باللغتين الإنكليزية والفرنسية، إذا شاءت هذه السطور الاختصار والاقتصار على لغتَين كونيتين واسعتَيْ الانتشار، ثمة عشرات المؤلفات التي تناولت قطاع غزّة؛ من جوانب شتى متنوعة، تبدأ دائماً من حروب دولة الاحتلال الهمجية ضدّ القطاع وأهله، وتمرّ بالحصار الخانق والبربري المستمرّ منذ 16 سنة، وليس لها أن تتفادى إشكاليات الصراع بين منظمتَيْ «فتح» و»حماس»، وبالتالي لن تنتهي عند سلسلة المشكلات الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية الناجمة عن اجتماع هذه العوامل وتفاعلاتها.
يُشار، ضمن العجالة أيضاً، إلى كتاب «تأزّم غزّة: تأملات حول الحرب ضدّ الفلسطينيين»، 2010، الذي وقّعه نعوم شومسكي وإيلان بابيه؛ والمؤرّخ الفرنسي جان – بيير فيليو، في «تاريخ غزّة»، 2012؛ والإسرائيلي جدعون ليفي، «معاقبة غزّة»، 2010؛ والأمريكي نورمان فنكلستين، «غزّة: استقصاء حول استشهادها»، 2018؛ والأمريكية سارة روي، «إنطاق غزّة: تأملات حول المقاومة»، 2021. وفي جوانب أقرب إلى أنثروبولوجيا الحياة اليومية والثقافة والاجتماع البشري، لا يصحّ إغفال أعمال مثل «مذاق غزّة: أطعمة وتقاليد من الوطن»، كتاب ليما الشوا ابنة غزّة، الذي صدر بالإنكليزية واحتوى على عشرات الصور الفوتوغرافية البديعة (بعدسة فلك فايز الشوا خصوصاً، ومن الأرشيف الشخصي للمؤلفة) فضلاً عن مسرد يضبط بالإنكليزية جميع أسماء الأطعمة الغزاوية على اختلافها.
ثمة، إلى هذا، طراز آخر من المؤلفات التي تخصّ القطاع وأهله، على غرار كتاب «نور في غزّة: كتابات ولدت من النار»، بتحرير مشترك من جهاد أبو سالم وجنيفر بنغ ومايكل مريمان – لوتز، وصدر السنة الماضية بالإنكليزية ضمن منشورات Haymarket في شيكاغو. الموادّ كتبها رفعت العرعير، أسماء أبو مزيد، شهد أبو سلامة، بسمان الديراوي، سالم القدوة، سهيل طه، نور نعيم، مصعب أبو توهة، درغام أبو سالم، يوسف الجمال، وإسراء محمد جمال. وهؤلاء كتّاب وشعراء وفنانون وأكاديميون واقتصاديون، سجّلوا شهادات متنوعة المحتوى ومتعددة الأساليب ومتغايرة الرؤية، لكنها جميعها تلتقي، ربما بالمعنى الحرفي للكلمة، في قاسم مشترك أعظم هو الانبثاق من النار؛ أياً كانت منابعها الكثيرة، المتنوعة والمتعددة والمتغايرة بدورها.
ثمة شعر أيضاً، كما في القصيدة القصيرة «وردة تبزغ»، من الشاعر الفلسطيني أبو توهة: «لا تتفاجأ أبداً/ عندما ترى وردةً تبزغ/ بين ركام البيت/ هكذا نجونا». وهذا، للعلم، شاعر فلسطيني غزاوي يكتب بالعربية والإنكليزية، وهو مؤسس مكتبة إدوارد سعيد العامة في مدينة غزّة، وكانت مجموعته الشعرية «أشياء يمكن أن تعثر عليها مخبأة في أذني» قد صدرت بالإنكليزية السنة الماضية ونالت إحدى «جوائز فلسطين للكتاب» في لندن؛ وتتميز قصيدته بإبراز المفارقة العالية في قلب المشهد المأساوي للحياة اليومية في القطاع، ليس من دون مسحة تهكّم على مساخر التنميطات المغلوطة والتمثيلات الكاذبة للقطاع وأهله. قصائده: «الانتحاب من غير صوت» و»كان جدّي إرهابياً» و»قفزة أولمبية في لعبة الخطّة» أمثلة على هذه الخيارات الأسلوبية. وأبو توهة نموذج معبّر عن كتلة شعرية غزاوية أفلحت، ببراعة مدهشة وأنفة منتظَرة واقتدار فنّي أكثر إدهاشاً، في تفادي التعبير عن الحصار بطرائق مباشرة أو تقريرية أو تقليدية.
ثمة في الكتاب طرافة كذلك، قاسية موجعة ثقيلة الوطأة لكنها ليست سوداء بمعنى التشاؤم والقنوت، بل هي، للمفارقة المفاجئة، فاتحة أمل وتطلّع ومقاومة، كما في مادة أبو مزيد المعنونة: «حول سبب في أننا ما نزال نتمسك بهواتفنا المحمولة ونسجّل»؛ وفيها توضح ضرورة التسجيل حتى في أقسى سياقات القصف والتدمير والموت: «لأننا تعلّمنا بمشقة أنّ توثيق ما نعيشه شديد الأهمية لضمان بقاء سرديتنا حيّة، ولبقائها ملكنا. ولأنّ حكاياتنا، نضالنا وآلامنا، والفظائع التي ارتُكبت بحقّنا طيلة سبعة عقود، يتمّ محوها». طه، في مادته «نور الشعب في ظلام غزّة»، يتناول مأساة اعتماد ثلثَيْ الطاقة الكهربائية في القطاع على الاحتلال الإسرائيلي، عدا عن حقيقة ارتهان المولدات بالوقود اللازم لتشغيلها، والذي تتحكم به سلطات الحصار الإسرائيلية؛ وهو لا يتردد في إحكام المفارقة الصارخة عن طريق اقتباس قول مأثور من توماس إديسون، مخترع المصباح الكهربائي: «سوف نجعل الكهرباء رخيصة إلى درجة أنّ الأغنياء وحدهم سوف يواصلون إشعال الشموع».
وفي تقديمه للكتاب يشدد أبو سالم، أحد المحررين الثلاثة، على أنّ هذه الكتابات تحاول كسر الحصار الفكري والإقصاء السياسي للأصوات الفلسطينية؛ ولذلك فالهدف يذهب أبعد من «طلب الإذن بسرد الرواية»، حسب التعبير الشهير الذي أطلقه إدوارد سعيد. وإذْ يستهدف تأمين منصة لمؤلفين فلسطينيين كي يكتبوا عن غزّة، فإنّ الكتاب يسعى إلى الحثّ على العمل، وتوفير بصيص أمل في زمن اليأس والاستعصاء السياسي، فضلاً عن اقتراح تمرين على تنشيط المخيّلة، وهذا فعل يندر أن يمارسه الفلسطينيون، خاصة في قطاع غزّة.
والكتاب يعيد التذكير مجدداً بأنّ غزّة، على غرار كلّ مساحة إنسانية وجغرافية محاصَرة، لا تنبض بأنساق من الحياة اليومية الحيّة والحيوية، المذهلة في عمقها وعراقتها وتماسكها، فحسب؛ بل هي، في ذلك كلّه وسواه، أنموذج طرواديّ الطبيعة والطابع، مقاوِم وصامد وإبداعي أياً كانت سُبُل جلاء خصائصه أو خفائها أمام ناظر يحدّق فيرى، أو يتعامى… ولكن لا مناص إلا أن يرى أيضاً!