عندما بدت إسلام اباد تتجه إلى المشاركة في العمليات الحربية التي تقودها الرياض في اليمن ازدهر «التفسير الماليّ البحت» لهذه المشاركة المُزمَعة.
وعندما اختار البرلمان الباكستاني الذي تشكّل أكثريته الحكومة النأي ببلاده عن التدخّل العسكري، راجَ «التفسير الاقتصادوي» لهذا الامتناع.
في الحالة الأولى، عينُ باكستان على «البترودولار». في الحالة الثانية، عينُها على أنابيب الغاز القادمة من إيران. تحتار وتحيّرنا! يا له من تبسيط مملّ. ابتذال للنظرة، في الحالتين، إلى الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.
لا يعني هذا أنّ الدوافع الاقتصادية والمالية هامشية في سياسة باكستان تجاه بلدان الشرق الأوسط وأزماته. لكن، لا العلاقات الباكستانية السعودية ارتُجِلَت فجأة، في أعقاب «عاصفة الحزم»، ولا إسلام اباد كانت في غفلة عن حدودها الطويلة مع إيران، إلى ان ذكّرها بذلك محمد جواد ظريف في زيارته الأخيرة.
أولاً هذه ليست أوّل مرة يطرح فيها مشاركة باكستان في القتال إلى جانب السعودية. كما يذكرّنا ايشان ثارور في مقاله الأخير بـ«واشنطن بوست»، عن الباع الطويل للباكستانيين في القتال إلى جانب السعودية، سبق لسلاح الجو الباكستاني أن شارك على الجبهة اليمنية أيضاً عام 1969، لصدّ قوات «اليمن الجنوبي».
ثانياً، باكستان دولة لا يمكن لها أن تنسى لحظة أنّ الهند شرقها، وإيران غربها، فاذا كان يمكن أن يقال عن شيء أنه «بديهي» في الجغرافيا السياسية، فهو أن تتجه إسلام اباد لعلاقة ايجابية مع إيران، وهي ايجابية ليس لأنها لم تعرف توترات، بل من نجاحها في معالجة هذه التوترات بشكل سريع نسبياً وبمصارحة نفعية.
في العامين الماضيين، وبعد العراقيل التي فرضت تجميد مشروع مد خط أنابيب الغاز، اتسمت العلاقات بين حكومة شريف وإيران بنوع من البرودة، وترجمت أحياناً «سخونة حدودية»، على جبهة تسلل جماعة «جيش العدل» البلوشية إلى إيران، وتصاعد التحذير الإيراني من تجاوز الحدود للاقتصاص منها، لكن العلاقة حافظت على ايجابيتها الأساسية، حيث يشترك البلدان في الترقّب الحذر لمسار الأمور في أفغانستان بعد انسحاب الأمريكيين، ناهيك عن كل ممكنات التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي.
وتذكرنا المؤرخة المرجع لتاريخ باكستان عائشة جلال في كتابها الصادر العام الماضي «الصراع من أجل باكستان»، بأنّ اتجاه واشنطن نحو شراكة استراتيجية مع الهند، يدفع باكستان قدماً نحو تطوير علاقتها بجارتها الغربية إيران، وتحييد «الاختلاف السني الشيعي» قدر الامكان عن أساسيات هذه العلاقة.
وصحيح أنّ تقوية العلاقات الباكستانية الخليجية هي من جملة ما يميّز حزب الرابطة المسلمة، بجناحه الحاكم المعروف بحرف «النون» نسبة إلى نواز شريف، عن معارضيه، الا أنّ باكستان ككل تجتاز مرحلة جديدة بعد انتخابات ايار 2013 التشريعية، وهي كانت اول انتخابات يتأمّن فيها انتقال ديمقراطي سلمي للسلطة بموجبها، من أكثرية سابقة إلى أكثرية لاحقة، دون أزمة دستورية أو انقلاب عسكري. وكان من اللافت بعد ذلك بشهرين، أن نواز شريف انضم إلى موقف رجب طيب اردوغان الشاجب لانقلاب العسكر في مصر على الرئيس محمد مرسي، بخلاف الموقف السعودي. فاذا كانت الرياض قد استقبلت شريف بعد الاطاحة العسكرية به عام 1999 على يد برويز مشرّف، الا انّ الاحزاب السياسية الباكستانية باتت تجتمع على «حساسية مشتركة» من العسكر، كما ان التاريخ الباكستاني، بالاستفادة من عائشة جلال أيضاً، لم يشهد ثنائية تناحرية محتدمة ومستديمة بين العسكر والإسلاميين، بل علاقة اكثر التباساً وازدواجية، وليس ما يقارن بالنموذجين المصري او التركي. أيضاً تلفت جلال عنايتنا إلى انّه لم يستطع عسكري واحد ان يحكم إسلام اباد لاكثر من احد عشر عاماً – في اشارة إلى الجنرال ضياء الحق ـ وهذا لا يقارن مع الحكم العسكري المديد في بعض البلدان العربية.
باكستان اليوم ليست الدولة النووية الإسلامية الوحيدة، بل تتجه لأن تكون، اذا ما تأكّد المسار التداولي المدني الحالي، ثاني أكبر ديمقراطية إسلامية بعد اندونيسيا، مثلما هي ثاني اكبر تجمع للمسلمين في العالم بعد اندونيسيا – هذا في وقت تتواصل فيه ثرثرة المثقفين الليبراليين والعلمانيين عندنا عن «التناقض بين الإسلام والديموقراطية».
وباكستان لا تُقرأ كـ»كمالة عدد» للصراع السني الشيعي بالشكل الذي يقدّم نفسه في المشرق العربي اليوم. ليس فقط لأنّ بها أكثر من ثلاثين مليون شيعي – لهم ما يوازيهم في الهند أيضاً، أو لأنّ مؤسس الدولة نفسه شيعي – محمد علي جناح، اسماعيلي بالولادة، واثني عشري بالاعتناق – بل لأنّ الهجمات الطائفية الدامية التي تستهدف الشيعة داخلها تنتمي إلى خارطة مذهبية أكثر تعقيداً. فهذه الهجمات ليست بأقل من الهجمات الدامية لـ»الديوبانديين» ضد «الباريلويين»، وأحياناً بالعكس.
فمعنى أن تقول عن نفسك «سنّيا» يختلف دلالياً في باكستان. المنظمة التي تطلق على نفسها «سنّي تحريك» أو تلك التي تسمّى «دعوة الإسلام» ليست موجّهة ضد الشيعة، بقدر ما انها موجّهة ضد «الديوبانديين» باسم «الباريلويون».
الباريلويون هم الذين يطلقون على أنفسهم «أهل السنّة والجماعة» في الباكستان والهند، وهم أكثرية المسلمين الساحقة في شبه القارة، ونسبتهم إلى أحمد رضا خان باريلوي (1856 -1921)، وهم على المذهب الماتريدي في الكلام، والحنفي في الفقه، وتنتشر بهم الطرق الجشتية والقادرية وغيرها، ويزورون الأولياء ويعتمدون موسيقى القوالي في تصوفهم.
أن تقول عن نفسك «سنّيا» في باكستان، يعني انك «باريلوي» في مواجهة «الديوباندية» و»أهل الحديث» أكثر مما هو بازاء الشيعة. وكان مؤسس الباريلوية سباقاً إلى تكفير أهل الديوباندية.
أما الجماعة السلفية «الديوباندية»، نسبة إلى دار العلوم بديوباند الواقعة في الهند بعد التقسيم، والتي توصف أحياناً بـ«الوهابية» – وقد تأثّرت طبعاً بالأخيرة، فانه معركتها مع «التشيّع» لم تنسها يوماً معركتها الدامية مع من يقدّمون أنفسهم ليس فقط على أنّهم «أكثرية السنّة» بل على أنّهم «هم وحدهم السنّة» في باكستان، أي الأكثرية الباريلوية، التي وان بقيت كذلك ديموغرافياً، لكنها لم تعد كذلك من جهة مساحة المساجد والمعاهد الدينية التي تخضع لها.
هذا مع الاستدراك بأن الديوبانديين أنفسهم ليسوا «وهابيين» فعلاً، اذ هم على المذهب الحنفي في آخر النهار، وللصوفية ركن فيهم، وان كانت مشذّبة من كل ما اعتبره شاه ولي الله الدهلوي بدعاً شركية. فأغلبية «السلفيين» الديوبانديين في باكستان تندرج في طرق صوفية، بل أغلبيتهم ينتمون إلى الطريقة النقشبندية صوفياً.
القسمة بين «سنّي وغير سنّي» تعني أولاً في باكستان القسمة بين أكثرية باريلوية وأقلية ديوباندية. ان يكون كل من الباريلويين والديوبانديين «سنّة» بالنسبة إلى «المشاهد العربي» فهذا لن يبدّل في الحال كثيراً. لا يخضع واقع لمشاهد من بعيد مهما قوي تأثيره.
هذا، مع التفصيل بأنّه اذا كان يسري وصف «الديوباندية» بـ«الوهابية» فهذا على سبيل المبالغة لا أكثر. الأقرب إلى الوهابية في شبه القارة الهندية هم جماعة «أهل الحديث»، نسبة إلى مطلقها سيد نزير حسين «شيخ الكل في الكل» كما كان يوصف، وهذه هي الجماعة التي أخذت تحظى بالدعم المالي عربياً بسخاء أكثر مما تلقاه الديوبانديون، وقد تأثر روادها أوّل ما تأثروا بمدرسة الشيخ الشوكاني الخارجة أساساً.. من رحم احد تفرّعات المذهب الزيدي في الهضبة اليمنية.
وهناك أخيراً وليس آخراً، «الجماعة الإسلامية» الباكستانية، التي أسسها أبو الاعلى المودودي، وتختلف عن كل ما تقدّم من جماعات دينية، وتعتبر بمثابة فرع للتنظيم الدولي للاخوان المسلمين في باكستان، وتتحدّث عن ستة ملايين عضو فيها، غير المناصرين.
بهذا المعنى، «المخرطة الإيرانية / العربية» عن «السنّة والشيعة» على صعيد كوكب الأرض، لا تلائم النظرة الواقعية إلى المجتمع الباكستاني، ليس فقط لجهلها بدور الشيعة في تشكيل باكستان ـ في حين ظلّت الديوباندية مثلاً ترفض تقسيم شبه القارة وقيام باكستان، بل لاختزالها هذا المجتمع إلى ما يصلنا من هجمات يشنّها تنظيم «جيش الصحابة» على الشيعة، في حين «ننحي جانباً» هجمات «جيش الصحابة» الديوباندية، و«عسكر طيبة» الحديثية، على مساجد تخصّ الأكثرية «السنّية» أي، في باكستان، الباريلويون.
والحال ان ما يجمع تعقيدات الواقعين الباكستاني واليمني اليوم هو هذا: مسخ ثنائية «زيود وشوافع» في اليمن، أو سداسية «باريلوية وديوباندية وأهل حديث واخوان مودوديين وشيعة امامية وشيعة سبعية» في باكستان، إلى ثنائية «سنّية شيعية» كوزميّة، سرمديّة، أينَ منها «أصحاب الإثنين» ومن كان على مذهب «ماني».
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة