لندن ـ «القدس العربي»: كشف العدوان الإسرائيلي على غزة منذ إطلاق المقاومة الفلسطينية عملية «طوفان القدس» في 7 تشرين الأول/أكتوبر عن تبدلات في مواقف دول جنوب آسيا حيال القضية الفلسطينية على مر السنوات الماضية. موقف الهند، بقيادة رئيس وزرائها ناريندا مودي، وحزبه باهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي، الداعم لإسرائيل مفهوم وإن لم تكن درجته متوقعة، في ظل ازدياد وتيرة التطبيع مع إسرائيل في السنوات الأخيرة. أما موقف باكستان «الحذر» والذي لا يتوافق مع مواقفها الشديدة حيال الاحتلال في الماضي، جاء مفاجئا ويدفع نحو تكهنات حيال نوايا إسلام آباد بالتطبيع مع إسرائيل في ظل تقاربها مع الغرب بعد الإطاحة برئيس وزرائها السابق عمران خان عام 2022.
أثار مودي دهشة بعض المحللين بتغريدته على موقع «إكس» حول عملية «طوفان الأقصى» حيث قال: «إنني مصدوم من أخبار الهجمات الإرهابية في إسرائيل. نحن متضامنون مع إسرائيل في هذه الساعة الصعبة». ففي حين أفضت فترة مودي الثانية في السلطة (منذ 2019) عن ازدياد وتيرة التقارب بين الهند وإسرائيل، لم يكن قد تشكف مستوى التقارب حتى الآن.
وفي السنوات الماضية، باتت الهند ترى إسرائيل كمكون أساسي لتحالفها مع الغرب ضد الهيمنة الصينية، هذا إلى جانب تراجع مخاوف الهند من ردة فعل الدول العربية وإيران، خاصة بعد سلك بعض دول الخليج مسار التطبيع، وتراجع محورية العلاقات بين نيودلهي وطهران من منظور مودي، مع تقارب الأخيرة المتزايد من الصين منذ 2016 حين انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي الإيراني وأعادت فرض العقوبات عليها. وإلى جانب موقف مودي الداعم لإسرائيل بعد «طوفان القدس» امتنعت الهند عن التصويت على مشروع القرار العربي بشأن حرب إسرائيل على غزة، والذي دعا إلى هدنة إنسانية فورية دائمة ومستدامة تفضي إلى وقف الأعمال العدائية، وتوفير السلع والخدمات الأساسية للمدنيين في شتى أنحاء القطاع فوراً وبدون عوائق.
كما أنه نقلت وسائل إعلامية، سماح الهند، التي كانت أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، بتنظيم تظاهرات داعمة لإسرائيل تضمنت هتافات كـ»تسقط فلسطين، تسقط حماس» إلا أنها شددت الرقابة على مواطنيها الداعمين لفلسطين، إذ نقلت وسائل إعلام قيام الشرطة في منطقة هاميربور في ولاية أوتار براديش الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الهند، عن عالمين مسلمين هما عاطف تشودري وسهيل أنصاري كانا قدوضعا صورة على تطبيق واتساب تقول «أقف مع فلسطين». وهذا واتهم الرجلان بـ«إثارة العداء بين الفئات الاجتماعية». وقالت الشرطة إن أنصاري رهن الاعتقال بينما لا يزال تشودري هاربا. وفي الولاية نفسها، التي يحكمها حزب مودي، اعتقلت الشرطة أربعة طلاب من جامعة «عليكرة الإسلامية» بعد أن شاركوا في مسيرة مؤيدة لفلسطين في الحرم الجامعي. أما باكستان التي ما زالت تلتزم برفض التطبيع مع الاحتلال، اتسم موقفها بشيء من الحذر غير الاعتيادي، ففي حين ألقت دول مثل إندونيسيا وماليزيا اللوم بشكل واضح على السياسة الإسرائيلية، إلا أن باكستان اتبعت حتى الآن نهجا أكثر ليونة.
وفي موقفه الأول بعد عملية «طوفان القدس» قال رئيس الوزراء الباكستاني في الحكومة الانتقالية، أنور الحق كاكارو على موقع إكس، إنه «مفطور القلب» بسبب أعمال العنف. وتابع: «إننا نحث على ضبط النفس وحماية المدنيين. إن السلام الدائم في الشرق الأوسط يكمن في حل الدولتين مع قيام دولة فلسطينية ذات السيادة». في المقابل، قال رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، على سبيل المثال: «مصادرة أراضي وممتلكات الشعب الفلسطيني تتم بلا هوادة من قبل الصهاينة. ونتيجة لهذا الظلم، لقد تم التضحية بمئات الأرواح البريئة».
أما وزارة الخارجية الباكستانية فأصدت بيان، قالت فيه: «إننا نراقب عن كثب الوضع الذي يتكشف في الشرق الأوسط واندلاع الأعمال العدائية بين إسرائيل والفلسطينيين. ونحن نشعر بالقلق إزاء التكلفة البشرية للوضع المتصاعد». وحتى فضل الرحمن، رئيس جمعية علماء الإسلام – الحزب السياسي الإسلامي الرئيسي في باكستان – فطلب من الفلسطينيين احترام حقوق الإنسان، وهو أمر غير مسبوق، لأن القادة الإسلاميين في باكستان معروفون بموقفهم القوي المؤيد للفلسطينيين. وقد يأتي هذا الحذر من قبل الحكومة في باكستان بإطار جهودها المتزايدة للتقارب من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ الإطاحة بعمران خان، لأسباب اقتصادية بشكل أساسي، إذ يعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أهم وجهات التصدير للمنتجات الباكستانية والمصدران الرئيسيان للدعم المالي. ودفع الحذر الباكستاني بإدانة إسرائيل إلى تكهنات حول نوايا تطبيعية إلا أنه صرح وزير الخارجية الباكستاني المؤقت للصحافة أن بلاده لن «تلتحق بالدول الأخرى» ولن تطبع مع إسرائيل. كما قال جليل عباس جيلاني بأن تقرير المصير للشعب الفلسطيني لا يقل أهمية بالنسبة لباكستان عن قضية كشمير.