الأوروبيون والأمريكيون يحمون ويشجعون جريمة الإبادة الجماعية في غزّة ودوس حقوق الإنسان
بيروت ـ «القدس العربي»: «وين العالم.. وين العرب» صرخة يرددها شعب فلسطين منذ تربص ببلادهم المشروع الصهيوني، ممثلاً للاستعمار الأوروبي الذي اختبرته الكثير من الشعوب. إنما واقع غزّة اليوم يختلف تماماً عن الماضي. سكان عراة من أية حماية يعيشون يومياً ابادة جماعية متواصلة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري. فأين نظام العدالة الدولية، وأين اتفاقيات جنيف؟
مع الدكتور عمر نشّابة استاذ في كلية الطب في الجامعة اللبنانية حيث يدّرس إدارة مسرح الجريمة. له عدد من المؤلفات عن السجون، ومسؤول تحرير ملحق «القوس الأسبوعي» هذا الحوار:
○ ثمة جريمة موصوفة مسرحها منذ أكثر من أسبوعين قطاع غزة. هل تحمي العدالة الجنائية حقوقهم؟
• سكان غزّة مليونان و250 ألفاً يعيشون في مساحة 360 كلم مربع، إنه أكبر سجون العالم. للقانون الدولي الصادر عن الأمم المتحدة مهمة حماية البشر أينما كانوا. إنما الولايات المتحدة الأمريكية كانت أول من اتخذ قراراً بحق البعض وصنّفتهم من غير البشر، ونفّذت قرارها في سجن غوانتانمو. اتهمت من سجنتهم بالضلوع بالإرهاب، ونزعت عنهم صفة الإنسانية، وباتوا من غير حقوق، يمكن وضعهم في أقفاص، وهذا ما حدث فعلاً. ولم تعط الولايات المتحدة المعتقلين أي حق بالدفاع عن أنفسهم. ولم تتبع بحقهم الإجراءات القانونية المتعارف عليها. وخرقت اتفاقيات جنيف الخاصة بالقانون الدولي الإنساني. وتجاوزت الأمم المتحدة وكافة الاتفاقات الخاصة بالبشر، وتحديداً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على هذا الحق دون أي شرط آخر. فحتى الإنسان المصنّف عاملاً في الإرهاب له حقوق إنسانية. إنما الكيان الصهيوني ربيب الولايات المتحدة يلتزم بالمعايير الأمريكية، ويرى سكان غزة أشخاصاً دون حقوق، وليسوا صنواً للبشر، ويمكن إبادتهم. فقطع الماء والطعام والدواء عن بشر في مكان مقفل هو عقاب جماعي. لقد حمّل الكيان جميع سكان غزة مسؤولية العملية العسكرية لحماس. حتى وإن كانت لهم مسؤولية، فليس هناك ما يبرر قتلهم ومعاقبتهم على فعل، يعرف الكيان أن حركة حماس نفّذته. ثمة خلل كبير في المفهوم الدولي والقانوني حيث أن الأوروبيين من فرنسيين وألمان وإيطاليين وبريطانيين وأمريكيين يقولون بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. والدفاع عن النفس حق مشروع في ميثاق الأمم المتحدة.
○ ولماذا هو حق فقط للصهاينة؟
• بل يجب أن يتساوى فيه الفلسطينيون والإسرائيليون. الدفاع عن النفس يكون ضد الجهة المعتدية، وهم سموا المعتدي بأنه حماس، فلماذا لا يصار للرد عليها؟ والرد على الأطفال وضرب الأماكن المدنية والمستشفيات ودور العبادة هو جريمة حرب. حتى وإن صحّ قولهم بأن نفقاً عسكرياً يقوم تحت المستشفى، فما من حق بقتل الأطفال المصابين بقصف مسبق، والأطباء والممرضين وكل من يحتمي بالمكان. وتهديد المستشفى هو بمثابة ضربه وجريمة حرب.
