادا إلى كشوفات وزارة الداخلية وكشوفات التنسيق، فيما تم تسجيل وصول 116651 مواطنا، وقالت إن الاكتظاظ أمام مكتب السفر مرتبك بما جرى مؤخرا من اقتصار إصدار التأشيرة على جهة واحدة ومن خلال مكتب واحد فقط على مستوى قطاع غزة، بعد أن كان ذلك متاحاً من خلال كافة مكاتب السفر بجميع المحافظات على مدار السنوات الماضية، وحذرت من تداول أرقام وإحصاءات غير صحيحة لأعداد المسافرين أو المسجلين للسفر والافتراض خطأ – سهوا أو عمدًا- أن كل من سافر قد ترك قطاع غزة.
وأكدت أن الغالبية العظمى للمسجلين للسفر تندرج في إطار الحالات الإنسانية كالعلاج والمنح الدراسية والحصول على فرص عمل وزيارة أقارب أو مواطنين مقيمين في الخارج أو لأغراض تجارية.
وفي قطاع غزة ترتفع نسب البطالة بفعل الحصار الإسرائيلي المحكم المفروض منذ منتصف العام 2007 لنحو 50 في المئة من عدد السكان، وتكثر في أوساط الشباب حملة الشهادات الجامعية، فيما تفوق نسبة الفقر معدلات الـ 65 في المئة، إذ بات 80 في المئة من سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني مواطن، يعتمدون على المساعدات الخارجية لترتيب أمور حياتهم.
ولم تنجح محاولات الإسعاف التي تقدم من جهات حكومية أو دولية أو أهلية والتي تقوم على «تشغيل مؤقت» للشباب في إنهاء ظاهر تفشي الفقر والبطالة، فالبرامج المقدمة لا تكفي بالكاد إلا لتوفير مصروف لشبان في مقتبل العمر، أو لأسر صغيرة، حيث تعود مشكلة تلك الأسر ومعاناتها إلى فقدان العمل والحاجة للمال في اليوم التالي لانتهاء عقد العمل المؤقت. ويقول الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وهو جهة حكومية رسمية، إن معدل البطالة للشباب الخريجين في قطاع غزة بلغ 73.9 في المئة.
وبالحديث عن طريقة السفر، فكالعادة من يحالفه الحظ بالوصول إلى اليونان متخطيا قوات أمنية خاصة، اتهمت بقتل لاجئين خلال رحلات الهجرة في أوقات سابقة أو متجاوزا قوات خفر السواحل وأهوال البحر التي أغرقت العشرات في رحلات سابقة، يبدأ في ذلك البلد الأوروبي إجراءات اللجوء، إما بالتسجيل في برنامج اللاجئين والإقامة في مخيمات لا تصلح للعيش الآدمي قبل الحصول على الإقامة، أو الانتقال من هناك بطريقة أيضا غير رسمية إلى إحدى الدول الأوروبية الغنية، ليسلم نفسه لسلطات الهجرة طالبا اللجوء، رغم أن الهجرة من اليونان إلى تلك البلدان محفوفة بالمخاطر أيضا، وسجل في رحلات سابقة وفاة شبان من غزة غرقا في الأنهار أو بسبب الإعياء الذي يصيبهم جراء السفر.
وفي تقرير سابق لـ القدس العربي» أكد شبان ممن تمكنوا من الوصول إلى بلدان أوروبية، وقد رووا أهولا خطيرة واجهوها في رحلة الوصول البحرية، أن هناك «مافيا» تتولى أمور الهجرة بمجملها، تبدأ ترتيباتها من لحظة وصوله إلى البلد الذي سينقل منه إلى أحد السواحل الأوروبية، وقد روى أحدهم تعثر رحلة الهجرة ثلاث مرات، حين اكتشف من قبل الأمن اليوناني، وقد تعرض مع آخرين للملاحقة والضرب والتنكيل الذي كاد أن يودي بحياتهم، خاصة وقد ترافق ذلك مع الكشف عن استعانة اليونان بما يسمى بـ «جيش الظل» وهم عبارة عن أشخاص ملثمون، يواجهون المهاجرين من دون رأفة، ويقال إنهم من مهاجرين استخدمتهم اليونان لهذا الغرض.