أُبُوّةُ التنوير في مسرح الشوام

لئن كان أليماً، فما أخطأَ الشوام في رحيلهم إلى برّ مصر وقد مُنحوا هناك حرية القول والعمل من أعلى سلطات الدولة، نعني بذلك الثلاثي المستنير: إسماعيل، توفيق، وعباس حلمي ممن تداولوا عرش الخديوية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى امتداداً لسلالة جدهم محمد علي باشا التي كانت ناظمة للنهضة العربية وآمال روادها بما كرسته من حالة تنويرية في العلوم والآداب والفنون، يمكن الجزم أنها وضعت أرض العرب آنذاك على سكة التطور في العصر الحديث.
هكذا، يحدثنا فارس يواكيم في خمسمئة صفحة هي مادة كتابه الموسوعي «الأسراب الشامية في السماء المصرية» (دار ميريت 2021) كيف حمل الشوام مناخهم الثقافي وأعادوا كتابته في أجواء ما أُتيح لهم من اليسر المادي والحريات العامة التي كانت تعيشها مصر وقتذاك، وتناول بالدرس والتوثيق الرواد الذين ساهموا في مناحي النهضة الثقافية والفنية والاجتماعية والاقتصادية كافة، من الصحافة (العربية والأجنبية) إلى الترجمة والحقوق والطب والعلوم والمال والمصارف والتجارة والصناعة ودور النشر والمعارف والطباعة والكتب، وحذقوا صناعة السينما والأفلام، وبعضهم وصل إلى مناصب وزارية وبلدية وأمنية عالية، وصولاً إلى ما يعنينا التركيز عليه في هذا المقام وهو الرعيل المؤسس للمسرح المصري، الذي راد العالم العربي بأواليات الأعمال الأصيلة من النص إلى العرض، انطلقت مع سليم النقاش (وهو ابن أخ الرائد مارون النقاش) الذي أعلنت «الأهرام» قدومه إلى مصر كأول الوافدين عام 1876 بوصفه «الفتى اللبيب والحاذق الأديب» في مجال «أبو الفنون» مصطحبا معه أديب إسحق ويوسف خياط كنواة فرقة متحدة استقرت على مجموعة رجال ونساء للتمثيل على مسرح دار الأوبرا الشهير في القاهرة، إلا أنه ترك المسرح إلى الصحافة والعمل السياسي فأسس أكثر من جريدة بين عامي 1877 و 1880 ثم توفاه الله عام 1884، ليتولى رفيقه يوسف خياط مهمة قيادة الفرقة مواظباً على العروض المكثفة بين الإسكندرية والقاهرة، فإلى مدن مصرية أخرى حتى توقف نهائياً متحولا إلى التجارة حتى توفي عام 1900 في الإسكندرية.
أما سليمان حداد فقد مارس التمثيل مع كل أصحاب الفرق المسرحية الشامية وقتذاك إلى أن أسّس أكثر من فرقة بين عامي 1881 و1900 ثم عمل مع عزيز عيد في فرقة هزلية، ثم تركه بعد أشهر قليلة ليتفرغ لتدريب الممثلين، حتى اعتزل المسرح نهائياً عام 1912 من على خشبة مسرح جورج أبيض. على خطى سليمان حداد، أسس سليمان قرداحي فرقته الخاصة وانطلق بالعروض بين القاهرة والإسكندرية، لكنها تعثرت بالتدريج حتى عام 1894 حيث بنى مسرحه الخاص في الإسكندرية، وقدم فيه عروضاً لشكسبير ولموليير، وجال بعد ذلك مع سلامة حجازي في الريف المصري حتى اعتزل المسرح نهائياً عام 1907.
تتابع نشاط الشوام مع «أبو خليل القباني» وقصة معاناته شهيرة جداً مع المسرح في دمشق حتى رحل إلى الإسكندرية عام 1884 فكان شعلةَ نشاط، مكثِّفاً من عروضه المسرحية، ثم انتقل إلى القاهرة ليعمل هناك في المسرح الذي بناه عبد الرازق بك عنايت لأجله وباسمه «القباني» فقدم أروع المسرحيات الناجحة وكان من أوائل من أدخلوا الرقص إليها مع بعض المشاهد الصامتة، إضافة إلى الغناء في نهايتها حتى احتراق مسرح القباني القاهري، فقفل عائداً إلى دمشق مهموماً حزيناً حتى وفاته عام 1903. في السياق، لا يمكن التجاوز عن إسكندر فرح أحد مسرحيي الشوام المبرزين في أرض الكنانة، الذي أسس عام 1888 فرقة مسرحية تطورت جيداً عن مثيلاتها كما ونوعا، وكانت مهمته تدريب الممثلين وإدارة الإنتاج، وضم إليها سلامة حجازي نجمها الأول على امتداد أربع عشرة سنة قبل أن ينسحب منها عام 1905 ما شكل ضربة قاصمة للفرقة حتى توقف فرح نهائياً عن العمل عام 1909 بعد عدة محاولات لاستمرار العروض. ومن الصعب نسيان عزيز عيد الذي عمل ممثلا أولا، ثم كوّن فرق عديدة مع جورج أبيض ونجيب الريحاني ويوسف وهبي وفاطمة رشدي وعمل مخرجاً مع كل أولئك فكان أول من أدخل الإخراج إلى المسرح العربي وظيفةً مستقلة كالتمثيل والتأليف، إلى أن انضم إلى الفرقة القومية التي أسستها الحكومة المصرية عام 1935 ورفدها بعدة عروض كمخرج، لكنها تخلت عنه لعدم انضباطه ومشاكله مع الممثلين، وكان رئيسها آنئذٍ خليل مطران، حتى توفي معوزا عام 1942 في مصر
وكان لتجربة جورج أبيض حضور مؤثر في تلك المرحلة، الذي كوّن فرقته الخاصة عام 1910 مفضلاً عرض التراجيديات لجمهور واسع من النخبة وبالعربية الفصحى، لكنه اعتمد بعد ذلك اللغة المصرية العامية لفتح الباب أمام أكبر عدد من الجمهور العادي مع إدخال بعض الكوميديا على النصوص، إنما ظل في الريبرتوار العالمي الكلاسيكي الفرنسي أو الإنكليزي، ومع ذلك لم ينل ما نالته العروض الهزلية، فخف جمهوره. أطلق أبيض العديد من الممثلين والممثلات كروزا اليوسف ابنة طرابلس الفيحاء واسمها فاطمة اليوسف، التي مثلت للمسرح حتى عام 1925 وهو العام نفسه الذي أسست فيه مجلة روزا اليوسف» لتحترف الصحافة، وهو أول من فتح باب التأليف المسرحي في مصر بما عرضه من نصوص جمهور الكتّاب والشعراء، تشجيعا لهم كما كان عالما بمسائل الإخراج والإضاءة والديكور والأزياء مما رآه وتعلمه في باريس وركّز عليها لتكون بمستوى النص والأداء. أما بشارة واكيم فهو مسرحي كوميدي مخضرم من مدينة صور اللبنانية، بدأ احتراف المسرح عام 1917 وعمل فيه حتى وفاته عام 1949، وكذلك فتوح نشاطي الذي مثّل وأخرج أهم الأعمال المسرحية، لاسيما الشعرية منها بسبب تذوقه للشعر حتى مطلع سبعينيات القرن العشرين نهاية مشواره الفني بوفاته عام 1970، ليكون «آخر رعيل الشوام المساهمين في الحركة المسرحية في مصر».
مع ما تقدم، لنا أن نرصد حزمةً مثيرة من الإشارات والملاحظات الدّالة التي تمظهرت في الكتاب، منها أنّ توسُّع يواكيم في ترجمات رواد السلسلة المسرحية الشامية أعلاه، إنما هو بسبب نشاطهم المتّسع في نشر الثقافة المسرحية عبر وظائف عدّة في وقت واحد، فكان واحدهم ممثلاً ومخرجاً ومنتجاً ومؤلفاً، وقد يكون إلى ذلك مترجماً ومعدّاً، بل أسّس معظمهم الفرق وأجاد في تدريب الممثلين وإعدادهم وتنفيذ الديكور والملابس والإضاءة، لكن يواكيم لم يتجاوزعن تبيان فضل آخرين في نهضة المسرح كماري منيب، وعلوية جميل، وأنور وجدي، وعبد السلام النابلسي، وجورج دخول وغيرهم من أصول شامية، وإن اقتصر نشاطهم على التمثيل فقط، كما يمكن ملاحظة أن الفرق الشامية ساهمت جداً في تشجيع ظهور النساء على المسارح بين القاهرة والإسكندرية، وكان لها فضل السبق بإزاحة الفرق الأوروبية عن المشهد المسرحي في مصر مع ما نتج عن ذلك من تحفيز حضور الجمهور المسرحي واتساع قاعدته. ولا يفوتنا تسجيل تحولات العروض في اتجاه الموسيقى والغناء تحريّاً لديمومة النجاح مع دخول العبقري سيد درويش على خط التلحين ثم كامل الخلعي وداود حسني وزكريا أحمد ومحمد القصبجي، كما أقام الكتاب مقارنات بين الكوميديات والتراجيديات مما كان يعرض في الليلة نفسها على مسارح القاهرة، حيث يكثر الجمهور في الأولى، ويقل في الثانية، حبّاً بالضحك، وحيث كانت الكوميديات راقية لا إسفاف فيها ولا ابتذال وتأخذ في الحسبان حضور العنصر النسوي الذي كان يحجم عن حضور موضوعات غير لائقة بالنساء. أما ما يجب التنويه به فهو ما قدمته السلطات في تلك المرحلة لصانعي المسرح كافة دون تمييز؛ فقد دعم الخديوي إسماعيل معظم أهل الشام الذين لجأوا إلى مصر مادياً ومعنوياً بدءا بسليم النقاش، وسدّد ديون بعض الفرق كي تستمر بعروضها كفرقة القرداحي الذي كان يخسر أحيانا، وكان يسمح بفتح دار الأوبرا الشهيرة التي بناها عام 1869 في القاهرة لمن يشاء من الفرق المسرحية المُعتبَرَة، كما كان الخديوي توفيق يحضر مسرحيات إسكندر فرح على مسرح زيزينيا الإسكندراني، أما الخديوي عباس حلمي فقدّم منحة تعليمية على ست سنوات لجورج أبيض، ليدرس المسرح الحديث في باريس، حيث حصّل شهادته عام 1910، وأسّس إسكندر فرح مسرحاً بطراز أوروبي عام 1899 بدعم من شخصيات حكومية بارزة، عطفاً على ما لعبته الصحافة كمنابر ثقافية حكومية من دور شديد التأثير في تنشيط الذوق المسرحي وأهمية فن المسرح عامة، إلى غير ذلك من أشكال الدعم للمسرح المصري، الذي هو عملياً المسرح العربي آنذاك في ظلّ تأخّر دخول «أبو الفنون» إلى الدول العربية الأخرى سنوات طويلة بعد ذلك.
لقد حرصَ فارس يواكيم بعين الأكاديمي على قرن الكلام بالشواهد، مدوزناً الرسم في بورتريهات من نهضوا بالمسرح العربي بعمق وواقعية، وبِلُغة شفيفة وترية اللفظ بليغة الوقع والوضوح، على هامش «الولادة في بلاد الشام، والنهضة في مصر» وبما يمكن عده تكريماً بحد ذاته وإعادة إحياء للمنجز السيرذاتي لأولئك الرواد وليس مروراً عابراً فحسب على ما استقر من منجزاتهم في الذاكرة المسرحية.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية