الرباط ـ «القدس العربي»: منذ أول رصاصة أطلقها الجيش الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة، ومع أولى أفواج الشهداء الذين انتشرت صورهم وهم يسبحون في دمائهم وبعضهم تمزق إلى أشلاء، اتخذ المغرب موقفا واضحا من الأحداث ولم يتأخر عن دعم القضية والدعوة إلى إيجاد حل ينهي المعاناة ويوقف آلة القتل ويعيد الأمل إلى سكته، من أجل إنصاف شعب يريد الحرية والكرامة وحقه في الوجود بدولة مستقلة.
فمن جهة، هناك الرأي العام المتعاطف على الدوام مع أشقائه الفلسطينيين، إذ تحولت منصات التواصل الاجتماعي لدى الكثير من المغاربة إلى فضاء للتعبير عن تضامنهم المطلق مع الشعب الفلسطيني، وبحقه في الحرية والحياة والعيش في كنف دولة مستقلة. ومن جهة ثانية، توالت بيانات وزارة الخارجية التي تمثل موقف الدولة المغربية، حاملة في طياتها دلالات قوية، خاصة في ظل سقوط مدنيين وتواصل استهداف العزل بالرصاص والقنابل والصواريخ.
الانشغال الرسمي، ملكًا وحكومةً، بالقضية الفلسطينية ليس وليد اليوم ولا وليد الحرب الحالية لإسرائيل على غزة، بل هو متأصل منذ سنوات طويلة، فالمغرب حاضر في الصفوف الأمامية لمناصرة القضية، خاصة وأن العاهل محمد السادس يرأس «لجنة القدس» والدعم الذي تقدمه «وكالة بيت مال القدس الشريف» موصول ومستمر منذ بداية نشاطها سنة 1998.
ويوم الخميس المنصرم، جرى في مستشفى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في القدس تسلّم المساعدة الإنسانية العاجلة التي أرسلها المغرب إلى الفلسطينيين عن طريق وكالة بيت مال القدس الشريف.
المساعدات التي تشمل كميات مهمة من الإعانات الغذائية والمستلزمات الطبية، خُصصت للمؤسسات الاستشفائية والاجتماعية الرئيسية التي تتكفل بحالات الطوارئ الصحية والاجتماعية، الناجمة عن تطورات الأوضاع في قطاع غزة.
وكانت طائرتان عسكريتان مغربيتان محملتان بمساعدات إنسانية عاجلة لفائدة الفلسطينيين قد وصلتا يوم الأربعاء المنصرم إلى مطار العريش بجمهورية مصر العربية، وجرى تسليم حمولتهما للهلال الأحمر المصري، لإدخالها إلى قطاع غزة. وتشمل المساعدات كميات مهمة من المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والمياه.
وكان المغرب، من خلال وزارة خارجيته، قد دعا إلى اجتماع طارئ لمسؤولي الدبلوماسية العرب في القاهرة، وهو ما حصل فعلا. كما أن السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، أوضح في كلمة أمام مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء المنصرم، أن الرباط تظل مستعدة للتنسيق مع كافة الشركاء للمساهمة في أي جهود دولية تفضي إلى إنهاء الوضع الحالي في الشرق الأوسط. وأكد على ضرورة حماية كل المدنيين، وأدان كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني، مشددا على دعمِ ثباتِ الشعب الفلسطيني على أرضه، والتحذير من أي محاولات لتهجيره خارجها. وتبقى صورة السفير المغربي المذكور وهو يقف سندا لزميله ممثل دولة فلسطين في الأمم المتحدة، ومعهم سفراء بعض الدول العربية خير تعبير عن أنّ ما سقته دماء الانتماء لا يمكن أن يجف في صحراء السياسة.
سياسيا، لم تتأخر الأحزاب المغربية عن إعلان مواقفها مما يقع من قتل للفلسطينيين في غزة، وكان حزب «التقدم والاشتراكية» قد خصص فعالياته الأخيرة لنصرة القضية الفلسطينية سواء عبر بيانات قوية تدين إسرائيل، أو عبر مشاركة قيادييه في مسيرات تضامنية جابت العاصمة الرباط، أو على الصعيد الشخصي من خلال تدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي لقياديين في الحزب اليساري.
حزب آخر سار على الدرب نفسه، ويتعلق الأمر بحزب «العدالة والتنمية» الذي عبّر عن الفخر والاعتزاز بما قامت به «المقاومة الفلسطينية» وأكدت أمانته العامة، أنها تتابع «باعتزاز بالغ التطورات التي تشهدها أرض فلسطين» واصفة «طوفان الأقصى» بـ «العملية البطولية» التي هي «ردة فعل طبيعية ومشروعة على الانتهاكات اليومية». كما طالبت الأمانة العامة للحزب الإسلامي بإعلان رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي شخصا غير مرغوب فيه في المغرب، بسبب تهجمه على المقاومة الفلسطينية. ووجه الأمين العام للحزب نفسه، عبد الإله بن كيران، الدعوة إلى مقاطعة منتجات شركات غربية تقدّم مساعدات لجيش الاحتلال الإسرائيلي.
حزب الاتحاد الاشتراكي كان حاضرا أيضا، من خلال تصريح أدلى به لـ «القدس العربي» عبد الرحيم شهيد، رئيس فريقه النيابي في مجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان المغربي) وفيه عبّر عن إدانته الشديدة للعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني المحتل، وأكد أن من يتحمل المسؤولية أولا وأخيرا في هذه الحرب هي حكومة الاحتلال المتطرفة، مؤكدا أنه لا يمكن للمرء إلا أن يشجب الطريقة المتواطئة التي يتعامل بها المجتمع الدولي الغربي مع هذه الحرب التي تعتبر جل فصولها جرائم ضد الإنسانية، ذلك أن هذا التواطؤ لن يزيد الأمر إلا احتقانا، ولن يدفع إلا في اتجاه التصعيد، ولن يؤدي إلا إلى تمادي الكيان الإسرائيلي في جرائمه المرفوضة إنسانيا وأخلاقيا.
أحزاب أخرى وحّدها التضامن مع فلسطين، وكل اختار صيغة التعبير عن ذلك؛ لكنها تظل وفية للموقف المغربي الموحد والثابت في نصرة قضية، يعتبرها المغاربة قضية وطنية.
نبض موحد
المغرب الشعبي حضوره مبهر كالعادة، فقد كانت العاصمة الرباط مسرحا لإحدى أكبر المسيرات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، وكانت بحق مسيرة حاشدة، لم تضاهيها سوى مسيرة أخرى شهدتها عاصمة النخيل مدينة مراكش، ولم تخلف مدن أخرى الوعد وكانت في الموعد عبر مسيرات أخرى وكلها رفعت العلم الفلسطيني إلى جانب العلم المغربي ورددت هتافات وشعارات كلها نبض لفلسطين الأبية ولشعبها الصامد.
على أرض الواقع، كان الدعم جليا والنبض صادقا كما العادة، وفي الشوارع الرقمية لمنصات التواصل الاجتماعي، كان هناك تضامن بصيغ متعددة ولكل فئات المجتمع المغربي بعموم المواطنين وبنجومه في مختلف المجالات الفنية والرياضية والثقافية وغيرها، وعبر صور ومقاطع فيديو مؤلمة، أو عبر أيقونة للعلم الفلسطيني أو صورة لامعة ومشرقة لقبة الصخرة بالمسجد الأقصى.
على مستوى مواقف المجتمع المدني، علمت «القدس العربي» أن «اللجنة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني» (منظمة دولية مستقلة منبثقة عن منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية) طالبت المجتمع الدولي بـ «التحرك الفوري لوقف إطلاق النار من أجل إدخال المساعدات الطبية والغذائية العاجلة لمنع كارثة إنسانية كبيرة ومنع التهجير القسري للشعب الفلسطيني خارج بلاده». ولم تتوان «الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني» من جهتها، عن التعبير عن دعمها الكامل المطلق للشعب الفلسطيني، وإدانتها الشديدة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، معبرة «عن تضامن الشعب المغربي مع الشعب الفلسطيني» في ظل «التطورات الخطيرة التي تعرفها القضية الفلسطينية. كما أن جمعية ترانسبرانسي المغرب اتخذت خطوة تضامنية مختلفة، وتمثلت في مقاطعة تمويل الإدارة الأمريكية، بسبب دعمها وغير المشروط للكيان الصهيوني عسكرياً ومالياً وسياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا.