ذكرتنا الباحثة والكاتبة العراقية فاطمة المحسن، في تدوينة لافتة لها، ونحن جميعا نعيش «جحيم غزة» بصورة الطفلة الفيتنامية كان كيم فوك فان ثي. كانت في التاسعة من عمرها، عندما أسقطت قنابل النابالم على قريتها في 8 أغسطس/آب 1972، وعلى مدنيين لاذوا بالمعبد البوذي.
حدث ذلك منذ أكثر من نصف قرن بقليل، وتصدرت الصورة المروعة وقتها وسائل الإعلام العالمية مكتوبة ومرئية.. كانت الصبية تركض عارية، وهي تصرخ من هول الفاجعة، والنيران تشتعل فيها؛ وقد تحولت ملابسها إلى رماد. وفي حوار مؤثر أجري معها منذ بضع سنوات، تقول الصبية التي كبرت دون أن تعيش طفولتها: «ليس بميسوري تغيير الماضي، لكني أستطيع بالحب تغيير المستقبل». وتضيف وهي تحبك خيوط قصتها، فتقول إنها على الرغم من المعاناة، تعيش في سلام مع نفسها ومع العالم. وتستحضر تلك اللحظة في شجن، حد الضنى: «انتابتني سورة الغضب والشعور بالمرارة. لقد كنت يائسة، كل شيء كان سلبيا. فكرت في الموت. كنت أعرف أنني لا أستطيع العيش هكذا إلى الأبد.. كان الكثير من الأسئلة يدور في خلدي.. الكثير من «لماذا»؟ لماذا أنا بالذات؟ لماذا حدث هذا؟ كنت بحاجة إلى أجوبة.. كنت متشيعة لديانة «الكاودية» (ديانة تزاوج بين البوذية والروحانية الفيتنامية) لكني في نهاية المطاف، تُركت موكولة لنفسي بلا سلام، بلا حب، بفؤاد فارغ». ومع ذلك تقول إنها صفحت، وتصالحت مع صورة «العم أوت» كما تحب أن تناديه.. الصورة التي ذكرتها زمنا طويلا بـ»محنتها وفقدان طفولتها». لقد «اخترت أن أحيا». وليس هذا المقال فسحة للخوض في اعتناقها المسيحية، وفي تفاصيل حياتها وزواجها، وتعيينها سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة أواخر التسعينيات.
لا أحد يستطيع اليوم أن يقطع بأن ما يعيشه العالم العربي بجناحيه، وهو بين مد وجزر، وشد وجذب، هو «ربيع» ثان ينبثق في عز الخريف، أو هو ثورة جارفة غضب عارم تؤطره وسائل الاتصال الاجتماعية بطريقة رياضية «خوارزمية» محكمة، يعرف القائمون عليها أو «مهندسو الفوضى» كيف يستشرفون المستقبل، وكأنهم يختلسون سر رسالة مضمونة في دورة كأنها دورة الخط الحلزوني، أو لولبته. ومهما يكن فإن محنة غزة وبشاعة ما يرتكبه جيش الاحتلال فيها، تصنعان من هؤلاء الشباب في أمريكا وأوروبا خاصة، قوة دافعة قد تطيح بتلك العقدية الوثوقية التي تصور إسرائيل على أنها دولة ديمقراطية تقدس حقوق الإنسان، بل لم تعد تنطلي عليهم ألاعيب «سبن دكتور» وهم أشبه بوسطاء الوحي عند الإغريق «أوراكل» أو الكهنة الذين يجيب الإله بوساطتهم عن سؤال حول ألغاز الغيب وأسراره. والمصطلح «سبن دكتور» وقد احتفظت به كما هو؛ إذ لا أعرف له مقابلا في العربية، يجمل دلالة سلبية أكثر منها إيجابية.
واليوم نحن في زمان آخر، فخبراء علوم الاتصال والتواصل هم الذين يمتلكون القدرة على استغلال الإمكانات المهولة التي يوفرها ويتوفر عليها غوغل. وهذا ما أدركه مبكرا القادة الشعبويون الأوروبيون الذين استأجروا «مهندسي الانقلاب» من أجل توجيه الغضب الشعبي لفائدتهم؛ وما كان لهم، من دونهم أن يتسنموا سدة الحكم. والغضب بكل ما يرافقه من عواطف جياشة، هو ما يوسم به ويوصم العرب عادة. وعلى ما في هذا من حق أو بعض حق، فإن العواطف تنهض بدور في قدرتنا على تقييم قيمة الأشياء والأشخاص من حولنا. وهؤلاء المهندسون أو خبراء دراسة سوق الويب، يعرفون حقا كيف يستخدمون وسائل الاتصال الاجتماعية، لسبر آرائنا واختبار قوانا وانفعالاتنا وردود أفعالنا، ومعرفة عاداتنا وأشيائنا المفضلة، وطريقتنا في تصريف الجاري من أمورنا. ومن ثمة يتسنى لهم أن يذيعوا رسائل من شأنها أن تطابق مشاغلنا، خاصة الأظهر منها، أو تلك المشبوبة المتقدة التي تقض مضاجعنا؛ وهي التي نتقاسمها أكثر في لوحة الهاتف أو شاشة الحاسوب. وهذه هي الأنظمة المتبعة عند هؤلاء وهم يحاولون أن يجتذبوا أكثر ما يمكن من الفئات والمجموعات بما فيها الزمر الصغيرة، بل هم ـ وهذه لعبتهم أو فكرتهم المفتاح ـ لا يتجهون إلى الوسط، أو ما نتصور عادة أنه المحور أو مركز الثقل وقاعدة التأثير؛ وإنما يتجهون بأنظارهم إلى الأطراف المتباعدة، بل المتناقضة، وجمعها وإضافتها من ثمة إلى الأغلبية، من دون علمهم أو إدراكهم. كأن ما يجري في هذا المشهد العالمي أشبه بـ»كرنفال» حديث يتغذى من عنصرين يتداخلان في تكوين مركب: غضب شديد يضطرم في أوساط الشباب والمستنيرين في أمريكا وأوروبا ومن بينهم يهود، على إسرائيل، وآلة اتصال رهيبة صارت الجهاز المفضل لكل هؤلاء الذين يسعون إلى مضاعفة بلبلة العالم أو فوضاه. يقول غوته: «الكرنفال حفل يصنعه الشعب لنفسه». وما يحدث في أوروبا وأمريكا وأنحاء من العالم، أشبه بهذا الكرنفال حيث «السياسة» الداعمة لإسرائيل، في أمريكا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها، رقص مطلق العنان، وسباق جنوني يطيح بالقواعد السياسية المضبوطة، ويستبدل بها نقيضها. وهذا «الدكتور» (خبير الاتصال) لا يتصرف أخلاقيا كما قد يقع في الظن، وإنما بأسلوب فيه ما فيه من مكر اللغة والسرد والصورة خاصة؛ وهو يعرف كيف يقص علينا أحسن القصص، ويزخرفها ويزينها لنا؛ بل يطرزها ويغزلها غزلا؛ كما هو الشأن في التركيز على عملية 7 أكتوبر، وإغفال أن المدنيين كلهم سواسية، وأن الفلسطينيين هم الضحايا اليوم. ومن دون خوض في تاريخ هذه المهنة التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، فإن الكلمة ذاعت وانتشرت في مستهل الثمانينيات في أمريكا، في الفترة الأولى من حكم رونالد ريغان. هي مهنة «بهلوان» حاذق يعرف كيف يلوي «الحقائق» أو المعلومات، ويخرجها في الضوء الذي شاء، والاتجاه الذي أراد؛ بوساطة شعارات وصور وفيديوهات مخصوصة، وبنوع من التسويق أو الدعاية التجارية غير التقليدية، بل يعرف أساليب سياسة «استراتيجيا» تشويه الخصم أو المنافس، وتضليل أنصاره، ربما لا مثيل في التاريخ لهذه الحرب الهمجية على غزة، فهي ليست مواجهة شاملة بين جيشين، وإنما هي سلسلة من الهجمات المنسقة، تنفذها قوات الاحتلال ضد أهداف متخيرة مثل المدارس ودور العبادة والمستشفيات والمدنيين، وأكثرهم نساء وأطفال وشيوخ. على أني أسوق ملاحظة هي هذا «الغضب» العارم الذي عم «العالم الحر» وتحديدا قادته الذين يلوحون بشتى العقوبات على كل من يساند الفلسطينيين؛ لكنهم يلُوحون وكأنهم في لعبة بولو الرياضية التي تمارس على متون الخيل بمضارب طويلة وكرة خشبية. ونعرف وما بالعهد من قدم، الدور الذي نهض به بعض مستشاري جورج دبليو بوش وتوني بلير، مثل كارل روف وألستير كامبل، في الحرب على العراق؛ وفي تسويقها إعلاميا بذرائع متهافتة عن امتلاك الرئيس العراقي الراحل أسلحة الدمار الشامل. وهؤلاء في زماننا معلمو سبر آراء، ومفسرون مهرة في المتاجرة برسالة ما وإذاعتها، بل التصرف في شيء ما قبل امتلاكه؛ أي توجيه الدعم لهذا الطرف أو ذاك؛ على الرغم من أن الفلسطينيين لا يمتلكون هذه الوسائل، كما يمتلكها عدوهم، حيث الجمهور عنده أشبه بطريدة يعرف كيف يضبطها بدقة متناهية، بذريعة «معاداة السامية» وهو يعرف ويدرك أنْ لا أحد يشكك في «الهولوكوست» وأنه جريمة لا تغتفر، تماما مثل هذه «المحرقة» الفلسطينية التي وقودها الناس والحجارة. ووسائل الاتصال الاجتماعية اليوم آلة موجهة، وليست بحبل يترك على الغارب، أو هو فضاء سائح، يطلق فيه العنان لأهواء لا كابح لها. ومن لطائف هذا الفعل «وجه» في الفرنسية، أنه يعني في الأصل «التوجه شرقا» وإن كان يتسع لمعان أخرى مثل قاد وسيّر وتوجّه شطر، أو ولّى وجهه شطر وما إليها. ومن اللافت حقا أن يتوجه شباب أمريكا وأوروبا ناحية هذا الشرق وقلبه النابض فلسطين؛ تماما كما كان الأمر في حرب فيتنام، إذ ساندوا ثورة التحرير، وتصدوا لحكوماتهم، خاصة لأمريكا وما ارتكبته من فظائع؛ من دون أن تسلبهم هذه الوسائل إرادتهم ومشيئتهم. وهذه الحرب هي حرب الصورة أيضا. «إن صور الحرب هذه – التي خرجت من فيتنام خلال هذه الفترة – لم يسبق رؤيتها من قبل، ولا أعتقد أننا سنراها مرة أخرى أبدا». هذا ما قاله هال بويل، كان محررا ومسؤولا رئيسيا للصور في وكالة أسوشيتد برس وقت وقوع الحادث. لكننا نراها بعين الأمس واليوم، في غزة وفي كل ذرة تراب من فلسطين التي تنتصر، وفي صور أطفالها التي ستغير مسار الحرب. وهذا الجيل هو «جيل الصورة» من الشباب خاصة، بل منا نحن الكهول والشيوخ؛ وقد طلق بعضنا الكتاب، وربما ردد معي، مع الاعتذار للمتنبي:
أعز مكانٍ في الدنى لَوح غوغلٍ
وخير جليسٍ في الأنام الهواتفُ
شاعر وكاتب تونسي