○ هل في ذاكرتك ضرب وتهديد مماثل للمستشفيات في أي حرب سابقة؟
• في العدوان على لبنان سنة 1982 لم يتردد العدو في قصف المراكز الطبية. وفي ذاكرتي أن قذيفة سقطت في باحة مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت. وجميعنا لا تغيب من ذاكرته صورة الاستهداف المباشر لسيارة إسعاف في المنصوري وفيها أطفال. ليس هذا وحسب، بل استهداف مباشر للعائلات وخاصة النساء والأطفال الذين احتموا بمقر قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في الجنوب. مجزرتان حدثتا خلال الحرب التي شنّها العدو على لبنان سنة 1996. ومن يستهدف الأمم المتحدة ألن يستهدف مستشفى فلسطينيا؟
○ أهل غزة يواصلون الصراخ «أين العالم»؟ قارب العدوان نهاية الأسبوع الثالث فعن أي عالم يسألون الطبي؟ الإنساني؟ أم الحقوقي؟
• وهم يسألون أين العالم برأيي يقصدون العالم الذي اتحفنا ليل نهار بالحديث عن حقوق الإنسان. يسألون أين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا؟ وجميعها تتغنى بحقوق الإنسان والحريات، ومؤخراً توسيع دائرة الحريات الفردية. تلك الدول تحرم الفلسطيني حتى حق العيش، وأن يبقى أطفاله بخير. وأن يحصل على الدواء. كافة حكّام أوروبا هرولوا إلى الكيان للمواساة والدعم والقول بحق إسرائيل بالدفاع عن نفسها. إنها فضيحة دولية وخاصة لحكّام أوروبا وقيم حقوق الإنسان والديمقراطية، وقيم احترام البشر. في لحظة تاريخية انكشف الزيف وبانت الحقيقة، بأنهم أصحاب مصالح ضيقة ومحكومون بشركات كبرى. ففي مصر تكرر حديث بأن ما يجري متصل بمخطط إسرائيلي لتدمير غزّة بهدف حفر قناة من ايلات باتجاه غزة. كم هذا صحيح؟ هذا ما ستقوله الأيام. إنما التضامن الأوروبي والأمريكي غير المسبوق مع العدو الإسرائيلي سيكلفهم غالياً جداً. ثقافتنا علّمتنا أن «حبل الكذب قصير». عاجلاً أم آجلاً ستظهر الحقيقة، وعندها ستتلقى الشعوب الأوروبية الصدمة الكبرى. من المعيب جداً لصق مجزرة مستشفى المعمداني بالمقاومة في فلسطين. وجميعهم ما زال مصرّا على أن الصاروخ فلسطيني، حتى كندا ومؤخراً إيطاليا.
○ مجازر الصهاينة عصية على الإحصاء ألن تُطوى مجزرة مستشفى الميداني كما سابقاتها؟
• يمارس الصهيوني فعل القتل العمد براحة، وهو متكئ على الدعم الأمريكي، والأوروبي، والياباني والهندي.
○ ما الفرق بين تعبير قوانين وتفاهمات واتفاقات على الصعيد الدولي والتي تتردد كثيراً خلال الحروب؟
• بالتأكيد نحن حيال مستويات مختلفة. القانون المحلي يختاره الناس ويصوتون عليه. أما القانون الدولي فيكون بمستوى سياسي أعلى. فهو يمثل علاقات دولية ولديه اعتبارات سياسية. وتعريفاً للقانون الدولي فهو يعني اتفاق دول على قانون يحدد سلوكها على المستوى الدولي. وبالتالي يكون الحيز السياسي كبيرا وله تأثير واضح على القوانين الدولية، ويطغى على الاعتبارات الأخرى. الاعتبارات السياسية هي التي تدفع مجمل دول الغرب والولايات المتحدة والهند واليابان لدعم الكيان. الاعتبارات السياسية في مكان أكثر أهمية من الاعتبارات التي كانت سائدة، حين قيل باحترام القانون الدولي الإنساني. بالتأكيد أن جميع الأوروبيين يعرفون الآن أن منطقة مكتظّة كما غزّة أينما ما سقطت القذيفة ستقتل مدنيين. وتالياً الأسلوب العسكري للتعامل مع غزة من قبل الصهاينة ليس له سوى وصف مجزرة وجريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية. وتعبير جريمة حرب لا يكفي.
○ صرخت المستشفيات في غزة لا مقومات للاستمرار، والعمليات تُجرى على الأرض وبدون مخدر. هل من قانون لحق الحصول على الرعاية الطبية؟
• تحدد معاهدات جنيف القوانين والممنوعات في الحروب. فإن استسلم العدو ورفع العلم الأبيض يُمنع قتله. وعلى الصليب الأحمر الدولي مسؤولية التطبيق. صدرت اتفاقيات جنيف سنة 1949 وهي أربع. جنيف الأولى وتختص بحروب البر. والثانية بحروب البحر. والثالثة بأسرى الحرب. وجنيف الرابعة تتناول المناطق تحت الاحتلال. ولكل من هذه المعاهدات ملحقات دخلت حيز التنفيذ ومن بينها احترام الجرحى، وتقول بوقف إطلاق النار حين يُجرح أحدهم. كما تقول تلك الاتفاقيات بحماية شارة كل من الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وكل من يرتدي الروب الأبيض الطبي. ويُمنع استهداف المستشفيات. وتقول بتأمين الأدوية وكافة المستلزمات الطبية والمواد الغذائية، ومياه الشرب للمدنيين. جوهر القانون الدولي الإنساني حماية المدنيين. والصحافيون مدنيون وهذه من أهم الحمايات لهم. إذاً حماية المدنيين تأتي في طليعة مفهوم القانون الدولي خلال الحروب، وكل من يُسلّم سلاحه.
○ إنما في العدوان على غزّة كل ما ذكرته ساقط؟
• إنها الاعتبارات السياسية، وثمة أولويات للدول الداعمة للكيان الصهيوني والتي سبقت تسميتها. يرون مصالحهم مع الكيان أكثر تفوقاً على المصالح المرتبطة بحرصهم على تطبيق القانون الدولي الإنساني. ثمة فضيحة كبرى في هذا الشأن. حرص الغرب على الكيان يتفوق على حرصهم بتطبيق القانون الدولي الإنساني. ويرددون منذ 7 تشرين الأول/اكتوبر حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، مضيفين، لازمة يرون بأعينهم تحطيمها كل دقيقة «لكن يجب احترام القانون الدولي الإنساني». الأوروبيون يكذبون.
○ عاجلاً أم آجلاً كيف سيتصرفون حيال هذه الأبادة الموصوفة؟
• ستفضحهم شعوبهم ومؤسساتهم. سوف يظهر جلياً أن الموقف الأوروبي يضرب بعرض الحائط القوانين الدولية وخاصة القانون الدولي الإنساني.
○ وهل سيحدث ذلك وهناك بشر يتحركون في غزة؟
• ان شاء الله. انه شعب لا يباد. جرت محاولات إبادة كثيرة على الفلسطينيين وفي مراحل مختلفة، جميعها فشلت.
○ كثُر يرددون إننا نوثق الجرائم. لمن نوثق للكتب للتاريخ للمحاكمة؟
• ونحن نوثّق بدورنا وللسجل التاريخي. يجب أن يعلم العالم ماذا حدث وما الذي يحدث، وللناس حق المعرفة. نحن نوثق بالتوقيت وبالصور والفيديوهات ساعة بساعة، كل ما يحدث في فلسطين التاريخية وفي جنوب لبنان. ونبث ما نوثّقه عبر موقع «القوس».
○ وهل سيخدمنا التوثيق بالذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية؟
• لا أمل منها. ولا أمل لنا بمحاكمة أحدهم خاصة مع السلوك الأوروبي والانحياز الواضح للصهاينة. لم يكن اللاعبون العالميون على هذه الشاكلة قبل العدوان على غزة. لعب الأوروبيون دوراً معلنين قدرتهم على تحقيق عملية السلام معتبرين أنهم على مسافة واحدة. كان هذا زيفاً، دائماً الأوروبيون بجانب الصهاينة. الوقاحة الأوروبية والألمانية تحديداً تشجع الصهاينة على عدم احترام القانون الدولي. لهؤلاء الحكام تأثيرهم على المحاكم الدولية وعلى مسار العدالة، لهذا صعب اللجوء إليها. وبرأيي أن الفضائح ستتوالى حول هذا النظام السياسي الأوروبي المنحاز تماماً للصهاينة، وتغطيته لجرائمهم.