لندن ـ «القدس العربي»: في واحدة من الليالي الدافئة التي أعادت إلى الأذهان سهرات الزمن الجميل في أواخر حقبة التسعينات وبداية الألفية الجديدة، وجد عشاق كرة القدم الحقيقية ما جعلهم يؤجلون مواعيدهم وارتباطاتهم بمجرد سماع الأنشودة الخالدة «ذا تشامبيونز» باللغات الثلاث الإنكليزية والفرنسية والألمانية مساء الثلاثاء والأربعاء، من جنون وإثارة في مواجهات الجولة الثانية لدور مجموعات دوري أبطال أوروبا، التي كانت مليئة بالمفاجآت المدوية والنتائج الصادمة، خصوصا الفرق الكبيرة التي وقعت مبكرا في «حسبة برما»، أو بعبارة أخرى أكثر صراحة وواقعية أصبحت في موقف لا تُحسد عليه، بعد تبخر فكرة المرور السهل من دور المجموعات، وتحولها إلى ناقوس خطر حقيقي قبل الاستيقاظ على كابوس الخروج من الدور الأول.
لقد عاد
على النقيض من الصورة البائسة التي كان عليها ريال مدريد في الأسابيع القليلة الماضية، وتحديدا منذ عودة اللاعبين من العطلة الدولية، عاد اللوس بلانكوس للظهور بالنسخة المهيبة المعروفة عنه في الكأس ذات الأذنين، مقدما واحدة من أفضل مبارياته منذ فترة ليست بالقصيرة، وبالنسبة للبعض المباراة الأفضل والأكثر تكاملا منذ بداية الموسم، وهذا بالتأكيد ليس فقط لعودته من عاصمة البيتزا بالثلاث نقاط وتأمين العلامة الكاملة في أول جولتين، بل أيضا للتحسن الملموس سواء على مستوى المنظومة الجماعية أو الأداء الفردي للاعبين في ملحمة معقدة وصعبة مثل اختبار الثلاثاء الماضي أمام حامل لقب الدوري الإيطالي نابولي أمام جماهيره المتحمسة في ملعب «دييغو أرماندو مارادونا»، في ما اعتبرت بمثابة المصالحة الحقيقية للمشجعين، بعد الهزيمة والأداء غير المقنع أمام جار المدينة أتلتيكو مدريد في دربي الجولة السادسة لليغا. صحيح الميرينغي تجاوز هذه المحنة سريعا بفوزه على لاس بالماس بثنائية نظيفة وجيرونا بثلاثية نظيفة في غضون أيام تعد على أصابع اليد الواحدة، لكنها كانت أشبه بالانتصارات الاقتصادية، على عكس الوضع في معركة الجنوب الإيطالي، التي جاءت في توقيت ولا أفضل بالنسبة للميستر كارليتو، حتى يرد بشكل عملي على الانتقادات التي يتعرض لها في الآونة الأخيرة بسبب المنحنى الهبوطي في أداء الفريق، وهذا ما فعله أمام أبناء جلدته وفريقه الأسبق في إيطاليا، متداركا الأخطاء والفلسفات الفنية الزائدة عن الحد، التي جاءت بنتائج عكسية ومحرجة، خاصة في ليلة السقوط الكبير أمام الهنود الحمر، لعل أبرزها إعادة أبو الكرم بيلينغهام إلى مركزه الطبيعي، كرأس مثلث أمام الثنائي المخضرم توني كروس ولوكا مودريتش في وسط الملعب، ليصول ويجول في كل متر في أم المعارك بالصورة والطريقة التي أبهر بها الجميع وجعلته يتوج بجائزة رجل المباراة، كأبسط مكافأة على ما قدمه وما يقدمه منذ قدومه من بوروسيا دورتموند، متقمصا دور ذاك الأسطورة القادمة من زمن صناع اللعب الجميل، بما ينثره من إبداع وخيال علمي داخل المستطيل الأخضر، بشيء من السحر المفقود منذ اعتزال كبير السحرة في فرنسا زين الدين زيدان قبل ما يلامس العقدين من الزمن، وهذا تجلى في مشهد الغزوة العنترية التي قام بها في الدقيقة 34، مقدما درسا في كيفية استغلال هدايا المنافس في وسط الملعب، بلوحة إبداعية شبه كربونية من لقطات زيزو العالقة في الأذهان في يورو 2000 وأمام البرازيل في مونديال 2006، بدأت بجرأة نادرة في الانطلاق والتوغل من العمق، واكتملت بفاصل من العزف المنفرد على حدود منطقة الجزاء، ثم بتسديدة متقنة سكنت شباك المغلوب على أمره أليكس ميريت، في لقطة هوليوودية لا يقدر عليها إلا جوهرة بمواصفات خاصة، وسبقها بدقائق قليلة أعطى فينيسيوس جونيور التمريرة المفتاحية لإدراك هدف التعديل بعد وصول المدافع ليو أوستيغارد لشباك الحارس كيبا في الدقيقة 19.
ومن الأمور التي ساهمت في ظهور الريال بهذا المستوى المميز أمام كتيبة المدرب رودي غارسيا، الالتزام التكتيكي وحالة الانضباط الجماعي، والتي كانت واضحة في تماسك الدفاع وتقارب الوسط والهجوم، وهذا يرجع إلى توفيق المدرب في الاعتماد على الفرنسي إدواردو كامافينغا في مركز الظهير الأيسر، وكان له ما أراد بتعطيل جبهة بوليتانو، وتحويلها من مصدر قوة بالنسبة إلى للفريق الإيطالي، إلى جبهة مخترقة عن طريق ثنائية كامافينغا وفينيسيوس، والأهم صمود داني كاربخال في معركته الخاصة مع الساحر كفارا، رغم تركيز هجوم النابوليتانو على هذه الجبهة، بتعليمات واضحة لزيلينسكي والظهير ماتياس أوليفيرا بالتقدم دائما إلى الأمام لعمل الزيادة الهجومية وتنويع الحلول مع الدولي الجورجي في هذه الجهة، لكن ذكاء الميستر كارليتو وقراءته الجيدة لأفكار منافسه، جعلته ينجح وباقتدار في تجميد كل الطرق التي تؤدي إلى مرمى كيبا من جبهة نابولي اليسرى، بإعادة المحارب اللاتيني فيدريكي فالفيردي إلى مكانه القديم كلاعب وسط ثالث في الجهة اليمنى، منها ساهم في إغلاق الجبهة بالضبة والمفتاح مع كاربخال، ومنها أيضا وجد فرصته للاستفادة من واجباته الهجومية، عندما يتحول إلى مهاجم ثالث، وهذا ما جعله أكثر تحررا وبالتبعية ساعده على تسجيل هدفه الصاروخي، الذي لم يُحتسب في النهاية باسمه، بعد ارتطام الكرة في رأس الحارس لحظة ارتدادها من العارضة، بالإضافة إلى كل ما سبق، كان الشاب الفرنسي أوريليان تشواميني، يقوم بمهمة أو وظيفة مزدوجة، الأولى بعمل ما يكفي من عمق أمام قلبي الدفاع ناتشو وأنطونيو روديغر، من أجل تضييق الخناق على المهاجم النيجيري فيكتور أوسيمين، وهذا ما حدث بنجاحه في تقييد حركة هداف الدوري الإيطالي الموسم الماضي، إلى جانب دوره الرئيسي، كلاعب ارتكاز في نفس مكان طيب الذكر كاسيميرو، لإعطاء الزيادة العددية المطلوبة في مختلف المواقف في وسط الملعب، وقبل هذا وذاك، شاهدنا بعض من الكاريزما المحفورة في الأذهان عن كبير القارة العجوز، ذاك الفريق الذي يتحول لاعبوه إلى وحوش كاسرة عندما يتعلق الأمر بالإرث التاريخي في بطولته المفضلة، بصرف النظر عن أوضاعه ونتائجه وعروضه على المستوى المحلي، وشاهدنا ردة فعل اللاعبين بعد استقبال الهدف الأول، كأن شيء لم يكن ولا حتى هنالك عشرات الآلاف من الحناجر تدعم فريقها بطريقة أقل ما يُقال عنها «جنونية»، فقط احتاج الأمر ربع ساعة فقط لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وحتى بعد قرار الحكم المثير للجدل باحتساب ركلة جزاء مشكوك في صحتها، أو على أقل تقدير 5 حكام من أصل 10 سيختلفون على صحتها، ظل الفريق متماسكا ولم يهتز حتى في أوقات ذروة هجوم وضغط فقراء الجنوب الإيطالي التي أعقبت هدف التعادل الثاني، بنفس هدوء الأعصاب وبرودة الدم التي يعرفها ضحايا الريال، خصوصا الكبار الذين ذاقوا مرارا وتكرارا غدر الأهداف المدريدية في الدقائق الحاسمة.
