الرابطة القلمية
ذات مرة التقيت بمهاجر غير شرعي، من الجزائر، في مدينة إيطالية اسمها (تريستي). وجدت ذلك الشاب جالساً في محطة القطار، ينتظر فرصة العبور إلى ميلانو. تعرفت إليه وحكى لي كيف قطع مئات الكيلومترات، مشياً على قدميه، من تركيا إلى اليونان، ثم ألبانيا والجبل الأسود، صربيا وكرواتيا. قطع كل هذه البلدان قصد بلوغ إيطاليا. سألته لماذا قام بهذه الرحلة الشاقة، مع ما تخللها من شهر في السجن في اليونان، بالإضافة إلى مطاردات الشرطة والعسكر على حدود البلدان، وكذا عصابات الطرق التي تسلب المهاجرين غير الشرعيين ما في جيوبهم، بل وصل بها الأمر في بعض المرات إلى إزهاق أرواحهم. فأجابني كأي مهاجر غير شرعي عن حلمه بالعيش في أوروبا. سألته مرة أخرى: كيف يتخيل حياته بعد عشر سنوات؟ فأجاب: بيت وعائلة وأن أستطيع العودة إلى الجزائر. استغربت كلامه. أنت خاطرت بحياتك من أجل الخروج من الجزائر، فلماذا تود العودة إليها؟ لم يعثر على إجابة واضحة، لكنني فهمت قصده. هذه الحالة الشعورية لا تخص المهاجر غير الشرعي وحده، بل تخص أي إنسان، وكذلك الكاتب والمثقف، الذي يبتعد بغرض العودة إلى مكانه الأول.
تاريخياً، الأدب الجزائري وُلد في المهجر وليس في الداخل. إذا عدنا إلى التاريخ القديم، سندرك أن القديس أوغستين، قبل أن يصير قديساً كان شاعراً. وقد صار شاعراً بعدما هجر مسقط رأسه في طاغست (أو سوق أهراس حالياً) إلى قرطاج. في مهجره بدأ الكتابة، ثم في روما تخصص في اللاهوت وصار من أهم الأسماء الإصلاحية في الكنيسة الكاثولوليكية. لكننا نجهل اليوم أن سانت أوغستين كان ـ قبل كل شيء ـ شاعراً، وشاعراً مهجرياً.
في التاريخ الحديث، فإن الأدب الجزائري المعاصر كذلك وُلد في المهجر. كاتب ياسين، مثلاً، كتب عمله الأشهر «نجمة» وهو يتسكع مع عمال في مصانع جنب باريس. كان يبحث عن قوت يومه في النهار، وينعزل إلى الكتابة مساءً. كذلك الحال مع مالك حداد، الذي كتب كل أعماله في مهجره. وأيضاً آسيا جبار. إذن نشأة الكتابة الأدبية في الجزائر هي نشأة مهجرية، تماماً مثل الحركة الوطنية التي وُلدت وكبرت في المنفى، بالتالي فإن الحقل الأدبي في الجزائر هو حقل له امتدادات عرضية، من الخارج إلى الداخل. لا يمكن أن نتحدث عن أدب جزائري واحد، بل نحن إزاء (آداب) جزائرية. فلا يصح الحديث عن آداب جزائرية بفصلها عن الامتدادات في الدياسبورا، مع أنني أرى أن ما يُكتب في المهجر وما يُكتب في الداخل يصب في سؤالين كبيرين، هما: الذاكرة والهوية. وهذا التلاقي بين الداخل والخارج لعب دوراً في توسيع المخيلة، في إضافة عناصر جديدة في الكتابة الجزائرية. لم نعد ننظر إلى (الآخر) ضمن نظرة دونية، في إطار هيمنة الغرب على الشرق، بل هناك نظرة ندية، في التحاور مع الآخر، في الأخذ والرد، في التعاطي معه بوصفه نظيراً لنا وليس مهيمناً. هذا الأدب الجزائري المهجري قلص من الفوارق، التي نعثر عليها في آداب افريقية أخرى، في تعاملها مع المختلف عنها. صار الأدب حيزاً ديمقراطياً، في الاستماع إلى الغرب ومخاطبته. هذا الأدب المهجري، ونظير مخالطة الكاتب الجزائري للبيئة الغربية في تشعباتها الأيديولوجية، سمح كذلك بإعادة تشكيل الهوية الوطنية، وفي كنس ما استطاع من مخلفات كولونيالية على المخيلة الأدبية.
لا بد أن نقر بأن الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، والتي كانت رواية ناشئة عقب الاستقلال، لم تكن رواية أدبية بقدر ما كانت ردود فعل سياسية. في لاوعي منه، تماهى الكاتب الجزائري مع المخيلة الكولونيالية. وظف خطابها ومعجمها في الرد عليه، انكمش في الخيار السياسي، بدل البحث والاشتغال على جماليات الإبداع. لكن شيئاً فشيئا تمكن الكتّاب من التخلص من هذه المخيلة، مستفيدين من تجارب كتاب عرفوا مجتمعات المُستعمِر من الداخل، وفهموا أن القطيعة تتأتى من البحث في جمالية الكتابة وليس في ردود الفعل الآنية. إن المهجر والكتابة في المهجر ليس خياراً شخصياً، بل حتمته ظروف تاريخية. نعلم الوضع في الجزائر عقب الاستقلال، جراء طغيان الرقابة ومنطق الحزب الواحد، مما حتم على كثيرين البحث عن بقعة ضوء في الخارج. ثم أن ظروفا اقتصادية صعبة طرأت منذ منتصف الثمانينيات، تلتها عشرية سوداء أجبرت الكثيرين على الهجرة. ثم عادت الظروف الاقتصادية مرة أخرى كي تلقي ظلالها مع بداية هذه الألفية.
ضمن هذه الظروف سوف تتوالد أجيال من الكتاب، منهم من هاجر ومنهم من ولد في المهجر، لكن مساعي الكتابة لم تتغير، في خلق نافذة نطل منها على الغربي، وفي محاورته بدل الاستسلام له. في نقل صورة عن الجزائر، على الرغم مما سادها من اضطرابات، لكنها صورة تراهن على جمالية الكتابة وليس على استعادة جراح الماضي. فقد قضينا سنوات طويلة نكرر الأشياء نفسها في الأدب الجزائري، والتجربة المهجرية ساعدتنا في اكتساب ثقة في أنفسنا، إننا نحن من نصنع صورة عن أنفسنا، وليس بمحاكاة الآخر، الذي هيمن على مخيلتنا عقوداً طويلة.
بالعودة إلى قصة المهاجر غير الشرعي الذي التقيت به في إيطاليا، فحين يقول لي أن أمنيته أن يعود إلى الجزائر، فالغاية من كلامه أنه رغب في التخلص من ماضيه وليس من بلده. أراد أن يمحو تجربة شخصية عاشها (كذلك الحال مع كثيرين)، أن ينسى مأساة أو أسى ثم يعود كمن ولدته أمه. كذلك الحال في الكتابة، فالكاتب في المهجر يتخطى ماضٍ مؤلم، ماضٍ من الصراعات والصدامات السياسية التي عرفتها الجزائر، كي يتحرر من تلك المخيلة ويؤسس مخيلة أخرى أكثر صفاء تحيله على كتابة أكثر نضجاً، في ثيماتها وجماليتها. كما يهمنا أن نتوقف ـ لحظة ـ عند مصطلح «المهجر». هل يوجد فعلا مهجر اليوم؟ هل المهجر الذي نتحدث عنه هو نفسه الذي أودى إلى تأسيس (الرابطة القلمية) مثلاً؟ أظن أن كلمة المهجر لم تعد لها الحمولة الجغرافية والسياسية ذاتها، بحكم أننا نعيش في عالم مفتوح، فرضته علينا التكنولوجيا الجديدة. لم يعد المغترب مغترباً، بل هو في صلة دائمة مع موطنه، بل يحصل أن يكون أكثر اطلاعاً عما يحصل مقارنة بمن يعيش في الداخل. كلمة مهجر من شأنها أن تحيلنا إلى كلمة حنين أو نوستالجيا. هذه الكلمة ليست تصلح ـ برأيي ـ سوى في ترويج البطاقات البريدية، أو في تنشيط حركة النقل الجوي. لم يعد المهجر مرادفاً للبعاد أو الاغتراب أو الغياب. بات المهجر امتداداً للوطن نفسه.
روائي جزائري