القاهرة ـ «القدس العربي»: لم تزل الأحياء الشعبية المصرية الشهيرة مصدراً لا ينضب للفنان التشكيلي، الذي يحاول استلهام روح هذه الأماكن وتجسيدها في عمله الفني. فالبداية تمثلت في رسومات المستشرقين، والعين الأجنبية التي حاولت تجسيد هذه الأحياء وناسها ــ من وجهة نظرها بالطبع ــ حتى جاء الفنان المصري بعدما تمكّن من هذا الفن ليجسد روح هذه الأماكن وفق رؤيته والمدرسة أو الاتجاه الذي يتوافق وأسلوبه، لذا نجد ومنذ أربعينيات القرن الفائت، وربما ما قبلها حاول الفنان البحث عما يحيطه من أماكن وناس وطبيعة، وأن يجد فيها ما يلوذ به من موضوعات تقرّبه من العالم الذي يحياه، بعيداً عن رؤية تغريبية، لا تتوافق في الكثير مما يعيشه بالفعل.
ومن هنا تأتي فكرة الأجيال المختلفة التي تحاول رسم وتجسيد هذا العالم، كل من وجهة نظره، سواء جعل البطولة للمكان، أو للشخصيات، والموسومة بوسم المكان بالطبع، أو الجو العام لهذه الأحياء وما تحتويه من مقامات أولياء الله الصالحين، وبالتالي العيش من خلال طقوس دينية شعبية بالأساس، قد تتوافق أو تختلف في الكثير وطقوس الدين الرسمي، وهنا يكون الفنان قد اقترب أكثر من عالم الناس وما يعيشونه بالفعل، وفي شكل أقرب إلى التوثيق، منه إلى مجرد نقل منظر أو تكوين أو ما شابه إلى سطح اللوحة.
تزامن أن أقيمت عدة معارض بالمصادفة، ولكن كل منها كانت سمته الرئيسة هو الاحتفاء بالحي الشعبي وشخوصه، بداية من جلال العمارة، وصولاً إلى العودة إلى أصول الحياة المصرية في الريف، بعيداً عن الصخب الزائف، وما ضُرب به المجتمع المصري من تيارات، سواء غربية استهلاكية، أو صحراوية تنتهك تاريخه وطقوسه، الذي لا يمتلك غيرهما.
عالم عبد المعبود
في غاليري «ضي» يُقام معرض استعادي للفنان عبد المعبود محمد نجيب (1939 ــ 2016) الشهير بـ «عبد المعبود». ورغم تخصص الفنان في فن الغرافيك، ورسم لوحات تعتمد الدراما والصراع بالأساس، كما في لوحات عصر النهضة، إضافة إلى فن البورتريه، والبراعة في إظهار حالة الشخصية وإحساسها، إلا أن الفنان لم تخل أعماله من عالم الأحياء الشعبية وناسها، هنا نجد البنايات هي الأساس، من بيوت أثرية ومشربيات، ومن هنا تبدو الأحياء العتيقة في مصر، ومن خلالها تتواتر الشخوص، كالباعة الجائلين، والنساء بالملاءات اللف، وجلابيب الرجال، أو أزياء الفلاحات في مثل هذه الأسواق. البطولة للمكان هنا، حيث المساحة التي يحتلها في اللوحة مقارنة بالشخوص، فهو الذي يصوغ علاقات الناس، من مكان شهير أصبح مجالاً للبيع والشراء، أو مكان يمثل الراحة والطمأنينة، وهو ما يبدو في جِلسة رجل مُسن، أو مجموعة من الشرفات والمشربيات تتصدر مبانٍ متجاورة، في حارة ضيقة ملتوية لا نرى نهايتها، وهو ما يتأكد من خلال المنظور الذي يجعل من هذه البنايات تميل أكثر في عمق اللوحة. أما من حيث الألوان، فالألوان المسيطرة تتراوح ما بين الأصفر والطوبي أو الأبيض، وهو لون البنايات، بما أنها تمثل المساحة الأكبر من اللوحة، أما ملابس الشخصيات والأكسسوارات فيسيطر عليها اللون الأزرق. ومهما تصدرت وتعددت الشخوص في مقدمة اللوحة، إلا أن المكان هو الذي صاغها وشكّل وجودها، ومنه نلحظ الفئة الاجتماعية التي جسدها الفنان، بخلاف لوحات الغرافيك أو بعض من لوحات البورتريه.
حداويت سعد زغلول
ويأتي معرض «حداويت» ــ الجمع الصحيح لكلمة حدوتة ــ للفنان سعد زغلول، مواليد عام 1941 والمُقام بغاليري «دروب» ليسجل مشاهد من الريف المصري وطقوسه، الألعاب والاحتفالات والموالد وما شابه من مظاهر حياة الريف، وهي أيضاً تبدو مظاهر بعيدة زمنياً، لم تعد موجودة، أو أنها لو وجدت فعلى استحياء. من هنا ومن خلال تحويرات في الشكل والاختزال الشديد يصوغ زغلول حداويته، وهي حكايات لا تنتهي وتذكّر بالأفلام الأبيض والأسود التي تناولت الحياة في الريف، فنجد الأراجوز في المولد، ولعبة «الطوق» التي يلعبها الصبيان، وكذلك رقص فتاة صغيرة، يتشكّل جسدها وحركة الرقص، لتصبح اللوحة بكاملها عبارة عن حركة دائرية، تتكون من الخلفية ويدي الفتاة المرفوعة في الهواء. الجسد الإنساني هنا لم يكن توثيقاً مباشراً لهذه الطقوس، وإن كان يقترب أكثر من إحساسها بما تفعله، ولتبدو اللوحات أقرب إلى الكاريكاتور، من حيث المبالغة في نِسب تكوينات الأجساد، وبالتبعية حركتها. من ناحية أخرى تبدو موضوعات اللوحات في معظمها تعبيراً عن جو كرنفالي، سواء من خلال المجموعات، كما في الموالد أو الاحتفال بطقس طهارة المولود في يومه السابع، وكذا ألعاب الأطفال، كالطفل وطائرته الورقية، أو الفتاة التي ترقص على راحتها بين رفيقتيها. ومن هذه الحالة المُبهجة لا تخلو لوحة من الحركة، هناك فعل والشخصية غارقة في هذا الفعل أمام المتلقي، وحتى المجموعة التي تطالع ما يحدث، هي بدورها تشارك في هذا الفعل، سواء بالرقص أو الغناء، فالصوت لا ينفصل عن حركة اللوحة، حتى ولو كان صوت الهواء، الذي تحاول بفضله طائرة ورقية الصعود.
حارة جليليو
«في الحارة» هو عنوان المعرض المقام بغاليري «آرت كورنر» للفنان محمد عبد الجليل، مواليد عام 1973 والشهير بـ «جليليو». وتأتي اللوحات لتعبّر عن الحارة المصرية الشعبية، أو الأماكن التي تتاخم الريف. هنا تبدو الحارات من خلال بيوت متهدمة في الغالب أو عشوائية، تحيطها القمامة والكلاب الضالة، أو بعض الحارات الآن، والتي يرتكنها «توكتوك» أو دراجة بخارية. ولكن اللافت في أعمال جليليو أن هناك اختلافات شديدة التباين في اللوحات، فهناك رؤية تعبيرية بها بعض من التأثيرية، وهي اللوحات التي تحمل شحنة عاطفية وتسمو جمالياً بالمكان وناسه، وهنا نجد خشونة السطح واستخدام السكين أو الفرشاة مع اللون في شكله وتكوينه الخام، وهو ما يعطي للوحة انطباعاً وإحساساً بالموضوع، ثم ومن ناحية أخرى نجد بعض اللوحات وكأنها رسومات أشبه بالكارت بوستال، حيث المكان والشخوص البلاستيكية خالية الروح والتفاصيل، وكأنها صورة فوتوغرافية تم نقلها بالفرشاة، فقط. تكوين وعلاقة ما بين مقدمة اللوحة وخلفيتها، ناهيك عن رسم الشخوص، والتي في أغلبها لا تتناسب وحِرفية تصوير المكان وتفاصيله. فالفنان رغم تباين الأسلوب والمستوى يجيد تجسيد الأماكن، بغض النظر عن الشخصيات، والتي تكشف عن فارق كبير مقارنة بأجواء المكان وما يحيطه من طبيعة وجمادات.
وفي الأخير، تكشف مصادفة تزامن المعارض الثلاثة، رغم اختلاف أساليب الفنانين وتكوينهم العلمي والبصري ــ بغض النظر عن التفاوت الجمالي ــ عن اهتمام لم يزل يحتفي بالأجواء الشعبية المصرية، سواء في قرى الريف أو مدينة كبيرة كالقاهرة، بعيداً عن تهويمات أو تغريب الحواة، الذي لابد وأن يكشف تهافت الرؤية ومن قبلها موهبة صاحبها.