أنا الشحّاذ على بابي

لا يكاد مجتمع يخلو من ظاهرة التسوّل، بما في ذلك المجتمعات الغنيّة التي تجري على شتّى ألوان النشأة الحضاريّة، فلا يزال «السؤال» فيها يرافق مظاهر العمران ويسايره؛ وإن اختلفت طرق الاستجداء أو اتّخذت أساليب «فنيّة» ذكيّة تذكّر بـ«الكدية» من رسم وموسيقى وغناء؛ قد تجلو بعض بواعث السائل وخفاياه، وقد تعرب عن خلجاته وبدوات نفسه؛ ولكنّها تذهب بذهابنا في حال سبيلنا، وتنطوي بانطوائنا في زحمة المدينة وضجيجها. والتسوّل شأنه شأن ظواهر اجتماعيّة أخرى، يتأثّر بالتّغيّرات العامّة التي تطرأ على المجتمع وينفعل بها. ولكن ربّما ساد في مجتمعات الوفرة، نوع أو نظام خاصّ من التسوّل، وربّما انبعث في عهود الأزمات الاقتصاديّة والحروب، نوع أو نظام آخر مغاير.
وعلى ذلك لا أعرف من كتب حديثا في هذا الموضوع في بلادنا، خارج الأدب بشتّى أجناسه أو أنواعه؛ أمّا قديما فقد لامست طائفة من كتّاب العربيّة وشعرائها موضوع التسوّل أو السؤال ملامسة خفيفة دون أن تبرح دائرة الوصف والتصوير كما هو الشأن في «المقامات»، أو التدقيق اللغوي كما في المعاجم، فالتَّسَوُّلُ هو استرخاءُ البطن، ومثله «التَّسَوُّن» و«السَّوَلُ» أي استرخاءُ ما تحت السُّرَّة من البطن. بل إنّ العربيّة لا تميّز بين الفقير والسائل، فهذا يسمّى ذاك، وجمع السائل الفقير سُؤّال. والحديث «للسائل حقّ وإن جاء على فرس» يعزّز هذا المعنى أي حسن الظنّ بالسائل، كيفما كانت هيئته أو رابك منظره. بالرغم من أنّ الفقر يُحصر في الكفاف، ويحفظ الرمق؛ أي هو الحاجة هو الحاجة، والأسوغ الافتقار وهو فعل الفقر؛ ذلك أنّ الفقير هو الذي له ما يأكل أو بعض ما يقيم أوده، وإنّما سمي فقيرا لزمانة (عاهة أو مرض مزمن) مع حاجة شديدة، وتمنعه الزمانة من التقلّب في الكسب على نفسه. وقس على ذلك شتّى معاني «شَحَذَ» مثل شحذ الجوعُ مَعِدَتَه أي ضرّمها وقوّاها على الطعام وأَحَدَّها.  بل قالوا» الشحذان» (بالتحريك) أي الجائع؛ ولم يقولوا «الشحّاذ».
وداخلت طائفة أخرى ظاهرة التسوّل مداخلة أعمق وأطرف كما في شعر الكدية عند أبي فرعون الساسي: «ليس إغلاقي لبابي أنَّ لي/ فيه ما أخشى عليه السَّرِقا/ منزلٌ أوطنه الفقر فلو/ دخل السارقُ فيهِ سُرِقا». أو عند أبي المخفّف الذي برع في وصف الخبز الذي يكاد يفتقده التونسيّون، وهم يتزاحمون أمام المخابز: «دعْ عنكَ رسمَ الديارِ/ ودعْ صِفات القفارِ/ وصفْ رغيفاً سريًّا/ حكته شمسُ النهارِ». ومثله الأحنف العكبري في وصف الدقيق أو السميذ مطحون القمح الذي تسعى تونس اليوم إلى استيراده من روسيا: «إذا نفد الدقيق فقدْتُ عقلي/ ويبقى العقلُ ما بقيَ الدقيقُ». وهو الذي برع في وصف الفاقة والعوز والقلّة والذلّة والوحدة: «والخنفساء لها من جنسها سكن/ وليس لي مثلها إلف ولا سكن». بل يفاخر بفقره ذوي المال ويجاذبهم مكانتهم، ويكاد يذكّر في بعض أشعاره بما يقوله مارك توين: «إنّ الأغنياء الذي يعتقدون أنّ الفقراء سعداء، ليسوا بأكثر حماقة من الفقراء الذين يعتقدون أنّ الأغنياء هم كذلك أيضا».
ومثل أبي دلف الخزرجي صاحب القصيدة المعروفة بـ«الساسانية»، وهي في هجاء المتسوّلين والمتشرّدين والحواة والغجر، وكشف حيلهم ولغتهم الرمزيّة الخاصّة؛ وتصلح أن تكون مثالا للعربيّة المولّدة وما خالط الفصحى من المفردات الفارسيّة.
وهذا لا يعني إغفال ما صنّفه المعاصرون في «أدب الكدية» أو أدب المتسوّلين والشحّاذين في العصر العبّاسي. إنّما أقصد المقاربات الاجتماعيّة أو التاريخيّة أو حتى الفلسفيّة التي تنحو منحى أدبيّا كما نقرأ في المصنّف الجماعي «المتسوّلون والتسوّل في بلاد اليونان قديما» الصادر منذ حوالي سنتين (بالفرنسيّة) وهو مكتوب بتسلسل تاريخيّ وترتيب زمنيّ دقيق، يمتدّ من اليونان الأقدم إلى العالم اليهودي المسيحي: المركز والمحيط، وأماكن التسوّل وشاعريّة الشحّاذ، والتسوّل في الأدب الملحمي والفلسفة والتسوّل أو السؤال الذي يعادل الكسل، والتثاقل عمّا لا ينبغي التثاقل عنه؛ وهو من ثمّة يتهدّد المجتمع في أخلاقه التقليديّة. ولعلّ مدارسة «ظاهراتيّة التسوّل» أي ظاهراتها كما تبدو، بصرف النظر عمّا وراءها من حقائق، استئناسا بـ«تاريخيّتها»، هي التي تحول بيننا والخلط بين التسوّل من حيث هي سيرورة وإيديولوجيا وبين الحركة الاجتماعية نفسها وعمل الذين يدركونها، ويحلّلونها ويسمّونها؛ من أجل نقدها وضبطها، وهؤلاء هم التقليديّون. وقد لا نفهم حقّا تاريخ مجتمع، ونبتّ في ما إذا كان يتجدّد حقّا، أو هو ينزع، تحت ردّ الفعل، إلى لزوم «التقليديّة» أكثر فأكثر؛ ما لم نحكم وصف عمل هذه المجموعة، وهذه الظاهرة التي بدأت تزحمنا في حلّنا وترحالنا.

المتسوّل المشّاء

يقدّم الكتاب رؤية شاملة لحالة المتسول في المجتمع اليوناني، أشبه بمنظر كامل في كلّ اتّجاه، يدور على محورين أفقيّ وعموديّ. ونعرف من تاريخ الفلسفة أنّ سقراط كان ينظر إلى الفقر على أنه مسألة فضيلة، وأنّ أفلاطون وأرسطو كانا يربطان الفقر بالرغبة، بل كانا يعدّانه مصدرا محتملا للرذيلة؛ إذ يوسوس الفقر للفقير، فيقع بسهولة في الذنب والفساد والحسد. ومثلما يولّد الرخاء الضعف، فإنّ الفقر يولّد كما يقول أفلاطون في «الجمهوريّة» الدناءة والرغبة في ارتكاب الخطيئة [الإثم] ويجرّد المرء من كرامته عندما يتحوّل إلى متسوّل. بل يذهب أفلاطون أبعد، فمثلما «طرد» الشعراء من جمهوريّته، طالب في «القوانين [النواميس]» باستبعاد هؤلاء الذين يحطّون من قدر المدينة: «لتكن البلاد خالية تماما من هذه الماشية».  لكنّ هذا المصنّف يعقد في بعض فصوله الممتعة صلة أشبه بصلة الرحم ووشيجة القربى بين الإله والتسوّل في اليونان قديما، وبخاصّة في صورة أو هيئة المتسوّل المشّاء «حافي القدمين» الذي يرفض منتجات الصناعة والثقافة، ويختار أن يكون لصيقا بالطبيعة أو هو لا يتحرّر منها. وعلى ذلك فإنّ له دلالة إيجابيّة، من منظور فلسفي سقراطي (نسبة إلى سقراط) فالتخلّي عن الحذاء علامة اكتفاء ذاتي، وحرص على عدم صرف للمال في غير الحاجة.
إنّ ظاهرة التسوّل كانت ولا تزال رغم المقاربات الحديثة المتنوّعة كما يتمثّلها هذا المصنّف غامضة جدّا، بل إنّ المتسوّل ليس بالشخصيّة «الهامشيّة» أو «المهمّشة» كما يقع في الظنّ عادة. وهذا وغيره ممّا لم أذكره في هذا الحيّز المحدود مثل التسوّل في «الأوديسا»، يفضي إلى إعادة قراءة التسول في ضوء المفاهيم الأنثروبولوجية المخصوصة بالفقر والتطفل والنفي والضيافة والاكتفاء الذاتي. لكن ألا يستفرغ التعميم من هذا المنظور، فكرة التسوّل من معناها الأصلي، ويأتي على دلالاتها؟ أليس عين الصواب ما تقوله حنّا أرندت وهي تثبت في «أزمة الثقافة» أنّ الأزمة التي حلّت بالعالم الحديث أثّرت تقريبا في جميع مجالات الوجود والنشاط البشري. لذلك يكون من المفيد أن لا نحصر الأزمة في مجرّد ظاهرة اجتماعيّة أو دينيّة أو اقتصاديّة أو «هجرة غير نظاميّة» كما هي حال اليوم حيث تتحوّل دول بأكملها إلى «دول متسوّلة»؟  بل لعلّ الأصوب من ذلك ما يقوله الفيلسوف الأمريكي مايكل والزر في «مجالات العدالة» وأنا أنقل الشاهد عن بول ريكور، من أنّ الرؤية الإجرائيّة (الصوريّة أو الشكليّة) البحتة للعدالة ليست كافية، وأنّه بات من الضروري مراعاة طبيعة البضائع التي يتمّ توزيعها، أي العمل على ربط البضائع والخيرات والثروات، بما هو خير وقيمة. والبشر اليوم لا يوزّعون «السلع» أو «البضائع» التعليمية و«السلع» الصحيّة وسلع السوق عامّة، وحتى المواطنة مثل الحقّ في تكوين الجمعيات وحقّ التعبير والحقّ في الأمن… بالطريقة نفسها. على أنّ للسوق منطقا خاصّا، الأمر الذي يستدعي مفهوما جديدا للمجتمع، وإعادة الاعتبار للدولة «الراعية» التي افتقدناها.
ثمّة اليوم في مجتمعاتنا ظواهر وحالات من البؤس والخصاصة، نقف إزاءها مدفوعين مصدودين، تكاد لا تسعفنا حركة ولا تنجدنا إيماءة أو سانحة من السّوانح نتذرّع بها. وهي كلّها أمارة من أمارات عوزنا جميعا وعلامة من علامات خيباتنا في ثورات «الربيع العربي».
كأنّ كلاّ منّا هو البرتغالي «دنيال فريّا» الذي لم يمتّع بشبابه؛ وقد وقفت ذات يوم أمام منزله المغلق في بورتو، أتلو قصيدته بالعربيّة (بترجمتي) بعد أن أنشدتها روزا أليس برنكو في لغتها الأمّ: «ساعة الرحيل/ ينبغي أن أكون الزمن الأخير/ آخرَ مطر على آخر حيوانٍ في آخر مرعي،/ الجثمان حيث الرتيلاء وحدها تصنع الدائرة/ ينبغي أن أكون آخر درجة في سلّم يعقوب،/ وحلمه الأخير/ ينبغي أن أكون آخر وجع في ردفه/ ينبغي أن أكون الشحّاذَ على بابي/ والمنزل المعروض للبيع/ ينبغي أن أكون التراب الذي يتقبّلني/ والشجرةَ التي تغرسني/ في الصمت.. بطيئا.. بطيئا في العتمة/ ينبغي أن أكون الأمس/ ينبغي أن أكون الملح الملتفت إلى الوراء/ والسؤال عند أهبة الرحيل».
كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية