مايكل لينك أستاذ فخري في كلية الحقوق في جامعة ويسترن في أونتاريو بكندا بين عامي 1999-2022 حيث درّس مادة قانون العمل وقانون حقوق الإنسان والقانون الدستوري والإداري. شغل منصب عميد كلية الحقوق في الجامعة في الفترة 2008-2016. عينه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقررا خاصا لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 لمدة ست سنوات بين عامي 2016 و 2022. كان يقدم تقاريره السنوية للجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان وفي آخر بياناته التي قدمها للجمعية العامة عام 2022 صنف فيه إسرائيل «دولة تمارس الفصل العنصري أو الأبرتهايد». وقد أصدر كتابا مع اثنين من الذين شغلوا نفس المنصب هما ريتشارد فولك وجون دوغار بعنوان «حماية حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة- العمل من خلال الأمم المتحدة» وصدر عام 2022. دعاه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة لإلقاء محاضرة في يوم الأمم المتحدة 24 تشرين الأول/أكتوبر الماضي بعنوان: الأمم المتحدة والقانون الدولي وفلسطين.
من المهم أن نشير إلى أن منصب المقرر الخاص يعين من قبل مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وهو جهاز حكومي دولي مسؤول عن تعزيز وحماية حقوق الإنسان حول العالم. يكلف المقرر بدراسة أوضاع حقوق الإنسان في بلد ما أو في قضية محددة وتقديم تقارير عنها لمجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة. وهذا المنصب شرفي، فلا يعد المقرر موظفا لدى الأمم المتحدة ولا يتقاضى أجرا عن عمله.
«القدس العربي» التقت مايكل لينك وأجرت معه حوارا وفي ما يأتي نصه.
○ لنبدأ من التقرير الذي قدمته للجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة وقلت فيه إن إسرائيل دولة أبرتهايد؟
• ما قلته بالضبط إن إسرائيل تمارس الأبرتهايد في الأرض الفلسطينية المحتلة وهذه حدود ولايتي فقط الأرض المحتلة، بينما منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وبيتسليم قالت في تقاريها إن إسرائيل تمارس الأبرتهايد من البحر إلى النهر. ما قمت به هو أنني أستندت إلى الاتفاقيتين الدوليتين الرئيسيتين المتعلقتين بالأبرتهايد: الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الأبرتهايد والمعاقبة عليها لعام 1973 ونظام روما الأساسي لعام 1998. هناك خلافات ثانوية حول تعريف الأبرتهايد حيث السؤال الرئيسي: هل هناك نظام لسطيرة مجموعة عرقية على مجموعة عرقية أخرى بطريقة متعمدة تؤدي إلى مجموعة ممارسات غير إنسانية ضد الفئة المضطهدة؟ وأخذت هذه الأبعاد القانونية الثلاثة للتعريف وبحثت عن ممارسات حقيقية لكل منها فوجدت أن هناك شواهد حقيقية لكل بعد من الأبعاد الثلاثة للتعريف في الأرض الفلسطينية المحتلة. لم يكن التوصل إلى تلك النتيجة التي تشير إلى أن إسرائيل تمارس الأبرتهايد صعبا، فهناك أمثلة عديدة لكن المثل الصارخ بشكل واضح هو ما يجري في الضفة الغربية والقدس الشرقية. هناك 300 مستوطنة كلها غير شرعية حسب القانون الدولي، تضم أكثر من 700000 مستوطن يتمتعون بكل الحقوق القانونية والاجتماعية والسياسية كمواطنين إسرائيليين في دولة إسرائيل. من حقهم أن يصوتوا، لديهم حقوق لتلقي الخدمات الاجتماعية، لديهم الحق في محاكمة عادلة وإجراءات قانونية عادلة، سواء التهمة كانت جنائية أو سياسية. كل هذه الحقوق محروم منها الفلسطيني الذي يعيش على بعد كيلومترين أو عشرة كيلومترات في نفس الدائرة الجغرافية.
○ قانونيا الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة أراض محتلة. حسب القانون الدولي هل يحق لمن يقع تحت احتلال أجنبي أن يقاوم هذا الاحتلال؟
• لقد أُقر حق الشعوب في مقاومة الاحتلال عام 1970 عن طريق الجمعية العامة ثم أصبح جزءا من القانون العرفي الدولي. فمن حق الذين يعيشون تحت الاحتلال أو حكم الاستعمار أن يقاوموا. لكن ليس كل أنواع المقاومة قانونيا. فليس معنى أن من حقك أن تمارس شيئا بأي طريقة كانت. فمثلا إذا كان عندك الحق في المقاومة فلا يجوز استخدام البندقية ضد مدني من القوة القائمة على الاحتلال. لكن من حقك أن تمارس العصيان المدني ومن حقك الاحتجاج ومن حقك حمل السلاح إذا كان السلاح سيوجه ضد القوى العسكرية والشرطية للقوة القائمة بالاحتلال.
○ وماذا عن الاستيطان، ألا تعتبر المستوطنات جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية؟
• بكل بساطة الاستيطان جريمة حرب. إقامة مستوطنات غير شرعية تعتبر انتهاكا واضحا للقانون الدولي حسب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وقد تم تمتين تعريف هذه الجريمة وتقنينها أكثر في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقية جنيف الرابعة. واعتبر إقامة المستوطنات «انتهاكا خطيرا» للقانون الدولي والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي تعتبر جرائم حرب. إذن الاستيطان جريمة حرب منذ عام 1977 ثم تم تقوية هذا الجانب القانوني بعد التوقيع على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998. والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أصبح مشمولا في القوانين المحلية للعديد من الدول مثل بلدي كندا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي. وهذه الدول التي ضمت نظام روما الأساسي لقوانيها المحلية تستطيع، إذا أرادت، أن تمارس السيادة الدولية وتعتقل كبار المسؤولين الإسرائيليين السياسيين أو الإداريين المسؤولين عن قرار إنشاء المستوطنات.
○ دعنا نتحدث عن الحرب على غزة الآن. هناك عدة آراء حول هذه الحرب وتصنيفها. هل حرب إبادة أم لا؟ كيف تصنف هذه الحرب من وجهة نظرك كخبير في القانون الدولي؟
• دعنا نبدأ بالمسلمات والبديهيات. ما من شك أن هناك جرائم حرب ترتكب الآن. لا أتردد بأن أقول إن حركة حماس والفصائل الفلسطينية قد تكون ارتكبت جرائم حرب في قتل عدد من المدنيين الإسرائيليين وقصف مقذوفات غير دقيقة لمناطق مأهولة بالسكان وخطف عدد من المدنيين الإسرائيليين كرهائن،
من جهة أخرى، فالقانون الدولي واضح في هذه المسألة: إن ارتكاب طرف من طرفي الصراع لجرائم حرب لا يبرر قيام الطرف الثاني بارتكاب جرائم حرب أفظع. هناك مبدآن أثيرا في الأسابيع الأخيرة: أولا: القصف العشوائي الفظيع لمناطق مأهولة بالسكان المدنيين في كل قطاع غزة. فسواء هناك نية في قتل المدنيين أو القصف العشوائي لمناطق مأهولة بالسكان تعتبران جرائم حرب. لا نستطيع إلا أن نصل إلى نتيجة واضحة من عدد المدنيين الفلسطينيين الذين قتلوا لغاية الآن وهو 6000 ونحن نتكلم، من بينهم أزيد من 2000 طفل ونحو 1900 إمرأة، فإما أن هذا القتل مقصود في ذاته أو أن القصف العشوائي أدى إلى سقوط هذا العدد من القتلى وكلا الأمرين جريمة حرب. وثانيا، إسرائيل ترتكب جريمة حرب عبر العقوبات الجماعية. فحسب القانون الإنساني الدولي ممنوع عليك أن تستخدم «التجويع» كوسيلة لإخضاع عدوك. فالتجويع الجماعي أمر مرفوض في القانون الإنساني الدولي. كذلك ممنوع عليك أثناء الحرب أن تقطع عن الخصم وسائل الحياة الأساسية مثل الكهرباء والمحروقات والماء وتدمير المباني السكنية. كل تلك الجرائم ممنوعة وتقع تحت بند الجرائم الفظيعة حسب القانون الإنساني الدولي. وعلى إسرائيل أن تقف لتجيب عن هذه الجرائم. للأسف لا نرى في الصحافة الغربية ما يشير إلى أن ما تقوم به إسرائيل يجب أن يخضع لمساءلة القانون الدولي بينما يسارعون جميعا في إخضاع ما قامت به حماس لمبادئ القانون الدولي.
○ لقد تأخرت الأمم المتحدة قبل أن تدعو لوقف إطلاق النار. بدأ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يدعو لوقف إطلاق نار إنساني بعد مجزرة مستشفى الأهلي المعمداني يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر. كيف تفسر هذا؟
• هل يمكن أن نقول الضعف السياسي؟ يجب أن ننتبه أن الوكالات الدولية الكبرى لم تدع إلى وقف إطلاق النار في بداية الأحداث ثم بدأت الواحدة بعد الأخرى تطالب إما بوقف إطلاق نار إنساني أو هدنة إنسانية أو وقف إطلاق نار كامل. وهذا التطور تزامن مع انتشار أخبار حجم الضحايا من جهة ومدى الدمار من جهة أخرى. هذا التوجه وصل ذروته بمناشدة غوتيريش لوقف إطلاق نار إنساني وهو يرى الحقائق على الأرض أمامه بعد أن استمع لتقارير منن رؤساء الوكالات الدولية، فلم يبق أمامه إلا الدعوة لوقف إطلاق نار إنساني. هذا من جهة ومن جهة أخرى قال إن هجمات حماس لم تأت من فراغ. وقد تعرض للنقد لأنه أطلق هذا التصريح، وهو محق تماما وكان من الضروري أن يؤكد للصحافة الغربية والرأي العام الغربي بأن هناك تاريخا طويلا لما يجري الآن.
○ محكمة العدل الدولية ستنظر في الشهور المقبلة في مسألة الاحتلال ومدى شرعيته، بعد أن أحالت الجمعية العامة هذه المسألة إلى المحكمة في قرارها يوم 30 كانون الأول/ديسمبر 2022. كيف ترى الأمور سائرة في هذا المجال وأنت ستكون أحد المرافعين في القضية؟ ما هي قراءتك لمستقبل المرافعات؟
• لقد أعلنت محكمة العدل الدولية في بداية هذا الأسبوع أن فترة المرافعات المنبثقة عن قرار الجمعية العامة الذي أحالته للمحكمة لتعطي رأيا قانونيا في مسألة الاحتلال ستبدأ في الأسبوع الذي يبدأ بتاريخ 19 شباط/فيراير 2024. وهذا شيء ممتاز. لقد توقعت أن تبدأ جلسات الاستماع والمرافعات بعد عدة شهور من ذلك التاريخ. لقد اطلعت على المذكرات المرفوعة وعددها 54 مرافعة خطية من دول و3 من منظمات إقليمية. وبدأت المرحلة الثانية من هذه العملية اليوم أي المراجعات. لقد قرأت كل المرافعات المكتوبة التي قدمت للمحكمة. أشعر بالتفاؤل حول قوة الحالة المقدمة للمحكمة. صحيح لا أستطيع أن أتأكد تماما من الرأي الاستشاري القانوني النهائي الذي سيصدر عن المحكمة لكن انطلاقا من قوة البيان الذي قدمته فلسطين ونحو 40 من المرافعات التي تؤيد فلسطين من عدة دول مثل قطر وناميبيا وجنوب أفريقيا وغيرها تستطيع أن تصل إلى نتيجة أن هناك عرضا قانونيا قويا للقضية قيد البحث كما تستطيع أن تحكم على قوة القضية أيضا من المرافعات التي قدمتها الدول غير الصديقة لفلسطين حيث تحاول أن تجادل على أرضية إجرائية أي أن هذا الموضوع سيؤثر على عملية السلام أو أن إسرائيل لم تعط موافقتها على المشاركة في المرافعات وللعلم فقد قدمت إسرائيل مداخلاتها للمحكمة. هذه الاعتراضات لم تعد مقبولة لأن القضية الآن أمام المحكمة بإحالة من الجمعية العامة. والمحكمة عليها أن تجيب عن ثلاثة أسئلة: أولا- هل الاحتلال الإسرائيلي عطّل حق الشعب الفلسطيني في ممارسة حقه في تقرير المصير؟ ثانيا- هل قامت إسرائيل بضم أراض بطريقة غير شرعية؟ ثالثا: هل فرضت إسرائيل بطريقة منهجية نظام تمييز عنصري ضد الفلسطينيين. وإذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة بالإيجاب يأتي السؤال التالي: هل الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية غير قانوني حسب القانون الدولي؟ وإذا كانت الإجابات كلها نعم يأتي السؤال الأخير: ما هي النتائح القانونية المترتبة على هذا الرأي القانوني الذي سيقع على عاتق إسرائيل والمجتمع الدولي والأمم المتحدة وكل الدول الأعضاء؟ إذا كانت الإجابات كلها نعم أو غالبيتها نعم هذا سيساعد الفلسطينيين في تحقيق ما يصبون إليه ويسعون إلى تحقيقه. دعني أقول في النهاية إن القانون الدولي لن يحرر فلسطين لوحده ولكن القانون الدولي إضافة إلى صلابة المجتمع الدولي ووضوح الهدف سيساهم في تحرير الأرض المحتلة. بالتأكيد سيكون قرارا صحيحا ويمكن بناء عليه تعبئة أطياف المجتمع المدني في العالم للضغط على حكوماتهم لتتقبل الرأي القانوني الصادر عن أعلى هئية قضائية في العالم.