(المضمون: الدعم الأمريكي بالوقوف إلى جانب إسرائيل ليس بلا ثمن، فامريكا لا تريد لإسرائيل أن تبادر إلى حرب ضد حزب الله، ولكنها في المقابل تعهدت بمشاركة طيارين وطائرات أمريكية إذا ما هاجم أولاً.
أمريكا لها مصالح مع العرب المؤيدين لها وهي لا تريد حربا كاسحة في غزة لا تراعي حياة المدنيين – المصدر).
أمس في باري، روى لي أحد المقاتلين عن الزيارة العاجلة التي قام بها نتنياهو إلى الكيبوتس أول أمس. عندما اقتادوا نتنياهو إلى أحد الأحياء التي تضررت بشدة السبت (السابع من الشهر) طلب وضع كمامة كي يمتنع عن استنشاق الرائحة. لنتنياهو يوجد أنف حساس. لا يا سيدي، قال له أحد الضباط، هذه الرائحة ستشمها.
حسب أفضل علمي لم يوثق الحدث، ولعله وُلد فقط من تمنيات مقاتل فقدَ في القتال رفاقاً حميمين، لكنه يدل على مدى الغضب في أجزاء واسعة من الجمهور. الغضب عظيم على نحو خاص بين أعضاء الكيبوتسات الذين دفعوا الثمن لقاء القصور بدمائهم. بعضهم غاضبون على ممثليهم، الذين أعربوا في وسائل الإعلام عن الأمل في أن تحرص الحكومة على إعادة تأهيلهم. ويقولون لن نطلب إعادة تأهيل من حكومة تركتنا لمصيرنا. ويعتزمون البدء بإعادة التأهيل بأنفسهم، بالوسائل التي جمعوها من عملهم على مدى السنين وبالتبرعات.
خلال نهاية الأسبوع زار الكيبوتس اثنان من كبار الوزراء في حكومة بايدن – وزير الخارجية بلينكن ووزير الدفاع أوستن. في الجانب العلني أعطت الزيارات مفعولاً إضافيا لتعهد الرئيس بالوقوف إلى جانب إسرائيل في ساعة الضائقة. أما في الجانب العملي فالقصة أكثر تعقيداً.أوستن أراد أن يضمن ألا تبدأ إسرائيل هجوماً مبادراً ضد حزب الله. واقترح في المقابل حماية بشكل تعهد أمريكي بإدخال طيارين وطائرات أمريكية إلى الحرب إذا ما هاجم حزب الله أولاً. هذا إضافة إلى القوة الرادعة بتواجد حاملتي طائرات أمام شواطيء لبنان. فهل استجابت إسرائيل للطلب؟ لا شك. هل ردعت إيران؟ يوجد شك. في هذه الأثناء إيران وفروعها يختارون الحرب على الحافة.
كما نقل بلينكن وأوستن رسالة أخرى: الولايات المتحدة سيصعب عليها تأييد عملية عسكرية في غزة تنطوي على مس جارف بالمدنيين وتعريض السيادة المصرية للخطر.
فضلاً عن الحساسية الواجبة من إدارة ديمقراطية لحقوق الإنسان، توجد هنا مصلحة واضحة. أمريكا غير معنية بإضعاف الأنظمة العربية المؤيدة لأمريكا، لا مصر ولا الأردن ولا الإمارات ولا السعودية. بلينكن سافر من إسرائيل إلى السعودية في محاولة لإنقاذ الصفقة السعودية. هذه الصفقة هامة جداً لبايدن، سياسياً وحزبياً.
أصدر السعوديون بعد أحداث السبت بياناً شجب إسرائيل. الرد السلبي في الغرب أحرجهم. لاحقا فرضوا على أنفسهم الصمت.
لقد وضعت حكومة إسرائيل هدفاً للحرب في غزة من المشكوك فيه أن يكون قابلاً للتحقيق.
إبادة حماس هدف مرغوب فيه لكن من يضعه يثير على الفور السؤال من الذي سيأتي مكانها. عندما كان إيهود باراك وزيرا للدفاع سألته لماذا لا تحتل إسرائيل غزة وتُسلمها أمانة إلى السلطة الفلسطينية فأجاب: هذا لا يمكن أن يتم على هذا النحو، إسرائيل لا يمكنها والسلطة لا يمكنها.
