ثمة ظاهرة لغوية شاعت قديما في شعر المحدثين، وعلى رأسهم أبو تمام، وشاعت في الشعر العربي الحديث عند شعراء أمثال أدونيس وسعدي يوسف ومحمود درويش وأمل دنقل، وغيرهم من أبناء جيلنا، سواء في الموزون أو في المنثور، هي «المشترك اللغوي»، بِمَ نعللها؟ وإلى أي الأسباب ترد؟
يقتضي الجواب وصفا دقيقا لهذه السجلات أو أقرب ما يكون إلى الدقة، فمن دون هذا الوصف يصعب أن نبني تحليلا أو نسوغ استنتاجا. والحق أن عمدة هذا الوصف مادة لغوية غزيرة، بعضها مما تعاوره كثير من القدامى والمعاصرين، وبعضها لقْط من بطون مصادر قديمة شتى ( شروح ومصنفات نقدية) قد تجتزئ الكلام حينا وقد تطويه حينا؛ فلا يملك القارئ إلا أن يعول على جهده الخاص في بسطها واستخلاصها وترتيبها على أساس من تحري مختلف الروايات، والتمييز بين ما قد يكون صدر عن الشاعر، وما قد يكون وضعا أو افتراء عليه.
وبما أن كلامي على جهدي الذي لا أزكيه كله، فقد سوغت في غير قليل من شعر أبي تمام الذي صحبته سنوات طوالا، روايات مختلفة متناقضة، لم يكن بالسهل أن أهتدي إلى عللها، أو أقف عليها كلها؛ فجمعت بينها ولم أرجح إحداها على أخرى. بل جازفت وإنْ في مواضع قليلة جدا، برواية «خاصة «بي؛ ركبتها من روايتين مختلفتين أو أكثر. وأبو تمام، ممن اشتهروا بتنقيح شعرهم وتهذيبه، فليس بالمستغرب أن يكون كثير أو قليل من هذه الروايات من تقليبات الشاعر نفسه.
تبدو السجلات اللغوية في شعر «مالارميه» العربية كما يسميه أدونيس، كثيرة الغنى كثيرة التنوع. والشاعر يمتحها من مصادر شتى: دينية وعلمية، ومن مهن وصنائع مختلفة. وقلما حفل شعر قديم بمثل ما يحفل به هذا الشعر من حيث ثروة اللفظ، سواء ما اتصل منه بالعلوم والصنائع، أو بالثقافة في معناها الواسع. وكثيرا ما يتخذ اللفظ فيه هيئة مصطلح علمي أو فني قد يطويه التركيب أو اللغة طيا، وقد يبسطانه بسطا، بكلمة سابقة أو بأخرى لاحقة. وربما انتهى فرط التحديد والتقسيم بالشاعر إلى ربط الكلمات والأشياء جميعها برباط واحد هو علاقة السبب بالمسبب والمعنى الشعري بالمعنى الاصطلاحي، ولكن اللجوء إلى التشبيه والمراوحة بين التصريح والكناية والعدول إلى رحاب المجاز والاستعارة، تخفف من قيد المصطلح ومن دقته العلمية.
وإذا العلامات الأحادية التي تتمثل في العلم منظومة من المجردات تمثلا متسقا، تنتظم في النص في هيئة فريدة، حيث الكلمة موضوع على قدر ما هي إشارة، أو هي موضوع يبرج دارته الاصطلاحية ليشير إلى موضوع آخر، ويثير معاني كلمات أُخَرٍ تتصل به جرسا أو صوتا أو معنى أو اشتقاقا، أو حتى كلمات تعارضه وتنفيه. فالمصطلحات المنطقية والكلامية والنحوية والعروضية والدينية والفلكية حمالة مفاهيم دقيقة في وضع واضعها، وسلطتها سلطة مرجعية بالأساس، غير أنها تعقد في النص الذي نحن به، صلات غير معهودة بين «الإشارة» و«الشيء» المشار إليه»، وتهدم، وهي تجري في معابر البيان والاستعارة وشتى صنوف المجاز، وتنعطف في منعطفاتها، المواضعاتِ اللغوية المألوفة التي تتمثل خارج النص نظاما متصورا للأشياء.
أما الألفاظ والاصطلاحات المأخوذة من الفن عامة، فأكثرها اطرادا تلك التي تتعلق بفن القول ماهية ووظيفة. ويمكن أن نلحق بها الاصطلاحات العروضية مثل «القافية» و«التصريع» و«السناد» و«الإقواء» و«النظم»، والنحوية مثل «الاسم» و«الفعل» و«المعنى» و«الصيغة» و«الإفراد» و«الجمع».
على حين أن الألفاظ المقتبسة من فن مثل فن الرقش أو الخط مثل «النقش» و«الرسم» و«القلم»، قليلة لا تطاول سابقاتها، شأنها شأن الألفاظ وأسماء الآلة المستمدة من عالم الفلاحة مثل «المر» (المسحاة) و«المنجل» و«الرفش» و«الحراث»؛ وكثيرا ما يستملح الشاعر الإشارة إليها على سبيل الأُطرُوفة والزراية والتحقير، إلا في ما ندر، أو على سبيل السخرية الخفية الموسومة بنبرة الحزن والشكوى.
فقد ذكر الصولي أنه قال لأبي مالك إن قوما يروون «يذوب الضحو» بـ«الضاد» بدل «يذوب الصحو»، فأنكر ذلك وعده تصحيفا وخطأ؛ وحجته أن «كلام أبي تمام على خلاف ذلك في شعره، لأنه يردد الكلام فذكر الصحو في البيت مرتين». وقال الصولي: ويروى «يموت الصحو».
وتشاركها بعض هذه الخصائص، الألفاظ أو الاصطلاحات الفنية المقتبسة من عالم التجارة والصناعة. وهي لا تنضوي إلى «الرطانة»، وإنما إلى المطرد في كلام التجار مثل «كسد» و«نفق» و«قايض» و«تجر» ومشتقاتها. وإذا خصصنا أكثر، فإن المعجم الفني المتعلق بصناعة النسيج، هو الذي يبدهنا بنسبته المرتفعة. ومثاله «الخز» و«الديباج» و«البرد» و«الوشيعة» و«اللحمة» و«السدى» و«الوشي» و«النمنمة» و«ألحم» و«أسدى». ولا أحب أن أنساق إلى استنتاج متعجل كالذي نجده في بعض الدراسات الحديثة التي تعزو هذا المعجم الفني إلى صناعة الحياكة التي تعلمها أبو تمام في صباه، وقد ذكر ذلك غير واحد من القدامى، مثل ابن عساكر الذي يروي عن بعضهم: «رأيت أبا تمام الطائي حبيب بن أوس، في دمشق، غلاما يعمل مع قزاز؛ كان أبوه خمارا بها». ومثل هذا الاستنتاج على إغرائه، يغفل أصحابه عن أن هذا المعجم مطرد في كثير من شعر القرنين الثاني والثالث للهجرة، وبخاصة ما يتعلق منه بوصف الطبيعة؛ بل في أبيات غير قليلة من شعر الجاهلية وصدر الإسلام. فلعل هذه الظاهرة أن تعزى إلى مصطلح «النسج» نفسه، فهو يجسد لحمة الجماعة القولية ومتخيلها الثقافي، بمقتضى قياس مقيد في اللغة، حيث كلمة «نسج» أو «غزل» على وشيجة بالقول أو الكلام. والأمر إنما يتوقف على العلاقة المتبادلة، بين اللفظ اصطلاحا، أو إشارة واللفظ رمزا أو انفعالا. فإذا انتقلنا من طبيعة أرضية إلى طبيعة سماوية، شدنا في هذا الشعر مدونة فلكية غنية وشغف بتوصيف الكواكب الثابتة والسيارة مثل «النجم» و«الشمس» و«القمر» و«الجوزاء» و«الجدي» و«المشتري» و«الدلو» و«الثريا» و«عطارد» و«النسر» و«برهام» و«الحوت»… وهي كثيرا ما تنتظم في صور استعارية ذات جذر أسطوري، يديرها الشاعر على معنى أو فكرة أو حالة أساسها قاعدة من التبادل بين «داخلي» و«خارجي» حيث «الشعري يقاسم «الأسطوري» اللعب بالرموز، وإن اختلف المقصد من هذا إلى ذاك.
ولذلك لا غرابة أن تقترن الكواكب في هذا الشعر بجملة من المعاني وأن تتخذ مصدرا من مصادر المعرفة أكثر منها موضوعا من موضوعاتها، فتضاف الكبرياء والسعود إلى المشتري، والغضب والسورة إلى برهام، والظرف والحسن إلى عطارد، مما لا علاقة له بالنجامة، أو «علم النجوم» الذي اختص بدرس أحوال النجوم وطرق سيرها في سبيل ضبط المواقيت والأنواء. وأقف هنا على بيتين اشتهرا عند المعاصرين أكثر مما اشتهرا عند القدامى، منذ أن أشاد بهما أدونيس:
مطر يذوب الصحوُ منه وبعده /// صحو يكاد من الغضارة يمـطرُ
غيثان، فالأنواء غيث ظاهــرٌ /// لك وجهه، والصحو غيث مضمرُ
فقد ذكر الصولي أنه قال لأبي مالك إن قوما يروون «يذوب الضحو» بـ«الضاد» بدل «يذوب الصحو»، فأنكر ذلك وعده تصحيفا وخطأ؛ وحجته أن «كلام أبي تمام على خلاف ذلك في شعره، لأنه يردد الكلام فذكر الصحو في البيت مرتين». وقال الصولي: ويروى «يموت الصحو». وقال الآمدي إن هذا البيت يصحف الناس فيه، فقد رواه قوم «يذوب» وهو أعظم خطأ. والصواب عنده «يذوق الصحو منه»، لأنه يصف مطر الربيع وطيب الوقت، أي هو مطر يتبين منه المرء أنه يقلع ولا يدوم، فإذا كان الصحو رآه غضا نديا طلا مؤذنا بأن المطر سيعقبه، و«يذوق منه» أي يحتسي فيه. وذكر الآمدي إن من صور تصحيف البيت قولهم «يروق الصحو منه» مكان «تذوق». ورواية «تذوق» هي رواية الخارزنجي أيضا، على أنه فسر «يذوق منه» بـ«يمازجه ويداخله»، وقال إن المقصود أن هذا الوابل مطر يجر بعده، الصحو وانقشاع الغيم. وهو صحو يرطب الزمان حتى كأنه من ريه وغضارته، يقطر ويندى. وقال المرزوقي إن المقصود أن الأزاهير أتى عليها مطران: أحدهما ما مطر بالأنواء وشاهده الناس، والثاني صحوه الذي يكاد لنضارته يمطر، فهو غيث آخر مضمر لا يشاهد. وقد رجحت رواية الخارزنجي والآمدي. وهي رواية ابن المستوفي أيضا. ومن المعاصرين الذين شدهم هذان البيتان، يمكن أن أذكر كمال أبو ديب في مصنفه «جدلية الخفاء والتجلي». وفي قراءته مقدار من التمحل على النص، غير يسير، وإطلاق للقول لا كابح لغلوائه، فقد عد «اللبس الدلالي» أو الغموض من الخصائص الجوهرية للحداثة التي خرجت على وحدانية البعد ووحدانية المعنى في التراث، وأسست التعدد بدلا من الوحدانية جذرا للفاعلية الشعرية، وينبوعا من ينابيع الرؤيا الحديثة للعالم. وغفل عن أن هذه القصيدة مدحية وفيها من سمات التقليد وتأبيد السلطة، بالمعنى السياسي الحصري ما يجعلها على طرف النقيض من، هذه الحداثة المزعومة.