يقيس كثير من اللسانيين اليوم تجربة الكلام على تجربة النظر ليقولوا لنا بكل بساطة: مثلما أننا نرى من دائرة إبصار فنحن نتكلم من وجهة نظر، ولذلك يمكن القول إن اللسان كالعين تماما يبصر وهو يتكلم من دائرة معلومة. يزيد هذا القول ترسيخا إيمان النحاة العرفانيين الجدد بأن النحو يعتمد على قدرة لدى البشر هي القدرة على التصوير: تصوير الوضعيات عند الكلام عنها. دائرة الإبصار اللغوية هي تسمية أكثر تبسيطا وأكثر تناسبا لهذا المقام من تسمية النحوي العرفاني الأمريكي رونالد لنغاكار: التعديل البؤري Focal adjustment التي تدرس البناء بما هو قدرة بشرية على نقل وضعيات مختلفة بالاعتماد على جملة من المقاييس تتدخل في تنويعة التخصيص والشمول.
في قول الشاعر (أذاكر أنت وجهي؟) دائرة إبصار لغوية كبرى هي دائرة الاستفهام التي تحوي عناصر بنيت على هيئات معلومة كان فيها اسم الفاعل حالا محل الفعل لغاية، وكان فيها الضمير (أنت) مكررا مبرزا المخاطب لعلة، وكان فيها (وجهي) وحدة رمزية مخصوصة غير خطاطية. من دائرة الإبصار الرمزية التداولية: الاستفهام أطل المتكلم على بناء للكون لا يصفه، بل يستخبر عنه فهي دائرة لا تقدم معرفة، بل تتساءل عن تحقق معرفة. فنقول إن دائرة الاستفهام هي دائرة بصر لغوية هدفها الاستخبار عن تحقق معرفة. فحتى أستفهم عليّ أن أعتمد في استفهامي صورا ورسوما تناسب ما أنوي قوله وعلى من يستمع إليّ أن يطل على الدائرة التصويرية نفسها، بما هي دائرة بناء مشتركة ويعيد تفكيكها. إن المتكلم يختار دائما صورا مخصوصة لبناء وضعيات مدركة لغرض تواصلي. واللغات تختلف في أبنيتها النحوية التصويرية، بل إن للنحو الواحد أبنية رمزية مختلفة يمكن أن يبني بها وضعية تصويرية واحدة مثل ما يكون في الاستفهام
وبالإضافة إلى دائرة الاستفهام البصرية الكبرى توجد دوائر تركيبية إدراكية تصويرية صغرى في خدمتها، هي دائرة الوحدات المكونة لجملة الاستفهام. ففي كل منها مورد من الموارد الرمزية التصويرية التي توفر لنا بدائل لوصف مشهد معين، فمن الممكن أن نسأل (أذاكر يا رجلا أنتَ وجهي؟) فيه شكل من التوليف المشهدي والتصوري مختلف عن غيره. إن للتركيب النحوي دورا في فرض جانب خاص على قيمة دلالية معينة، ففي هذا القول كانت (يا رجلُ) بدلا من (أنت) فأنت لم تكتفِ بتعويض صورة كائن مبرز من جهة جنسه (رجل) بل إن المتكلم اضطر إلى أن يضيف إلى هذا التعيين شيئا يعينه وهو النداء لأن المخاطبة في (أنت) تتضمن تصويريا أن المخاطب حاضر بين يدي المتكلم غير أن قولك (يا رجل) من الممكن أن يكون قولا معبرا عن طريقة تبني بها معرفتك بمن تخاطبه، تنكره هو المعروف لديك لأنه نكرة مقصودة، وكأنه نكره لما رآه غير عارف به يقول له: يا أيها الرجل الذي نسينا نحن أيضا لنسيانك لنا نكرانك.
في الدراسات العرفانية الجديدة للنحو أو الدلالة لا تنفصل المعطيات اللغوية عن تمثلها الذهني، لذلك يفاجأ المرء المتعود بالأطاريح الكلاسيكية بأن يجد ضربا من الترادف غير المألوف، يجعل النحو رديفا للدلالة في قول لانغاكار، إن النحو ذو معنى، ويجعل التصورات الذهنية رديفة للدلالة. في هذا الإطار الفكري فإن جملة (أذاكر أنت وجهي؟) منوال جديد. محتوى (ذكر، نسي، تذكر) التصوري يقع على أرضية في حقل تصوري لا تدركه الحاسة البصرية، ولا يمكن أن يكون له شهود لكنه فعل مبني في الأصل على حدث الإبصار بشكل مختلف عن الفعل المرئي مثل ضرب.
التذكر والنسيان فعلان يرتبطان بعملية عرفانية هي التخزين ـ الاستحضار المرتبطين بالذاكرة ذات المدى الطويل (الذاكرة الحافظة) فنحن لا نتذكر إلا ما خزّن في هذه الذاكرة ولا ننسى أيضا إلا ما خزّن فيها.
التذكر والنسيان فعلان يرتبطان بعملية عرفانية هي التخزين ـ الاستحضار المرتبطين بالذاكرة ذات المدى الطويل (الذاكرة الحافظة) فنحن لا نتذكر إلا ما خزّن في هذه الذاكرة ولا ننسى أيضا إلا ما خزّن فيها. لكن الإشكال في النسيان أننا لا يمكن أن نستحضر الشيء المنسي نسيانا وقتيا أو كليا فيؤثر ذلك إيجابا أو سلبا في بقية العمليات العرفانية المرتبطة بمعالجة معلومة. حين تقول لي كلمة خزنتها ونسيتها فأنا بعدم تذكري لها سوف أفشل عملية التعرف والفهم، وإن كانت العبارة مرتبطة بالتفكير فسوف يتعطل التفكير جزئيا أو كليا.
فعل التذكر اللغوي هو فعل إدراكي له خصوصيات إدراكية لا لأن الفعل دائر حول التذكر والنسيان، وهو أمر يتصل بمعالجة معلومات من المفروض أن تكون خزنت في الذاكرة؛ بل لأن الأقوال وهي تقال أو تبني الوضعية مثلما يقول العرفانيون، أو هي تسمع أو تتلقى وتدرك وتحتاج عمليات عرفانية تدور حول معالجة الذهن للمرئي (الوجه الذي يقول الكلام وعلاماته) وللمسموع (نبرة الصوت التي قد تكون مساعدة على التذكر) والذاكرة (قصيرة المدى، طويلة المدى، ذاكرة العمل) بالإضافة إلى ذلك فإن الضمير (أنت) قوّى من بؤرة الانتباه على المسؤول وجعله دائرة الإبصار اللغوية في السؤال، والحق أن دائرة الإبصار ينبغي أن تركز على وجه المخاطب. فلنا دائرتا انتباه متدافعتان (أنت) و(وجهي) تدافعا إدراكيا يفضي إلى صراع في التعرف بين متكلم متذكر وجه مخاطبه ومستمع متهم بالنسيان. إن كل بناء للأقوال يفيد ضربا من التصويرية يحدث بالتوازي مع قراءته، أي أننا ولكي نفهم ما يقال لنا، نبني ذهنيا مشهدية معينة، لا نقتصر فيها على المحتوى الحصري للجملة، بل نفترض سائلا معينا يسأل، فمنا من يفترض مثلا أن السائل امرأة ومنا من يفترض أنها رجل، أي أننا نبني في المشهد عناصر لم يقلها القول، حتى تساعدنا على أن نفهم ما قيل؛ وربما بنينا لكل مثال من الأمثلة السابقة وضعيات افترضناها كأن نفترض أن السائل في مثال يحدث بالكلام صديقا قديما كان يعرفه ناداه فلم يستجب أو أنه وقف حائرا أمامه فكان السؤال تعقيبا على كلام سابق: أنا فلان.. هل نسيتني؟
إن المشهدية التصويرية التي يبنيها كل متلق للكلام هي ضرورية لأنها تساعد على الفهم وبناء الرسالة التي ألقيت على مسامعنا. وهي تصويرية ليست بالضرورة هي نفسها التي بناها المتكلم: ما بناه المتكلم هو سؤال حول تذكر المستمع له لكنه بناه وهو يعرف من يكون ذلك المستمع لكن المتلقي وهو يفاجأ بالسؤال وبالموقف سيكون في وضعية من يبني المحتوى ولا يعرف هوية السائل إذا افترضنا أنه نسي فعلا وجه سائله. نحن إذن إزاء مشهدية سماعية وبصرية واستذكارية ليس فيها تشارك بين المتكلم والمستمع في جميعها.
المشهدية السماعية تقتضي أن يشارك المستمع المتكلم قوله لكنه سمع ينقصه عنصر مهم هو التعرف على نبرات صوت صديق قديم أو حبيب مضى على لقائهما زمن. فالنبرة الصوتية تصبح عند المستمع أداة استكشاف واستذكار، أو لنقل مدخلا لا إلى فك شيفرة الرسالة، بل إلى الإعانة عن البحث في الذاكرة عن بصمات ذلك الصوت هل هي مخزنة أم ليست مخزنة. فهذا دخل صوتي ثانٍ إلى تنشيط ما يمكن أن يساعد على الربط بين الوجه والصوت في الذاكرة. المشهدية البصرية لدى المستمع ستجمع أيضا بين عنصر الوجه بما هو تعبير علامي والتعبير الصوتي عند النطق بالرسالة، فأنت حين تطرح واحدا من الأسئلة السابقة لن تطرحه بوجه خال من التعبير مثلما أنك لم تطرحه بنبرة خالية من التعبير عن شيء يضاف إلى السؤال عن الهوية. الكتابة تقتل هذه العلامات الإضافية وتجعلنا إزاء خطوط مبهمة ذهبت منها كل حياة كانت ترتسم على الوجه وتجيش عبرتها في الصوت، وتدل أكثر على أننا إذ نتكلم نطل من بؤرة، وأن لساننا لا ينطق فقط بل يبصر.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية