في العدوان على غزّة سقطت مدارس الإعلام الغربي في الانحياز والتضليل
بيروت ـ «القدس العربي»: لم نكن بانتظار العدوان على غزّة وقتل مئات الأطفال تحت ركام منازلهم حتى نتأكد بأن الموضوعية التي يدعيها الإعلام الغربي ساقطة. قرر هذا الإعلام برمته منذ سنوات أنه موجود لخدمة استمرار الكيان الصهيوني، وتغطية جرائمه لا بل اعتبارها قتلا حضاريا.
إعلامياً وعبر مواقع التواصل الاجتماعي الحصار كبير على الرواية العربية في الصراع القائم مع كيان الاحتلال. وهذا مؤسف للغاية خاصة في حالة القتل الجماعي الممنهج على أهل غزة. فهل من سبيل لنا لقول حقيقتنا؟
هنا حوار مع الأستاذ والمدرّب الإعلامي داوود ابراهيم:
○ المواجهة الإعلامية بعد «طوفان الأقصى» لا تقلّ عن المواجهة العسكرية. كيف قدّمنا حقيقتنا بمواجهة إعلام العالم القوي؟
• نحن حيال مؤسسات إعلامية كثيرة، وللأسف لديها حساباتها ومصالحها وتوجهاتها سواء كانت عربية أو عالمية. يحتاج الإعلام إلى مال، وهذا ما يوفّره من يملكون رأس المال. وهؤلاء قد يكونون مرتبطين بمصارف أو مصالح، أو بمنظومة مالية عالمية. لذلك تراعي المؤسسة الإعلامية مصالح المموّل. وعندما تقرر تلك المؤسسة نشر إنتاجها على مواقع التواصل الاجتماعي، ستخضع لوجهة نظر محدّدة وضعها الغرب. هذه المعطيات مجتمعة تؤدّي بمن يعملون في الإعلام كمؤسسات أو أفراد للسؤال إن كانت المادة الخاصة بهم ستُنشر أم لا؟ وإن كان التوجّه مضراً باستدامة عملهم أم لا؟ كلّ ذلك يضع الإعلاميين أمام تحديات كبيرة في ظل الواقع الذي نعيشه. وثمة تصنيفات جاهزة حول هذه الرواية ومن يرويها، وتصنيفه مع المحور الذي يحب الحياة، أو محور إرهابي أو متطرّف. مساحة القضايا الإنسانية زالت، ومعها قدرة التعامل مع تلك القضايا بمصداقية وموضوعية، أو حتى ما يحاضر فيه الغرب عن الصحافة الحسّاسة وسواها. معايير تُطبّق في مناطق دون أخرى، إضافة إلى الأجندات التي سبق ذكرها. لهذا تُحسب التغطية وفقاً للمؤسسة الإعلامية ومصالحها.
○ وكأنك تنعي مقولة حرية الإعلام خاصة في الغرب؟
• أعيد السؤال إلى واقع آخر. لنتناول الواقع الذي نتابعه في تغطية العدوان على غزة. ثمّة إعلام ضمن محور سياسي، ولهذا نراه يُخاطب جمهوره تلقائياً وكلّ من يؤمن به وينتمي له. وهناك الإعلام الأشمل والأغلب، وهو الإعلام الغربي الذي يخاطب جمهوره. هذا الإعلام له وجهة نظر مسبقة، وانحاز نحو طرف من طرفي الصراع. وثمّة إعلام له توجهه المسبق. بغضّ النظر إلى أين تميل الكفّة، وهي تميل غالباً نحو صناعة الإعلام في المؤسسات الكبرى وهي غربية بشكل عام، نكون حيال طرف آخر. إنّما الطرف الآخر المذكور سابقاً هو الأضعف، ويملك أهدافه وأجندته وإيديولوجيته ومبادئه. التغطية الإعلامية التي يجب أن تسود، هي الموضوعية والتي تتناول الأحداث كما هي دون أن تتأثر برأس المال والانتشار. فهل هي موجودة؟ لست أراها في إطار هذه المعركة القائمة. وإن وجدت فتأثيرها ضئيل جداً، وليس لها قدرة الوصول لأنّ الناس منقسمون بين هذا الطرف وذاك. تسمع الطرف الآخر فقط لتُهشّم مرويته. إنّه الواقع الذي نعيشه للأسف. كمثال افترض قناتي الميادين والمنار من جهة، ومن جهة أخرى المؤسسات الإعلامية الغربية التي تدور في فلك آخر إما ممول خليجياً أو أوروبياً أو أمريكياً. وكل من هاتين الفئتين تخاطب الجمهور الذي يسمعها. ويشكك برواية الطرف الآخر على حساب الحقيقة والمعايير الصحافية التي يفترض أن تكون معتمدة.
○ سارة سيدنر مراسلة السي أن أن اعتذرت عن فعلتها بشأن رؤوس أطفال المستوطنين المقطوعة. هل لإعلامنا العربي كَذِب بهذا الحجم؟
• رؤيتنا عن الإعلام الغربي أنه احترافي خاصة عندما يتناول حرية الصحافة وتأثيرها ودور الإعلام في تعزيز الديمقراطية. إذاً نظرتنا أنه إعلام لديه قدرة الوصول والتغطية دون تأثر. فنحن نراه عملاقاً وكبيراً. في حين نرى الإعلام المرتبط بالحزب الواحد إعلام بروباغندا. ونتلقى الصدمة عندما يروج الإعلام الذي نعتبره احترافيا للتضليل والأكاذيب. شخصياً تلقيت ورشات تدريب على تغطية الحروب مع محطة السي أن أن. في التدريب على تناول الحدث، أو التغطية الخاصة بالنزاعات، إشارة لتغطية الخبر دون انتماء إلى بروباغندا أو دعاية سياسية. فهذا الإعلام الذي قدّم نفسه مدرسة، ومنارة، ومتقدم ويمتلك الحرية والقدرة يمارس هذا التضليل، عندها تحصل الصدمة الكبرى. ويكون السؤال أية حقيقة سنصدق؟ وأية رواية للأحداث هي الموضوعية والأدق وغير منحازة؟
○ قالت خبراً دون صورة في عصر الصورة وتبناه رئيس أكبر دولة وصدر بالبونت العريض في الصحف الأمريكية والأوروبية؟
• ثمة مثل يقول يكفي أن نرمي كذبة ليتحدّث بها الناس كثيراً. وعندما يصدر التكذيب تكون الضجة قد أخذت مداها مع الخبر الأول. إذاً تأثير التكذيب أقل بكثير. وهنا نعود للاحتراف بعدم نقل الأخبار بتسرّع ودون غربلة، ومقاطعتها مع مصادر متعددة. ذاك الخبر يحتاج لما يوثّق وقوعه. وبغير ذلك هي مساهمة بنقل أخبار من أناس تحت الصدمة. هذا إذا افترضنا أن التضليل أو الكذب لم يأت عن عمد.
○ تحدثت عن عدم التأثر في قول الخبر أو نقله وما رأيناه في المرئي من الإعلام الغربي والأمريكي برمته تقريباً أن المذيعات والمذيعين يحتاجون لمن يكفكف دموعهم؟
• وهذا ما سبق قوله بأن الإعلام يلعب دوراً ضمن أطار منظومة القيم وكما يراها مجتمعه. أي أن الإعلام يعكس وجهة نظر المجتمع والسلطة. فينتفي الإعلام الموضوعي ويحل الجمهور الذي نتوجه له. حتى الإعلام الغربي ينخرط في توفير نوع الأخبار التي يريدها جمهوره، وهي مسبقاً تعرف من هو جمهورها. الإعلام الذي قدّم ذاته على انه الأكثر احترافية جرى تطويعه. وهنا يمكن استعادة فعلة الدوتشي فيليه مؤخراً. فهي في مرحلة كانت تعطي مساحة لتغطية إخبارية متوازنة لما يحدث في فلسطين، فجأة تمّ استيعابها، والسيطرة عليها، وصيغت رواية موحدة تخدم الاحتلال الإسرائيلي بشكل أو بآخر. جاهروا بالأمر ولم يخجلوا بالقول تغطية الأحداث يجب أن تخدم هذا المشروع. إذاً بات إعلام بروباغندا وأعلن موقفه عن سابق تصور وتصميم. أعود لما ذكرته في البداية أننا أمام عالمين في صناعة الأخبار. قضية لهذا الطرف يشهّر بها الطرف الآخر. التحريض واللعب على المشاعر خلال الأحداث هو الذي ينتج التفاعل الأعلى ونسبة المشاهدة العالية.
○ العناوين الرئيسية التي خرجت فيها الصحف الغربية الكبرى عن قطع رؤوس الأطفال مرعبة وتستلزم دهراً لتبيّض الصفحة أو تغير لونها؟
• نعرف أن مؤسسات تجارية ربحية تدير الإعلام الغربي. وطالما عملت تلك الصحافة مع مؤثرين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في مؤسسات النفط والسلاح، لهذا تلقائياً من مصلحتها تبني وجهة النظر هذه. رغم وجود مؤسسات إعلامية ممولة من الدول، إنما الإعلام الأكثر تأثيراً هو الربحي والتجاري. لو قررت وسيلة ما نقل وجهة نظر حماس عندها ستكون على لائحة المراقبة، وقد تُتهم بنشر الإرهاب إن كانت في العالم الغربي. لنفترضها وسيلة لبنانية لصاحبها حسابات وأعمال في مصارف الغرب هل سيتمكن من الانحياز للقضية الفلسطينية؟ وهذا ما يفترض أخذه بالاعتبار حين نتناول الإعلام.
○ هل كنا بانتظار العدوان الإجرامي على غزة لنعرف بأن موضوعية الإعلام الغربي سقطت؟
• بل كنا نردد ذلك من قبل، إنما الجمهور الذي انفضّ عن ما أطلق على نفسه إعلاماً حراً في تزايد. فهذا الإعلام حر في توجهاته ووفق أجندته. هو حر طالما تماهى مع التوجهات الغربية الإعلامية والسياسية، وإن حدث العكس فهو إعلام مرذول.
○ وكيف لنا أن نبرز حجم المجازر بحقنا كعرب وفلسطينيين خاصة منذ لاح للغرب استعمار فلسطين عبر الحركة الصهيونية؟
• يفترض وجود من يستثمر في الإعلام. نحتاج لمن يستثمر بمنصات شبيهة بفيسبوك وإكس تعبّر عن نبض وقضايا وواقع الشعب العربي. عندما ينشر أحدنا صورة عن ما يحدث في فلسطين تلقائياً يتم إيقاف الحساب سواء على فيسبوك أو إكس أو انستغرام، أو هي تُحد من انتشارها. إن بقينا مستخدمين لهذا العالم ولم نتحول إلى منتجين وأصحاب مشاريع مشابهة بديلة عن تلك المنصات فلن نؤثر. للصين منصاتها على سبيل المثال. مع بدء الحرب الأوكرانية حُجبت المواقع الإلكترونية عن روسيا، ومُنع بث الأخبار من خلال الأقمار الاصطناعية. لن تصل أخبارنا من خلال المنصات التي يسيطر عليها الرأسمال الغربي وجميعه أمريكي. الإنجاز الذي يُحسب لنا محطات تقدم الرقص والفقش.
○ أليس في الأفق لعبة ذكاء ما تتيح ايصال السردية العربية بدون تعرض الحساب للإقفال؟
• حين كانت مواقع التواصل في بداياتها تمكنّا من نشر ما يحدث في فلسطين. انتبهوا لها وتمّ تطويقها. بعدها شجعت الحكومة الإسرائيلية الطلاب على نشر الرواية الصهيونية والتصدي للرواية العربية، عبر وسائل التواصل، مقابل منح ومساعدات مالية. الجهد المطلوب أن نوصل روايتنا للخارج، كأن نعود لزمن الحكواتي بالنزول إلى الشارع وتقديم سرديتنا. هذا هو الحل طالما الغرب يسيطر على وسائط التواصل. وهذا يحتاج لمن يتبنى القضية خاصة وأنه يرتب أعباء كثيرة على الأشخاص.
○ وهل يمكن لأحدنا في ظل الخناق الأوروبي حول فلسطين أن يروي حكايته في «حديقة الهايد بارك» في لندن؟
• بالتأكيد إن عرف كيف يتحدث. كما أن المدونات لا تزال متاحة فلنستعملها. لتكن لنا عدة حسابات على مواقع التواصل وبأسماء ليست لنا. يقفل حساب نفتح آخر، حتى نمتلك منصاتنا الخاصة. ولنا أن نعتمد منصّات روسية أو صينية وتشجيعها.
○ المعركة مفتوحة في الفضاء الافتراضي؟
• أكيد. ففي الإعلام التقليدي ليس لنا خلق توازن وذلك نتيجة الحجم المالي المتاح للوسائل الإعلامية الكبرى التي سبق الحديث عنها وخاصة وكالات الأنباء. ان يستشهد صحافي فلا تقول المؤسسة الإعلامية التي ينتمي لها من قتله!! عند تجهيل الفاعل بشكل أو بآخر في هذا المواجهة علينا مخاطبة الرأي العام والوصول له كي يتحرّك ويكون داعماً لنا. كيف نصل إلى هذا الرأي العام؟ من خلال منصات بديلة وهي كثيرة وعلينا أن نخلقها. قد تُحذف الصورة إنما الأحداث لن تُحذف. نحن في معركة مستمرة ولن تنتهي ولنا جميعاً كأفراد دور فيها. بمزيد من الذكاء تصل الرسالة لمجموعة أكبر. نحن مع القضية الفلسطينية كونها إنسانية وقضية حق، مع احترامي لكافة المعتقدات. إنها قضية إنسان تمّ طرده من منزله بعد احتلاله ويُطلب منه أن لا يرى هذا البيت حتى في أحلامه.