بيروت – «القدس العربي»: في وقفة العزّة والجلالة على أرواح شهداء غزة أطلقت الفنانة الفلسطينية رائدة طه عرضها المسرحي الجديد «غزال عكا» في مسرح المدينة ف لبنان. عرض بدأت الإعداد له منذ حلول الذكرى الخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. مشاعرها نحو جديدها في مواصلتها لسرد حكايات وطنها المغتصب، لم تكن لتقلّ كثيراً عن مشاعرها وهي تعدّ لسيرة عائلتها بعد استشهاد والدها علي طه. فغسّان وعلي رفيقا درب على طريق فلسطين، وصديقين.
أن تتناول كاتبة وممثلة حياة إنسان مرّ سريعاً في الحياة، وترك أثراً كالشهب الذي لا ينطفئ، أمر ليس بسهل. معارف ودرر أدبية جمة أسرع غسان كنفاني في صياغتها، وتقديمها للراغبين بالتقصي عن حياة الفلسطيني المُبعد عنوة عن وطنه. وكأن غسّان كنفاني كان نهراً يتدفق.. شعراً.. قصة للصغار.. ورواية للكبار.. أفكاراً سياسية يناقشها في جريدة «الأنوار».. وفي مجلة «الهدف» وسواهما. كذلك أبدع رسماً ونحتاً وحباً للحياة.. مناضل ومحب للحياة.. ومنتصرا على مرض السكري الذي داهمه وهو في الثالثة والعشرين من العمر.
أبحاث كثيرة قامت بها رائدة طه للوصول إلى نصها الذي أسمته «غزال عكا». مقابلات مع معارفه وأصدقائه وأهل بيته. هي التي حرّضتها والدتها منذ الطفولة على قراءة قصص غسان، تقول بأنها «وجدته، وقد كتب النص المسرحي الذي أنا بصدده».
تروي في عرضها ونقلاً عن شاهد عيان العلاقة المتينة بين والدها وغسان.. وآخر الحوارات بينهما وبشهادة لمن هو على قيد الحياة. إنه اللقاء الأخير في مكتب غسان في مجلة الهدف. «غسان بتعرف أنا راح استشهد قبلك»؟ ييقول علي. «لا يا زلمي أنا قبلك»؟ يجيب غسان. «بتشارط يقول له علي»؟ فيوافق غسان على الشـــــرط.
جرى الحوار قبل استشهاد علي طه بأيام، حين خطف طائرة اسرائيلية إلى مطار اللد مطالباً بالإفراج عن أسرى فلسطينيين. قتله اسحاق رابين برصاصة في الرأس في 9/5/1972. «وربح الشرط دون أن يعرف». لم يُعمّر الفراق طويلاً بين الصديقين فاستشهد غسان في 6/7/1972.
في عرضها الذي أخرجه جُنيد سري الدين، تخوض رائدة طه في بحر مما انتجه غسان كنفاني في سنوات عمره القصير، وسنوات عطائه الـ16. وكأنه كان يرى هذا التحدي بينه وبين الحياة، فأمطر إبداعاً، وفناً وسياسية وإنسانية. رغم مرتبته الإبداعية بين أقرانه من الذين تناولوا السردية الفلسطينية، ورغم عمله لساعات طوال في اليوم، حرصت رائدة طه في نصها على اظهار مساحة الإنسان الرحبة في حياة «غزال عكا». مُحب للسهر والرقص، ومفتون بأغنيات الأمريكية السمراء إرثا كيت. وعندما قررت أن تغنّي لجمع التبرعات للوكالة اليهودية، محى أثرها من منزله ونسيها. غسان رجل مواقف صلبة، مواجه وغير متساهل. تستخلص رائدة طه.
قررت تناول حياة غسان كــــــنفاني عبر فصول عددتها للمتفرجين. بيت القصيد والركن للسنوات التالية بين الفصول «الطرد الجماعي ومخيمات اللاجئين». كيف غادرت العائلة مع بعض الأقارب منشية عكا باتجاه رأس الناقورة وصولاً إلى صيدا؟ كيف تركوا بساتين الــــبرتقال خلفهم وهم يسيرون شمالاً؟ في رأس الناقورة وجدت والدة غسان من يبيع الـــــبرتقال، طلبت من أبنائها استنشاق رائحته وتخزينها في صدورهم.
انتقلت عائلة غسان إلى دمشق، وفيها مارس تدريس الرسم في مدارس وكالة غوث اللاجئين الأونروا. وعندما طلب من تلامذته رسماً مرعباً، لم يشف عطاءهم غليله. فرسم «كرت الإعاشة» الصادر عن الـــــــوكالة ليقول «إنه المرعب». إنها اللحظة التي حوّلت حياة غالبـــــية اللاجئين الفلسطينيين من مكتفين مقتدرين داخل وطـــنهم، وسجنتهم في كرتونة اعاشة في بلدان اللجوء.
جسّدت رائدة طه جريمة اغتيال غسّان كنفاني ومعه ابنة شقيقته لميس باللحم الحي، الذي انتشر على شجر الحازمية او تفحّم حول هيكل السيارة.. هو المشهد نفسه الذي تعيشه غزّة اليوم، إنما بالقتل الجماعي. منحت اللحظة طقوسها التي تحتاجها. صدمة فايزة، وآني وليلى وفايز وغيرهم من افراد العائلة.
وتابعت سرديتها لتُعلم غسان عن مؤسسته الثقافية.. كتبه والترجمات. أطفال حضاناته المنتشرة في المخيمات.. ولديه فايز وليلى وأحفاده ونشاط آني الاستثنائي على الدوام.
جميلة رائدة طه في حضورها على المسرح، ومن ينتظر عروضها، ينتظر بكل تأكيد روايتها عن وطنها السليب الذي نذرت بأن تروي قصصه على المسرح. ترويها بقوة الصادق المجروح لحقوقه المستباحة. ترويها بقوة المجرّب وحضورها الذي يزداد قوة على المسرح.
جنيد سري الدين المخرج الذي سبق وتعاون مع طه في نص «36 شارع عبّاس – حيفا» قدّما معاً في «غزال عكا» سردية مميزة عن رجل مميز. رغم جدية الحالة تخلل النص بعض من المواقف الطريفة واللطيفة، والضرورية. وكان للعرض ميزة التلوين في السينوغرافيا وحركة الممثلة على الخشبة، فلم نشـــــــــــعرها شخصاً، بل كل الأشخاص الذين تناولهم العرض. فردت في المكان أدواتها على طاولة، ومن ثم جمعتها بعضها فوق بعض، وصارت شاحنة اللجوء من فلسطين إلى لبنان.
وهذا وتنتقل العروض من مسرح المدينة إلى مسرح زقاق يومي 19 و21 من الشهر الجاري.