الكاميرا الخفية
أثناء مشاهدة ملخص مباراة مانشستر يونايتد ضد غلطة سراي التركي التي انتهت بفوز الأخير في قلب «أولد ترافورد» بنتيجة 2-3، اعتقدت لوهلة أنها خدعة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكن سرعان ما دخلت في نوبة ضحك لا إرادية، وعقلي لا يردد سوى كلمات وموسيقى الكاميرا الخفيفة القديمة «اللقطات اللي شايفينها كلها طبيعية»، تحديدا في الهفوات الكارثية التي ارتكبها الحارس الكاميروني أونانا للمباراة الثانية على التوالي في البطولة، أبرزها بطبيعة الحال الخطأ المزدوج، الذي كلف الفريق ركلة جزاء بجانب إشهار البطاقة الحمراء في وجه كاسيميرو، مع ذلك، سيكون من الصعب جدا، إلقاء اللوم على الحارس الأفريقي وتحميله بمفرده مسؤولية الهزيمة ومواجهة شبح الخروج المبكر من دوري الأبطال، بل هي مصيبة كروية مشتركة بين الإدارة من جانب والمدرب إيريك تين هاغ ولاعبيه من جانب آخر. بالنسبة للإدارة، فيؤخذ عليها العشوائية والتخبط في اختيار المدربين، بداية من خليفة السير أليكس فيرغسون، مواطنه ديفيد مويز، الذي بصم على واحد من أسوأ اليونايتد في العصر الحديث، وتبعه الهولندي لويس فان خال، الذي جاء بعد انتهاء سنوات ذروته في عالم التدريب، مرورا بحقبة جوزيه مورينيو غير المقنعة، والأسوأ على الإطلاق سنوات أولي غونار سولشاير وبديله المؤقت غير الموفق رالف رانغنيك، والآن تحوم نفس الشكوك حول المدرب الهولندي، الذي يُنظر إليه من قبل شريحة لا يُستهان بها من قبل المشجعين، على أنه مدرب أقل من المستوى المطلوب في سُدّة الحكم في «مسرح الأحلام»، حتى بعد نجاحه في إنهاء سنوات العجاف، بالتتويج بكأس الرابطة ثم بخسارة نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي الموسم الماضي، وذلك لعدة أسباب، منها على سبيل المثال لا الحصر، كثر صداماته مع اللاعبين، آخرهم الشاب الإنكليزي جادون سانشو، الذي جاء من بوروسيا دورتموند، بنفس التوهج الذي كان عليه أبو الكرم جود بيلينغهام بعد انتقاله من نفس المؤسسة الألمانية إلى ريال مدريد في فصل الصيف الأخير، لكن الفارق، أن جود، وجد البيئة المناسبة والمكان المثالي الذي سيساعده على تفجير طاقته والتقدم خطوات عملاقة إلى الأمام في مسيرته الاحترافية، بينما جادون، اصطدم ببيئة تندرج تحت مسمى «طاردة»، وبدلا من أن يتعامل مع مدرب يلتقط نقاط ومفاتيح قوتها وتطويعها لخدمة الفريق، كما يبدع أنشيلوتي في توظيف جود، استيقظ على كابوس ومعارك إيريك تين هاغ، التي لا يدفع ثمنها إلا النادي والمشجع المقهور على الملايين التي أنفقها النادي لجلب سانشو من «سيغنال أيدونا بارك»، وفي الأخير ينتهي به المطاف بالذهاب إلى غياهب المجهول.
وما تسبب في ضعف موقف المدرب أمام المنتقدين والأصوات التي تطالب بإقالته عاجلا وليس آجلا، أكثر من أي وقت مضى، سوء إدارته لمباراة الثلاثاء الماضي، خاصة ما اعتبرت من باب النقد الساخر «الافتكاسة التكتيكية»، بالمقامرة بالوافد الجديد سفيان أمرابط، في مركز لا يتناسب مع إمكانيات وما جاء من أجله في معقل الشياطين الحمر، بإعطاء إضافة لخط الوسط بمجهوده الوفير وقدرته على استخلاص الكرة والاستحواذ وعمل التغطية العكسية بشكل نموذجي، وليس بحرقه كرويا في مركز الظهير الأيسر، ليتم استغلاله بالطريقة التي مهدت الطريق أمام يالمز لاختراق جهبة اليونايتد اليسرى بهذه السهولة والأريحية، ليضع الكرة على طبق من فضة أمام كريم أوغلو، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر بهدف التعادل الثاني، واكتمل مسلسل الأخطاء الفردية الساذجة التي لا تتناسب مع فريق بحجم مانشستر يونايتد، بترك الأرجنتيني ماورو إيكاردي ينفرد بالمهزوز أونانا من منتصف الملعب، هذا ولم نتحدث عن الحالة المأساوية التي وصل إليها المهاجم العشريني ماركوس راشفورد، الذي يُصر من مباراة لأخرى على تقديم واحد من أتعس وأسوأ المواسم في مسيرته الاحترافية، ولعل الفرصة التي أهدرها بغرابة أمام حارس مرمى الضيوف، باتخاذ أسوأ قرار بعد الانفراد بالحارس، باختيار الحل الأسوأ، بالتمرير للقائد برونو فرنانديز المتواجد في وضعية معقدة في أحضان اثنين مدافعين، بدلا من ممارسة هوايته القديمة، بالفتك بالشباك، بالمختصر المفيد بالعامية المصرية «الحسنة الوحيدة» في فريق اليونايتد هو المهاجم الدنماركي راسموس هويلند، الذي يُخالف التوقعات من مباراة لأخرى، بحفاظه على معدله التهديفي الرائع في بدايته مع الفريق، مع شراسة داخل مربع العمليات أعادت إلى الأذهان زمن الأسطورة رود فان نيستلروي، الذي كان يحتاج ربع فرصة للاحتفال بهز شباك المنافسين، بعيدا عن الشو الإعلامي والبحث عن الأهداف السينمائية، والدليل على ذلك تعامله شبه المثالي مع عرضية راشفورد السيئة للغاية، التي كانت أشبه بالتسديدة الطائشة، ومن يمارس اللعبة أو احترفها من قبل، يعرف أن البعض لا يغامر بمتابعة العرضيات القوية أو الالتحام في التدخلات العنيفة مع المدافعين وحراس المرمى، لكن هويلند من النوع الفدائي الذي لا يخشى على رأسه ووجه عندما يتعلق الأمر بمصلحة الفريق وأمام فرصة محققة للتسجيل، في ما عدا ذلك، فالفريق بأكمله يبدو وكأنه يعيش لحظات ما قبل الكارثة الكبرى، في ظل معاناة المدرب وفشله في عملية التأقلم على الظروف الطارئة، وفي رواية أخرى عجزه على إيجاد بعض الحلول من خارج الصندوق لتجاوز صداع الإصابات والإيقافات، رغم إنفاق الإدارة ما يزيد عن 200 مليون جنيه إسترليني لتدعيم صفوف الفريق بصفقات جديدة في الميركاتو، لكن كما أشرنا أعلاه، لم يظهر من القدامى والجدد حتى الآن سوى الاسكندينافي القادم من الدوري الإيطالي.
كوايس باردة
يبقى الحدث الأبرز في الجولة الثانية لدوري المجموعات، الفوز العريض الذي حققه نيوكاسل يونايتد على حساب باريس سان جيرمان برباعية كاسحة مقابل هدف، في أول مباراة في مسابقة أوروبية تُقام على ملعب «سان جيمس بارك» منذ 20 عاما، وفي ملحمة ستبقى عالقة في الأذهان لسنوات، للنتيجة العريضة التي لم يتوقعها أكثر المتفائلين من عشاق الماكبايس، والأهم النسخة العصرية التي ظهر بها الفريق أمام عملاق الكرة الفرنسية، في وجود هدافه التاريخي كيليان مبابي ورفاقه الجدد كولو مواني وغونسالو راموس والبقية، ولمعرفة سبب التفوق الفني والبدني اللافت لفريق جيوش المدينة على حساب ضيفه الباريسي الثري والمدجج بالنجوم والمواهب اللامعة، فتش عن جرأة المدرب إيدي هاو، الذي قرر اللعب الكل في الكل منذ إطلاق صافرة البداية، بتطبيق مثالي لأسلوب الضغط العالي من الأمام، بمحاصرة أول مدافع باريسي يلمس الكرة باثنين لاعبين، متسلحا بستة لاعبين من فئة المقاتلين، لا يفعلون أي شيء سوى الضغط بكل قوة وشراسة على أوغارتي وشريكه إميري، لمنعهما من التمرير بأريحية للمدمر كيليان، الذي وجد صعوبة بالغة في خلق مساحات بالحلول الفردية المعروفة عنه في موقف لاعب ضد لاعب سواء في العمق أو من جهته اليسرى المفضلة، ولنا أن نتخيل أن القراءة الجيدة للمدرب إيدي هاو، جعلته يهدد مرمى الحارس الإيطالي دوناروما 6 مرات، منهم 3 مرات بين القائمين والعارضة، رغم أن نسبة الاستحواذ لم تتعد الـ32 %، في المقابل عجز فريق المدرب التكتيكي لويس إنريكي على تسديد ولو كرة واحدة بين الألواح الخشبية، رغم أن نسبة استحواذ «بي إس جي» بلغت 68 % خلال نفس الفترة، والمثير للدهشة والإعجاب، أن الفريق لم يتراجع إلى الخلف سواء بعد خروجه من الشوط الأول بثنائية ألميرون ودان بورن، ولا حتى بعد نجاح الفريق الباريسي في تقليص النتيجة بفضل هدف لوكاس هيرنانديز في أول 10 دقائق من الشوط الثاني، بل شاهدنا فريقا جائعا لتسجيل المزيد من الأهداف، كأنه يبحث عن أكبر عدد من الأهداف في مباراة إقصائية، وليست مجرد محطة في رحلة البحث عن بطاقة في دور الـ16، والدليل على ذلك، الشراسة والحدة التي ظلوا يضغطون بها حتى اللحظة الأخيرة، التي شهدت اللوحة الإبداعية للمدافع الأنيق فابيان شار، بتسديدة من كوكب آخر، بعد استخلاص ولا أروع للكرة في وسط ملعب الفريق الباريسي، الذي قدم واحدة من أسوأ مبارياته على الإطلاق في هذه المرحلة في المسابقة، وهذا الأمر كان واضحا، في معاناة اللاعبين في نقل الكرة بشكل صحيح من الخلف إلى الأمام، كأنه لم تكن هناك خطة أو إستراتيجية لبناء اللعب بشكل صحيح، بخلاف الاتهام الموجهة للمدرب، بسوء توظيف كيليان مبابي، بالاعتماد عليه في مركز يقيد طاقته، كمهاجم متحرك بجانب راموس في الثلث الأخير من الملعب، بعيدا عن أماكنه المفضلة، سواء كجناح أيسر مهاجم أو رقم (9) كاذب، كما يطوع ديديه ديشامب هذه الطاقة الجبارة لمصلحة منتخب الديوك، فضلا عن عدم الشعور العام بعدم فاعلية الصفقات الجديدة حتى وقت كتابة هذه الكلمات، بما فيهم الجناح الزئبقي عثمان ديمبيلي، الذي كان يُنتظر منه الكثير بعد تحريره من برشلونة، بيد أنه على أرض الواقع، لم يُقدم أية إضافة ملموسة، باستثناء حالة القلق التي يصدرها للمدافعين، باستعراض مهارته الفردية في المواجهات المباشرة مع المدافعين ولاعبي الوسط في مناطق عديمة الفائدة داخل الملعب.
والسؤال الآن: هل سينجح إنريكي في تصحيح الأوضاع على المدى القريب ليخمد ثورة غضب الجمهور والإعلام الباريسي؟ الإجابة على هذا السؤال ستتوقف على نتائج الفريق وما سيقدمه أمام ميلان في الجولتين الثالثة والرابعة، إما يُثبت بشكل عملي أن انتكاسة «سان جيمس بارك» كانت مجرد 90 دقيقة للنسيان، وإما ينتظر مواجهة المجهول إذا حدث أي شيء آخر سوى فوز باريس سان جيرمان واقترابه من الترشح لمراحل خروج المغلوب، ولو أن هذا لا يعني بالضرورة أن مهمة المدرب الإسباني ستكون سهلة أمام شياطين الروسونيري، لا سيما بعد تعادل ممثل الشمال الإيطالي أمام بوروسيا دورتموند، بنفس نتيجة مباراته الأولى أمام طيور الماكبايس بدون أهداف، ونفس الأمر ينطبق على آرسنال، الذي وضع نفسه في موقف لا يُحسد عليه، بخسارته أمام لانس، وذلك قبل اصطدامه بإشبيلية في المباراتين القادمتين، أما باقي الكبار، فلم يجدوا صعوبة بالغة في تحقيق الهدف المطلوب في الأسبوع الكروي، كانتصار الإنتر على بنفيكا بهدف الوافد الجديد ماركوس تورام، وبايرن ميونيخ خارج قواعده على كوبنهاغن الدنماركي بهدفين لهدف، ومانشستر سيتي على لايبزيغ بثلاثية مقابل هدف، وكذا برشلونة خطف ثلاث نقاط لا تُقدر بثمن من ملعب «الدراغاو»، بفوزه على صاحب الأرض بورتو بهدف فيران توريس، فقط خسارة المدرب تشافي هيرنانديز، كانت في الإصابة السيئة التي تعرض لها هداف الليغا الموسم الماضي روبرت ليفاندوسكي، التي أجبرته على ترك مكانه لصاحب هدف المباراة الوحيد.