حلواني الكلمة الحلوة

حجم الخط
0

كلما أقول سلوت ونسيت أجد دوما ما يعيدني إلى «سيد حجاب»، وكأنها كانت نبوءة يوم رثيته في وفاته على صفحات هذه الجريدة نفسها فكتبت «لا تلمني لأني ما زلت أبكيك»، أعادتني إليه رسالة نشرتها صديقتي زوجته ميرفت الجسري منذ أشهر في «أخبار اليوم» عاودت قراءتها فأرجعتني إلى ذكرى اختلط فيها الحنين إلى حلواني العامية المصرية بالحزن على غياب صديقي الأول في مصر، الذي وضع في يدي مفاتيحها ودلني على حواريها وعلمني كيف أتذوق أغانيها ومواويلها.
رسالة ميرفت لسيد حجاب كانت آلة انتقال في الزمن بالنسبة لي، وهي تصف زوجها بما لمسه كل من تعرف عليهما، فأي مواجع قلّبت وأي جراح فتحت هي تقول عنه «روحك التي سكنها عشق الفن والجمال والخير والحق تلازمني دوماً، وأفكِّر كم كنت وما أزال محظوظة للسنين التي قضيناها معاً في عشق العشق والحب والجمال والشعر والأدب والفنون».
رجعت بي رسالتها إلى أزيد من عشرين سنة يوم كنت أقدم برنامجي «وجوه» في تلفزيون دبي، وحينها كنت أسافر لمقابلة الضيوف، وهذا ما فعلته فقصدت مصر أم الدنيا، وقابلت وجوهها الثقافية مثل محمود أمين العالم وإدوارد الخراط. وما كانت لقاءاتي لتتم دون محاورة سيد حجاب، الذي عشقت مثلي مثل ملايين المشاهدين التترات التي كتبها، ولا تزال إلى يومنا أنجح مقدمات المسلسلات، بل أصبحت من كلاسيكيات هذا الفن من «الأيام» إلى «ليالي الحلمية» و»المال والبنون» و»أرابيسك» و»بوابة الحلواني» وغيرها.
ولأني أحب الشعر وأكتبه فتشت عمن وراء هذه الشارات المتميزة، فعادة ما يكون الشاعر هو المظلوم الأول في كل أغنية حين ننسبها للمغني، فنقول قالت أم كلثوم هذه الجملة وقالت فيروز تلك، ناسين أو متناسين أن المطرب مؤدٍّ وهو ضلع من مثلث يشاركه المجدَ الملحنُ وكاتب الكلمات الذي عادة ما يكون أقل شهرة منهما هذا إن لم يكن مغمورا. وكان اللقاء الأول مع سيد حجاب في أواخر 2001، حيث سجلت حوارا معه في بيته وشهادة من زوجته تلك السيدة اللبنانية الجميلة التي درست الكيمياء وعلوم البيئة، لكن الفن استهواها وكانت تمتلك صوتا جميلا، وفي طريقها لتحقيق حلمها رسمت لها الأقدار طريقا آخر، فذهبت إلى سيد حجاب لتغني من كلماته فتزوجها – وفارق السن بينهما ربع قرن – وتحولت على يديه من شابة تريد أن تغني من كلمات سيد إلى امرأة تغني لزوجها سيد. وكانت فخورة به حيث كان لها أبا وزوجا، كما كان هو فخورا بها وهي المتابعة الجيدة للأدب العالمي وبأكثر من لغة.
وبُثتِ الحلقة وكانت يومها مسجلة، فتابعها سيد وزوجته في بيت صديقه يحيى الفخراني، وكان أن حذف المخرج شهادة زوجة سيد حجاب، ولم أكن حينها أتدخل في مونتاج برنامجي، وأحرجتُ غير أن ميرفت تلقت الموضوع بتفهم وبساطة، وكذلك تفعل النفوس الكبار.
توالت زياراتي لمصر أثناء إعدادي لأطروحة الدكتوراه وكان الالتقاء بسيد حجاب وزوجته فريضة لا يمكن إغفالها، وتتابعت لقاءاتنا وفيها عرفت سيد عن قرب فقد كانت لدينا قواسم مشتركة كثيرة وهموم ثقافية، إضافة إلى أصدقاء مشتركين، ويكفي أن الشعر رحم بيننا نجتمع على مائدة القصيدة وإن اختلفت طريقة تعبيرنا ما بين شعر عامي يكتبه وقصيدة نثر أكتبها.

ومن خلال تواصلي معه وهو شاعر العامية القريب من الناس، ذو الثقافة العميقة والتاريخ النضالي، عرفت العبقرية المصرية بعمق يلخصها بجمله البسيطة الذكية فقد كان يمتلك القدرة على قول الكثير بأقل الكلمات، بل كثير من جمله أشبه بحكم موجزة، وهل الشعر، في جوهره، إلا إيجاز للمعاني واختزال لكل إطناب.

ومن خلال تواصلي معه وهو شاعر العامية القريب من الناس، ذو الثقافة العميقة والتاريخ النضالي، عرفت العبقرية المصرية بعمق يلخصها بجمله البسيطة الذكية فقد كان يمتلك القدرة على قول الكثير بأقل الكلمات، بل كثير من جمله أشبه بحكم موجزة، وهل الشعر، في جوهره، إلا إيجاز للمعاني واختزال لكل إطناب. ولأن لقائي التلفزيوني الأول به لم يرو غليلي وكنت أشعر بأنني لم أعطه حقه، خاصة بعد توثق علاقتي به وارتباطنا بصداقة فكرية وعائلية، وتكوّن صورة عنه لديّ ليست مبنية على البحث والقراءة فقط، بل على القرب الإنساني، ارتأيت استضافته مرة ثانية، وكان ذلك سنة 2004 في الحلقات الأولى من برنامجي «نلتقي مع بروين»، وكان سيد حجاب في هذا اللقاء مرتاحا منفتحا على أسئلتي حتى المشاغب منها، التي كان يتملص منها بذكاء، وقد أدلى برأيه يومها في عدد من الفنانين والممثلين مع خفة دم عُرف بها، ممزوجة بصراحة غير جارحة. وهي مفتاح آخر من مفاتيح شخصيته، فسيد حجاب صريح دون تجريح يقول رأيه بشجاعة، وهذه الشجاعة صاحبته حتى في أشعاره فقد قال له يوما صديقه يحيى الفخراني، إن أشعاره ستدخلهم السجن، وهذا ما كانت تخشاه زوجته ميرفت بعد صدور قصيدته «قبل الطوفان الجاي»، التي نشرها في 2009 وكانت أشبه بنبوءة عما حدث في مصر بعد ذلك بسنتين.
ومن صراحته أنه كان يتصل بي أحيانا بعد حضور حلقة من برنامجي، فينقد بأدب أو يبارك، وفي كلتا الحالتين لا يجامل، بل يقول رأيه وإن جاء مخالفا لرأيي، مع قدرة فائقة على تغليف صراحته بما عرف عن المصريين من ظرف، بل لم يكن يدعي ما ليس له وأذكر في سنة 2007 في دورة صلاح عبد الصبور للشعر، وكان سيد حجاب أحد المحكمين ولم أكن أعلم ذلك، يومها أخبرني بأن أحمد عبد المعطي حجازي هو من رشحني للمشاركة مع الكبار من أمثال محمود درويش وليس هو. بقيت على تواصل معه ومع زوجته في مرضه وقد أثر فيه السرطان ففقد وزنه، ولكنه لم يفقد شهيته للحياة فكنت أزوره وألتقي عنده بجارته الكاتبة فتحية العسال في بيته في المعادي، وكان على عادته من التفاؤل وخفة الدم والانتقال بخفة غزال من موضوع إلى آخر، كما يفعل الحكاؤون فهو من نسل من تلك السلالة التي حفظت لنا تاريخا شفاهيا موازيا للتاريخ الرسمي.
وبعد وفاته كنتُ وزوجتَه ميرفت نحتفل بعيد ميلاده إحياء لذكراه، كلما توافق ذلك مع وجودي في مصر، وكانت تحدثني عن عشقه للحياة في مرضه وولعه الشديد بالسفر، كما كان ينفق كل ما يملك ليعيش، كأنه لم يسمع قط بالمثل القائل «خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود» بل كان كريما عفيفا، ولم يكن شاعر بلاط ولا مداحا، ولو فعل ذلك لأثرى مثل من هم أقل موهبة منه، ولكنهم أكثر انتهازية. فقد حافظ سيد حجاب على استقلاليته وتاريخه السياسي، ولم يترك لزوجته سوى ذلك البيت الصغير الدافئ العامر بالشعر واللوحات التي كان يقتنيها، إذ كان مولعا بالفن التشكيلي، بل كان موسوعي الثقافة لم يتكئ على موهبته العريضة وحدها، إذ رفدها بقراءات متنوعة متشعبة جعلت منه حامل فكر متقدم قياسا إلى عمره، يؤمن بتماهي الأجناس الأدبية، ويكتب نصوصا حديثة كأي شاعر شاب يمارس التجريب. وعزاؤنا أن زوجته لا تزال حريصة على تراثه تنشر ما تركه مخطوطا في مجموعات شعرية، فهو الحاضر أبدا معها وعبرها. ففي آخر رحلة لي مع زوجته ميرفت إلى الأقصر قبل أربع سنوات، كان سيد ثالثنا تستحضره في كل المواقف بنكته وأقواله الشبيهة بالحكم ولوازم كلامه فقد أحبته إنسانا وشاعرا.
تداعيت في أربعينيته مع مجموعة من محبيه إلى سكة الفهيدي في دبي فقرأنا قصائده وغنت طفلة من شعره الذي كتبه للأطفال، وهو جانب مظلوم من إنتاجه فقد شكل مع عمار الشريعي وعفاف راضي ثلاثيا رائدا في أغنية الطفل، وهو ميدان ليس دخيلا عليه إذ ساهم بالكتابة لمجلتي «ميكي» و»سمير». كانت تلك التأبينية لمسة وفاء لشخص لا يمكن أن يكون مروره بحياة من عرفه عابرا. فسيد «كان في الأصل حلواني علشان كدة كلمته حلوة الحلوات».

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية