يرى بعض الأدباء المنظّرين ومنهم، الشاعر ماكس إيستمان – أن العقل الأدبي هو بكل بساطة عقل هاو، وغير مختص، يرجع إلى أيام ما قبل العلم، ويحاول أن يصمد ويستفيد من التسهيلات اللفظية؛ ليخلق الانطباع بأنه ينطق بالحقائق المهمة. ويظن (ايستمان) – في كتابه نظرية الأدب – أن مهمة الكاتب الرئيسية هي اكتشاف المعرفة وإيصالها، ما استلزم الرد عليه بأن الحقيقة في الأدب هي ذاتها الحقيقة خارج الأدب، أي أنها حقيقة نظامية ويمكن إثباتها علنا على رؤوس الأشهاد. وأن وظيفة الكاتب الفعلية هي أنه يجعلنا ندرك ما نرى ونتخيل، ما سبق أن عرفناه سواء بشكل تصوري، أو عملي. فوجهة نظر إيستمان، أن الأديب – وإن كان هاويا- مثل العالم أو الفيلسوف عليه أن يقدم الحقيقة بعد البحث عنها واكتشافها. وهي مهمة عسيرة، تتجاوز طاقات الأديب، وليس مخولا بها من الأساس، لأن دوره هو الإبداع الأدبي، الذي يعني إنشاء نصوص أدبية، سامية القيم، بليغة الأسلوب، عميقة الفكر. أما قضية الحقائق، فهي متاحة في علوم أخرى، يستطيع القارئ الحصول عليها دون عناء، من المتخصصين الباحثين والعلماء مباشرة، عبر الاطلاع على مؤلفاتهم. ويلجأ القارئ إلى الأدب، بحثا عن الجمال والقيم. والحقائق التي يجدها في النص الأدبي، هي مطروحة أمامه خارج النص، في الحياة والفلسفة والعلوم، إلا أن القارئ يرغب في أن يجدها ضمن القالب الأدبي الجميل، الذي يمتعه بلغته، وهو يقدم الفكر أو الحقيقة بشكل راق. ففي الرواية مثلا، يمكن أن نجد حقيقة تتعلق بالحفاظ على المبادئ، يستطيع الروائي أن يقدمها من خلال استعراضه لحياة شخصية تاريخية، لم تعرف الهوان، وأبت الانصياع والذل، وجعلت النضال وسيلتها لتحقيق أمانيها والأماني السامية لشعوبها. هنا، سيعايش القارئ الفكر المجرد، والمبادئ العظيمة سردا مشوِّقا، وسيتمثل في مخيّلته هذه الشخصية، وسيتعلم منها الكثير، لأنها قُدِّمت له في قالب جامع بين البلاغة والحكمة، والسرد الجاذب في المواقف والأحداث. وهذا يأتي ردا على الطرح الذي قاله إيستمان، وينتهجه البعض من المبدعين، حينما يراكمون المعلومات الجافة، والحِكم المباشرة، والخطابية المملة في رواياتهم، تحت شعار أن غاية الأديب اكتشاف الحكمة وتقديمها. وتكون النتيجة ـ تبعا لهذا التصور- تحوّلا في دور الأديب من إنجاز أبنية نصية جمالية، إلى دور ليس له، يلتقي مع دور الفيلسوف والباحث، فيصبح النص طاردا للقارئ، مبتعدا عن تعزيز موهبته الفنية؛ وصار الروائي أشبه بالطائر الذي أراد تعلم الركض، فنسي الطيران.
ويتقاطع – مع ما تقدم – البعدُ الخيالي في الأدب والرواية، فلا شك أن الأدب تخييل ومحاكاة للحياة بفنية لفظية، على أن عكس التخييل ليس الحقيقة، بل الواقعة، أو الوجود الزماني أو المكاني. ومن بين الفنون جميعا، يمكن أن يدّعي النص الروائي الحقيقةَ؛ في حالة تقديمه نظرة شاملة إلى الحياة، يمتلكها كل عمل فني متماسك؛ هذا الاقتباس يحوي مفهوما غاية في الأهمية يتمثل في أن التخييل هو محاكاة للحياة، وأنه ليس الحقيقة، بل الواقعة القائمة في النص الروائي، التي تعني الوجود الزماني والمكاني، بمعنى أن النص الروائي يقدم للقارئ سردا يعرض ملامح وجودية متكاملة في شخصياتها ومكانها وزمانها، يزعم المؤلف من خلال سرده أن هذا قائم وواقع بالفعل، في ما يسمى الإيهام الفني، وقد يكون ما يعرضه الروائي خليطا من وقائع، مع خيال تركيبي، استطاع الروائي بمهارته أن يمزج وقائع بعينها، مع شخصيات، ليعرض في النهاية رواية متماسكة فكرة ومضمونا وأحداثا وشخصيات وزمانا ومكانا. وبذلك لم تعد الحقيقة هي الكائنة خارج النص، في الحياة بشكل فعلي، وإنما هي ما تم تقديمه في الرواية سردا في إيهام فكري وحكائي.
لأن الحقيقة على الصعيد الأدبي تعني ما يمكن لأي شخص إثباته بشكل منهجي، فعندها لا يمكن أن يكون الفن شكلا من أشكال الحقيقة التجريبية. وإنما سيقدم الأدب المعرفة والحقيقة والدراية والحكمة على أنها مفهومات وقضايا. فالحقيقة ليست هي الكائنة خارج النص الروائي، وإنما ما يمكن للروائي أن يقدمه بشكل متناسق، يقنع قارئه، ويجذبه لما يصوغه من أحداث ووقائع.
ذلك لأن الحقيقة على الصعيد الأدبي تعني ما يمكن لأي شخص إثباته بشكل منهجي، فعندها لا يمكن أن يكون الفن شكلا من أشكال الحقيقة التجريبية. وإنما سيقدم الأدب المعرفة والحقيقة والدراية والحكمة على أنها مفهومات وقضايا. فالحقيقة ليست هي الكائنة خارج النص الروائي، وإنما ما يمكن للروائي أن يقدمه بشكل متناسق، يقنع قارئه، ويجذبه لما يصوغه من أحداث ووقائع. فليست مهمة الروائي أن يصوّر كل شيء عن الواقع الخارجي، وإنما عليه الانتخاب من الواقع ما يصلح أن يكون رواية، ومن ثم يبدع عالما روائيا متسقةٌ شخصياته في حواراتها وفكرها وتصرفاتها، وكذلك في مواقفها، ضمن أحداث الرواية عامة.
وهذا يقودنا إلى ما يسمى «الإيقاع في الفن» والذي كما يذكر غيورغي غاتشف في كتابه «الوعي والفن» أن العمل الاجتماعي يُمثَّل تمثيلا كاملا، وهو من خلال ذلك يمثل المبدأ النشيط الخلاق في الكون، إنه يمثل نبض الكون، فهو مبدأ جوهري يسري في كل عصر وفي كل إنسان، إنه قوة موضوعية. هذه القوة وحركتها موجودتان دائما بصرف النصر عن كوننا نعي ذلك أو لا نعيه.
فالمقصود بالكون هنا نظام الحياة القائم على الأرض، المتمثل في المجتمعات الإنسانية، بكل نبضها وتفاعلها، وهو ما يلتقي مع مفهوم المحاكاة، للواقع الذي يصنعه الروائي، ويسعى من خلاله إلى نقل نبض الحياة إلى نصه، بحيث يتحقق الإيهام القارئ. فلو كتب روائي عن عالم القرية، عليه أن يكون واعيا لنبض هذا العالم، وتفصيلاته، وشخصياته، وطرائق تفكيرهم، ولغتهم، كي يقدم سردا متقنا، يعبر عن هذا العالم بكل ما فيه من مشاعر وهموم وصراعات.
نخلص إذن إلى أن قراءة الرواية – في علاقتها بالقضايا الإنسانية – ذات بعدين متضادين ومتلاقيين. فهما متضادان في كون أحدهما يتجه إلى قراءة علاقة النص الروائي بالإنسان ومجتمعه المحلي أو وطنه، أو رحابة المجتمع الإنساني، على مستوى الفكر والهموم والقضايا والحقوق. والبعد الثاني يغوص في أعماق الذات الإنسانية للشخصيات الروائية، في حرص على اكتناه جوانبها، والبحث في المشترك بينها وبين شخصيات أخرى تحيا في عالمنا، وقد تعاني مشاكل نفسية، أو تكون ذات طموح وقيم ونبل وعطاء. أما تلاقي البعدين فيتأتى من كونهما منشغلين بالمتن الروائي، في بعده الإنساني: الشخصيات والأحداث والقضايا، وحتى التحليل المكاني أو الزماني، فإنه لا يعني انفصالا للتحليل عن الإنسان، بل إنه يقرأهما (الزمان والمكان) ضمن المعطى الإنساني في النص، بمعنى عرض تفاعل الإنسان مع المكان، وانعكاس المكان على الإنسان، والأمر نفسه، يقرأ تقلبات الزمان بالإنسان، وأثر الزمان على الشخصيات وأفكارها ومواقفها.
وبذلك ينفسح فضاء القراءة في بعدها الإنساني، وتصبح القراءة شاملة متكاملة، تنظر للذات الإنسانية في فكرها ونفسيتها، وترنو أيضا إلى علاقاتها في ما هو خارج النص: العائلة، والأصدقاء، والمجتمع، والوطن، تنظر فيما يثيره النص من قضايا وهموم وأفكار تتصل بالإنسان ومجتمعه.
كاتب مصري