وهذا صحيح بشكل مضاعف اليوم حين تكون في إسرائيل حكومة تفضل السلطة على حماس والسلطة ضعيفة وغير شعبية.
على خلفية هذا الوضع، توجد محافل تتحدث عن نظام وصاية مؤقت لغزة بمشاركة الجيش التركي وجيوش إسلامية معتدلة أخرى. وعندما يستقر الوضع تعود السلطة الفلسطينية إلى الحكم. لهذا الحل أيضاً لا يوجد حاليا من يشتري. عندما سُئل رئيس هيئة الأمن القومي تساحي هنغبي السبت الماضي ما إذا كانت الحكومة تفكر بحل يعيد السلطة إلى غزة تفوه بجواب لا يقول شيئاً.
تتحدث الحكومة بصوتين في موضوع المخطوفين أيضاً. صوت واحد يقول: لا يوجد ولا يمكن أن توجد مفاوضات مع حماس، وصوت ثانٍ يقول: نحن نجري اتصالاً مع قطر ومحافل أخرى كي نعيد المخطوفين.
أقامت الحكومة جهازاً خاصاً بها برئاسة غال هيرش، وهذا تعيين سياسي، والجيش أقام جهازاً خاصاً به برئاسة جنرالين. إذا كانت العائلات مشوشة فهي محقة: عندما قال رئيس هيئة الأمن القومي تساحي هنغبي في هذا الموضوع الأمر ونقيضه فإن الانطباع الناشيء كان أن الحكومة تنازلت عن حياة المخطوفين.
يمكن أن نشبه الحكومة بضابط شرطة جاء للتفاوض مع لص سطا على بنك لتحرير الرهائن الذين احتجزهم. بداية يقول الشرطي، “أبلغك رسمياً بني سأقتلك. والان نبدأ بالمفاوضات”.
الحقيقة هي ان حكومة قطر أطلقت مبادرة وساطة. هذا الدور جيد للقطريين. فهو يستجيب لاحساسهم بأهميتهم، تماماً مثلما كان المونديال. حكومة إسرائيل لم ترفض المبادرة بشكل حاسم. في هذا الأثناء السعي هو إلى اتفاق صغير، مثل أدوية للمرضى مقابل وقف قصير في القصف أو ممر إنساني، أو اتفاق مرحلي ينطوي على تبادل نساء، أطفال وشيوخ اختطفوا بسجينات وسجناء كبار السن.
في هذه الأثناء الاتصال مع قيادة حماس صعب بسبب القصف. مجال المناورة الإسرائيلي ضيق بسبب الهدف الذي حدد للحرب.
و بالإجمال من المشكوك فيه إن كان أحدٌ سيتحرك قبل العملية البرية للجيش الإسرائيلي.
14 من المخطوفين هم مواطنون أمريكيون. مخطوفون آخرون هم ذوو جواز سفر أوروبي. العالم لا يمكنه أن يبقى غير مبال للمشكلة.
وفي هذه الأثناء فإن الأيام التي تتمتع فيها إسرائيل بإسناد في الغرب على أعمالها في غزة آخذة في الانتهاء. صور البلدات المدمرة في غلاف غزة تستبدل بصور المنازل المدمرة ومئات آلاف اللاجئين الذين يتحركون جنوباً في غزة.
في إسرائيل يوجد في هذه الأثناء إجماع حول الأعمال العسكرية. رامي غولد، أحد أبطال ثلة التأهب في كيبوتس باري قال لي أمس “نحن في الكيبوتس واصلنا دفع أجور عمالنا من غزة ممن لا يمكنهم أن يعملوا. دوماً أيدنا هذا. اليوم أنا أقول، لن نبقي في غزة حجراً على حجر”.
لكن الإجماع مؤقت. فعندنا يلتقي الغضب على القصور الرهيب في الغلاف والمخاوف من حرب في الشمال ستغطي بالصواريخ كل البلاد ومن فشل إضافي في غزة، فإنه سيختفي.
وهكذا نحن نعود إلى البداية: الغضب يلتقي القصور يلتقي عدم الثقة يلتقي عدم اليقين.
بقلم: ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 16/10/2023