بين غسان كنفاني وسامي ميخائيل

حجم الخط
1

قادتني مصادفة بحثية إلى قراءة تقرير، نشره موقع فلسطيني يدعى «ونلتقي»، حول تكريم سامي ميخائيل، الأديب الإسرائيلي من أصل عراقي؛ في مناسبة صدور روايته الجديدة، «ماسة من القفر». ومن المعروف أنّ ميخائيل ولد في بغداد سنة 1926، لكنه اضطر إلى مغادرة العراق وهو في سنّ العشرين، بسبب انتمائه إلى الحزب الشيوعي العراقي، فأقام بعض الوقت في إيران، ثمّ اختار الهجرة إلى إسرائيل. وهو يترأس، اليوم، جمعية تُعنى بالحقوق المدنية؛ وله مواقف مشهودة في تأييد الحقوق الفلسطينة، والنأي عن الصهيونية («أنا غير صهيوني من الناحية الإيديولوجية، لكني غير معاد للصهيونية عاطفياً»، يقول ميخائيل في حوار مع روبيك روزنتال، والترجمة للكاتب الفلسطيني نبيل عودة)، وانتقاد السياسات الإسرائيلية العنصرية تجاه اليهود الشرقيين. له روايات عديدة، ومسرحيات ومقالات، بالعبرية غالباً؛ وقد ترجم إلى هذه اللغة عدداً من الأعمال العربية، لعلّ أبرزها ثلاثية نجيب محفوظ.
في سياق الاحتفاء، الذي استضافه «بيت أفي حاي» في القدس الغربية، يقول الناقد الفلسطيني أنطوان شلحت أنه تعرّف على ميخائيل «بصورة أعمق» من خلال الرواية التي جاءت تكملة لرواية غسان كنفاني «عائد الى حيفا»؛ إلا أنّ التقرير لا يشير إلى ردّ فعل ميخائيل على هذه القراءة، الأمر الذي أعادني إلى سجال سابق حول الموضوع ذاته، أعود إليه هنا لأهمية خلاصاته. ففي حوار مطوّل نشرته المجلة الأسبوعية الملحقة بصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، سنة 2005، يقول ميخائيل التالي عن رواية الكاتب والمناضل الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني (1936ـ 1972): «القصّة ليست ذات سويّة عالية، والكاتب إميل حبيبي لم يكنّ يحبّها كذلك. قبلتُ حكم حبيبي، ولعلّه كان نابعاً من حسد الكتّاب لبعضهم، رغم أنّ حبيبي لم يكن معروفاً ككاتب حين صدرت ‘عائد إلى حيفا’. الباحث ساسون سوميخ كتب بدوره نقداً سلبياً عن الرواية آنذاك. أنا لا أحكي قصة كنفاني، ولهذا لم أشعر أنّ عليّ تسجيل أيّ دَيْن له في عنقي، ويكفي أنني أشير إلى الأمر في المقابلات الصحفية»…
الكلام، هذا، جاء ردّاً على سؤال من داليا كاربيل، إذْ كان ميخائيل يستعدّ لطباعة روايته الجديدة «حمائم الطرف الأغرّ» حين علم ناشره بمسألة التماهي مع رواية كنفاني، فقرّر أن يضع في الصفحات الأولى عبارة تفيد أنّ هذا الكتاب «يقيم حواراً مع غسان كنفاني». لكنّ ميخائيل أصرّ على حذف الإشارة هذه، وساق الأسباب أعلاه في تعليل رفضه. فكيف حدث أنّ الناشر هو الذي أنصف كنفاني، وكان حرّياً بهذا الإنصاف أن يأتي من الكاتب الزميل نفسه، خاصة حين لا تكون لديه عقدة عداء أو بغضاء تجاه صاحب الحقّ؟ وقبل هذا، كيف حدث أنّ قرار الناشر جاء بناء على رسالة وصلته من المحاوِرة كاربيل، نفسها؛ كي يأخذ علماً، ولا يُفاجأ، بالعنوان الذي اختارته لحوار ميخائيل: «مع الشكر لغسّان كنفاني»؟
ومن جانب آخر، كيف حدث هذا وميخائيل نفسه لم ينكر «الرابط» بين عمله وعمل كنفاني، كما كتب في رسالة احتجاج إلى «هآرتس» تعقيباً على الحوار: «أنا في المراحل الأخيرة من استكمال رواية جديدة، هي بمثابة تسلسل لرواية ‘عائد إلى حيفا’ للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني»؟ وكيف حدث، إذاً، أنه التقط خيط الحكاية في الرواية، ثمّ أكمله أو نسج على منواله أو استأنف مغزاه… وهو يحمل ذلك الرأي السلبي عن العمل؟ أيدخل تنازع العواطف في باب حسد الكاتب من الكاتب، كما فسّر ميخائيل رأي حبيبي في رواية كنفاني؟ والأهمّ من هذا وذاك، هل تبدّل موقف ميخائيل من الأمر كله، بعد عقد من الزمان؟
لا أملك، شخصياً، إجابة شافية عن أيّ من الأسئلة السابقة، وإنْ كنت أميل إلى استبعاد دافع الحسد (في مثال حبيبي، أيضاً، يتوجّب أن أقول). لم أقرأ رواية ميخائيل للإنصاف، وليس في وسعي استطراداً أن أحكم على طبيعة «الرابط» الذي يجمعها مع رواية كنفاني؛ وكلّ ما أملك الاتكاء عليه هو ما يقوله الرجل نفسه، وما تعرضه كاربيل في الحوار المستفيض. يحقّ لي، مع ذلك، أن أشير إلى أنّ الحكاية في رواية كنفاني ليست من النوع الذي يمكن أن «يقيم حواراً» مع حكاية أخرى، أياً كانت فوارق الحبكة وطرائق الحبك: أيّ «حوار» مع هذه الرواية هو تأثّر بها، أو منازعة معها، على نحو واضح ومباشر…
الأمر الذي لا يقود إلى حكم قيمة مقارن على العملين، أو الكاتبين؛ فليس هذا هو الغرض، غنيّ عن القول.

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية