تخاتل عتبات الرواية قارئها، فهي توهمه بتاريخية الرواية وتوحي بالسرد التاريخي المختلف طبعا عن السرد التخييلي الروائي، فقد تخير لها كاتبها تهامي الهاني ملامح تحيل على الأدب القديم وغلفها بشيء من القدامة. فجاءت حاملة عنوانا محيلا على تقنيات العنونة في المصنفات القديمة (زومبا الافريقي وما جرى لصاحب الزنج علي بن محمد العلوي في جزيرة العبيد). هذه اللاحقة ذات مسحة تاريخية، وهو الانطباع نفسه الذي تتركه العناوين الداخلية. فهي ذات صياغة قديمة. (ورقات من كتاب البدايات.. ورقات من كتاب الأمل.. ورقات من كتاب ليبيا.. ورقات من كتاب صاحب الزنج وجزيرة العبيد).
ولا نغفل في هذا المجال ما نسجله في منطقة العتبات من إشارات تستدعي فيها نصوص المؤرخين، وتذكر معطيات تاريخية وجغرافية وأدبية. فقد استدعى الكاتب أسماء ونصوصا مختلفة منها علي بنهرار في مقال بموقع افتراضي يعرف فيه بصاحب الزنج ويستنجد بمقولة للطبري. ونسجل في هذا المجال وجود مقاطع شعرية لمحمد الفيتوري وعنترة بن شداد.
هذه العوامل تطبع فضاء العتبات بطابع تاريخي يفنده الكاتب بالتنبيه الذي وضعه فيها وهو بمثابة خطاب تعاقد مع القارئ، ينزع فيه الكاتب عن الرواية هذا التصنيف. وفيه يقول: «لا تنتظر من هذا الكتاب تاريخا لأنه إبداع، ولا تنتظر واقعا إنما هو وهم الواقع لكنه قضايا للفكر». نحن أمام مادة تاريخية متحررة من صرامة النص التاريخي وجديته، إنها المادة التي تذوب في الحكاية وهو ما يكشف عن تفاعل نص بين التاريخي المرجعي والتخييلي، فالتاريخ في هذه الرواية هو مجرد طروس، على حد تعبير جيرار جينيت.
وجوه التاريخي والمرجعي
يبدو التاريخ حاضرا في هذه الرواية بكثافة، ممتدا على أزمنة طويلة، لكنه تاريخ مختزل ومجرد أطياف وطروس، وتلك هي أسس الكتابة الروائية المعاصرة للتاريخ، التي تحاول توسيع المسافة بينها وبين السرد التاريخي العلمي. فكلما اتسعت هذه المسافة ازداد الحس الإبداعي للرواية، وازداد إشعاع المادة التاريخية أكثر. في هذا الإطار نسجل حضور إشارات إلى أحداث قديمة، مثل أحداث جزيرة العبيد ومنها الغزو البرتغالي وتجارة الرق. وكذلك ذكر شخصيات تاريخية مثل سليمان بن جامع المتمرد على الخليفة العباسي ونجد كذلك استدعاء لأحداث معاصرة على غرار الانقلابات المتتالية في افريقيا. ولا ينحصر المرجعي عند المادة التاريخية بل يشمل المادة الجغرافية، فرحلات زومبا من افريقيا إلى المنطقة العربية رافقها سرد جغرافي يجعل حضور أدب الرحلة لافتا في الرواية.
فنحن نقرأ في هذا المجال عن مدن مختلفة مثل طهران وسامراء ولومي وتونس وطرابلس وغيرها. لكن هذه المادة تنحل مرجعيتها في السرد وتذوب في الحكاية بما يطرأ عليها من تخييل وما يضاف إليها من مادة لا تتجانس مع المرجعية، تقوم على أساس الوهم.
من التاريخ إلى الوهم
فإذا نحن أمام أحداث خيالية مثل محاكمة علي بن محمد علوي بتهمة الإرهاب، أو مؤتمر تحرير العبيد وبعض الأحداث العجيبة التي وقعت في الرواية على غرار الظهور المفاجئ لمحمد العلوي صديق الزنج مرات مختلفة وإنقاذه لزومبا.
ومن علامات التخييل ومفارقة المرجع أيضا عدم تطابق الوجود التاريخي للشخصيات مع زمن أحداث الرواية. من ذلك دعوة شعراء من أجيال مختلفة لحضور احتفال شعري، وتوظيف نصوص شعرية مختلفة. فنجد مقاطع للشاعر محمد الفيتوري ولعنترة في التصدير وقصائد لشعراء أفارقة مثل، كمارا لاي (غينيا) ودافيد ديوب (السنغال). ومن علامات هذا التخييل أيضا توظيف تقنية الحلم واكتشاف زومبا لحلمه. فبعد كل هذه الأحداث «فتح زومبا عينيه فوجد نفسه بين ذراعي والدته ديما وهي تهدئ من روعه. عاد الوعي ووجد نفسه في مدينة لومي تلفحه شمس افريقيا الحارة». هذه الرواية في هذا المستوى الفني كتابة تنهل من التاريخي ومن التخييلي، لكنها من زاوية أخرى تنهل من الواقعي. فهي تكتب شيئا من معاناة الافارقة واستعبادهم. وقد صدرت قبل أن يحتد الحديث في تونس عن قضية الافارقة المهاجرين التي باتت موضوعا مثيرا. وهي تعرض معاناة الأفارقة في سبيل بحثهم عن القوت. فرحلة زومبا تنطلق من بلاده ليصل بعضا من البلاد العربية ومن بينها طرابلس ويتعرض، أثناء ذلك إلى صعوبات مختلفة من بينها العنف والابتزاز والاحتجاز والاستغلال في الأعمال الشاقة وفي الأعمال الحربية وغيرها. وقد انتهت رحلته في العاصمة التونسية، حيث وجد العناية والشغل وصارت له علاقة عاطفية، لعل هذه المحطة التونسية تكشف عن الوجه التونسي الصميم وجه المحبة والإنسانية. وبناء عليه يمكن أن نعتبر هذه الرواية حاملة لمضمون اجتماعي أيديولوجي ينتصر للإنسان الافريقي ويعترف بمعاناته.
كاتب تونسي