الحقيقة الغائبة في حرب اليمن 

الهروب من الحقيقة الى الامام ومحاولة إغراقها بالتفاصيل والمستجدات الطارئة لن يزيدها الا تعقيدا واستقواء… ما تشهده المنطقة العربية اليوم صراع طائفي بامتياز، وقد وصل الى ذروته في اليمن عبر التدخل العسكري السني بقيادة السعودية ضد جماعة الحوثي (الشيعية) وحليفها صالح الذي سهل لهم الوصول لقمة السلطة..
المواقف العربية والإقليمية (الشعبية والرسمية) تجاه ما يجري في اليمن يتم اطلاقها وبلورتها وفق منظور طائفي، بحيث انه لا مجال آخر للمناورة ولا مساحات رمادية يمكن الانطلاق منها لقراءة المشهد بعيدا عن التعصب والتمترس. 
بعد مرور ساعات فقط على بدء العمليات العسكرية لدول التحالف، كانت ردود الأفعال على الساحة اللبنانية قد بدأت تظهر، وهي المؤشر الحقيقي لمعرفه مدى اتجاهات أي صراع في المنطقة، رئيس الوزاء اللبناني الاسبق سعد الحريري سارع الى اعلان تأييده لـ«عاصفه الحزم»، ولم يمر سوى يومين حتى أطل السيد نصر الله، وقد بدا غاضبا، من خلال خطاب ناري  منددا بالعملية العسكرية ومتوعدا السعودية بالهزيمة، بعد ان ساق العديد من الحجج، وكأنها حقائق لعدم مشروعية الحرب ضد انصار الله (الشيعة) ولم يتطرق للجنوب الا بوصفه وكرا للتكفيريين، وتجاهل ماقام به الحوثيون من اجتياح للمدن وإقصاء للاخرين وترهيبهم بقوة السلاح، كان من الواضح انه لم تعد هناك اهمية للقرائن التي يسوقها فقد كان منحازا بوضوح صارخ  للطرف الشيعي ضد الاطراف الاخرى، ولم يكن الامر بالنسبة له مجرد صراع سياسي بين الفرقاء اليمنيين، كما حاول ان يقول بعد ذلك،  ثم توالت المواقف وردود الفعل في العديد من العواصم الاسلامية والغربية، تجاه التحالف العربي وكانت في مجملها تؤكد ان اليمن قد اصبح بالنسبة لهم ساحة المعركة الكبرى بين الطوائف الشيعية والسنية.
الطائفة الشيعية بكل أطيافها وألوانها والمتعاطفين معها من باكستان الى طهران والبحرين ودمشق وحتى شرق المملكة اصطفت في وجه «عاصفة الحزم» السنية، وسخرت كل ما لديها من امكانيات مسموعة ومرئية ومقروءة لتصوير التدخل العسكري ضد ميليشات الحوثي كعدوان سافر يستهدف الاطفال والنساء والبنية التحتية للشعب اليمني . وخرج المتظاهرون الشيعة الى الشوارع  منددين بالتدخل العسكري السني في اليمن، رافعين أصواتهم  مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل لوقف (العدوان)على اليمن متناسين في الوقت نفسة مئات الابرياء الذين يسقطون كل يوم في مدن الجنوب، وتدك بيوتهم بالمدافع والدبابات من قبل مليشات الحوثي وذنبهم الوحيد انهم (سنة) لم يلبوا نداء الصرخة (الموت لامريكا) وقرروا المقاومة بعد ان جرت استباحة وطنهم وتجريدهم من كل أسباب القوة من قبل نظام صالح على مدى خمسة وعشرين عاما. 
الصمت المدوي عن ممارسات مليشيات الحوثي في الجنوب بدواعي محاربة «القاعدة» في وسائل الإعلام المحسوبة على الطائفة الشيعية، ليس له من مبرر سوى انها حرب طائفية بجدارة، ودائما ما تنعدم الخيارات في الحروب الطائفية، في مقابل ذلك الحقيقة الاخرى التي لم يتم الالتفات لها بالقدر الكافي، وهي ان الحرب التي تستعر اوارها اليوم في المدن الجنوبية هي حرب بين شمال وجنوب بغض النظر عن بعض المواقف التي لا تقرر ولا تؤكد غير ذلك.. لقد اثبتت هذه الحرب ضد الجنوب ان خمسة وعشرين عاما مضت لم تستطع ردم فجوة  الخلاف والاختلاف بين الشمال والجنوب، وظل ابناء الشمال يشعرون بان هذه الارض غريبة عنهم، ولابد ان تكون السيادة عليها لهم اذا ما أرادوا البقاء وبالتالي ليس بوسعهم اليوم الا ان يقفوا مع اخوانهم وقبائلهم في الشمال في مواجهة الجنوب المتمرد.
الالوية والقواعد العسكرية التي في الجنوب وغالبية افرادها من الشمال، تم تصوير مواقفها على انه ولاء لصالح ونجله، وهذا انكار للواقع وتغييب للحقيقة فهم لا يقفون مع صالح بقدر وقوفهم مع انتمائهم القبلي للشمال ونأوا بانفسهم عن مواجهة اخوانهم القادمين الى الجنوب، بل اعلنوا الانضمام لهم ولقبيلتهم الكبرى (الشمال) والذهاب معا للانتصار على الجنوب. 
ذلك التعصب للقبيلة على حساب الوطن لم يحدث في الجنوب، فخلال حكم الحزب الاشتراكي للجنوب تم تمزيق النسيج القبلي وتشظى لصالح الحزب الشمولي الواحد.
تلك الحقائق اذا لم يتم الاعتراف بها والبحث عن حلول لمعالجتها سيظل الجميع يدفع أثمانها المدمرة وستظل بذرة الحرب تخصب من رماد حرب سابقة  لتصنع حروبا جديدة.
كاتب يمني – عدن

سفير سعيد الشعبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية