ثمة كثير من القراءات النقدية التي تناولت التجربة الفنية للعراقي فائق رسول، تلك التجربة التي تحتاج إلى قارئ عارف، كي يتمكن من فك طلاسمها، لكونها تجربة ترفض وبشكل مطلق أن تسلم مفاتيحها القرائية لقارئ عادي، وهذا ما جعل معظم تلك القراءات افتراضية مبنية على قصص لا نجدها إلا في حكايات التبصير بفناجين القهوة، وتبدو في عين الناقد العارف مثل اللوحة المؤطرة، التي ينتهي فضاؤها القرائي عند حدود الإطار.
يعود هذا الاستنتاج إلى أن معظم الذين كتبوا عن تجربته، قاموا بربط دلالات لوحته الفنية، أو تأويل إشاراتها بالحياة التي عاشها الفنان رسول قبل وصوله إلى فيينا، وبالتأكيد إن مثل تلك القراءات لا تتعدى حدود القراءات التكهن ليس إلا، أي أن الكاتب يقوم بمقاربة ما تدلل عليه ألوان اللوحة ورموزها بما عاشه الفنان، وبصراحة مطلقة عليّ الاعتراف بأن تجربة رسول الفنية، هي الأخرى متواطئة تماما مع قراءات هؤلاء النقاد، من باب أن رسول اتخذ منهجا رئيسا لبناء لوحته الفنية، معمارا يتكئ على اللونين الأسود والأبيض فقط، ليعبر عما يجول داخل رأسه.
ما أود قوله وفي عجالة: على الرغم من كثرة المقالات النقدية التي كتبت عن تجربة رسول، إلا أن تلك المقالات ظلمت تجربته، من خلال ربطها بحياته الخاصة، التي ظلم فيها هو الآخر، كإنسان قبل أن يكون فنانا، وكي أكون متصالحا معي، أقول: لربما كان منبع هذا هو التعاطف، لأن رسول جاء إلى هذه الحياة لا ليعيش مثل باقي البشر، بل لينشغل في البحث عن وطن مفقود وهوية فقط مرسومة على جدار أمانيه، رسمها أوقات حبسه كمعتقل رأي ولسنوات عديدة.
تلك التفاصيل أعلاه مع مكونات لوحته الفنية، وحدها كانت كفيلة بأن تجعل الذين كتبوا عن تجربة رسول، يقعون أسرى لفكرة الوجع الذي عاشه الرجل، باعتقادي إن فائق رسول تجاوز كل تلك التداعيات التي طرحتها كمقدمة أولية أسهمت بدخولي في لعبته الكبيرة، الفنان رسول استطاع إيهام الكثيرين بمعطى دلالة اللونين الأبيض والأسود، وشجعهم كي يغنوا على ليلاه من خلال نسج قصص قرائية، وكما أسلفت بأنها استنباط أو تبصير، بما يمثله اللون الأبيض في العديد من الثقافات، كمفهوم للنقاء والبراءة، أو الحياد والفراغ، وكونه رمزا يشير إلى الضياء بدلالة معاكسة للون الأسود، الذي يتناوله الكثيرون على أنه لون يدلّ على الظلمة.

فائق رسول وضع كل تلك التأويلات وراء ظهره، لأنه أدرك أن كل لوحة من لوحاته صار لها كيانها الخاص، وعوالمها الخاصة، وبعيدا عما قلته أعلاه، هو يدرك وبعد آخر تمريرة لريشته على صدر اللوحة، بأن قصتها القرائية صارت ملك غيره، لأن اللوحة الفنية هي مرآة لقارئها، يؤول ويستنبط ويفكك من ذاكرته هو، ومن مخزونه الثقافي والفني، وليس من مخزون الفنان الذي رسمها، فالفنان ترك إشارات أو رموزا، هي أقرب في الواقع لأجهزة التنبيه، تقوم تلك الرموز والإشارات بتنبيه ذاكرتنا، وهذا ما يسهم في خلق عدد من الخيوط والتقاطعات التي يتشكل منها نسيج القصة القرائية، حيث يتم ربطها بعدد من المفاتيح التي تتحدث عن اتزان العمل الفني وقياس الكتل اللونية على سطحه وتفنيد معطى البؤر المتناثرة داخل اللوحة.
من يراقب التطور البياني لتجربة رسول، يستشف أنه يسعى جاهداً للتملص من كل هذا، فهو لا يريد أن يكون هو الحامل الرئيس لعمله الفني، وفي الوقت نفسه لا يريد لعمله الفني المضي قدما وحيدا بمعزل عنه، بعدما استحال لهذه اللوحة كيان بحد ذاته، له ما له وعليه ما عليه كما الفنان، استطاع رسول الموازنة بين كيانه الذاتي وكيان عمله الفني، عندما صار جزءا أصيلا من هذه اللوحات، كما هو موضح في الشكل 111
بمعنى أعم هو لا يريد ان تكون لوحته «موناليزا» كي تخلد اسمه كدافنشي، ولا يريد ان يكون بيكاسو ليتم تخليد «غرنيكا». لعل الكثيرين يستهجنون ما أشرت إليه وهذا بديهي، من باب أنهم قرأوا جل أعماله الفنية عن بعد، أو عن طريق الوقوف أمامها، لتتبدى لهم مساحات الصمت الشاسعة التي يمثلها الأبيض مقاربة مع تشكيلات البقع السوداء، وهذا ما ينبت بذرة قرائية أولية في رؤوسهم، تبدأ من حكاية قياس حجم الحياد والفراغ الأبيض على حساب الأسود المتناثر. من يراقب عن كثب صور فائق رسول «الخاصة» التي يتم التقاطها في المعارض التي يشارك فيها، أو حتى في مرسمه الخاص، يستشف بأن صورة اللوحة التي لا يكون رسول حاضرا فيها وهو يرتدي الأسود المعتاد، ناقصة وغير متزنة، بعيدا عن فكرة ملامستها، فلوحة رسول لوحة عصية ولا تسلم مفاتيحها وأكوادها بسهولة للقارئ الذي يتناولها على أساس المبنى الظاهري المكون من الأبيض والأسود، بالملامسة يمكننا اكتشاف أن لوحته تخبئ الكثير من أسرارها، تتجسد على شكل خيوط أو شعيرات ناعمة، يمكن تحسسها فقط أو رؤيتها عبر مكبر، تلك الشعيرات تشبه تماما ما ينبت بين مسامات الجلد البشري، لست أدري إن كان رسول يريد من إنبات تلك الشعيرات بين مسام لوحته أن يجعل لها حاسة كما البشر..

كخلاصة أولية، يمكن القول إن رسول تمكن من إيهام كل قارئيه من خلال فكرة الرسم فقط بالأبيض والأسود، دلالة الضوء والعتم، الفراغ والظلام وغيرها، فالبياض أنثى مترامية الحواس تغطي لوحة رسول، مثل بحر تجاوز فكرة إطار اللوحة، والسواد رجل ضائع ومحاصر بهذا البياض اللامتناهي، الذي يجهد رسول بتعويض هذا النقص (الأسود) من خلال زج روحه طي اللوحة كي يستحيل جزءا أصيلا منها، ولما لا؟ هل تكتمل طاقة الكون بسالبها «الأبيض» وموجبها «الأسود» ـ وحدة تكوّن الذرة ـ بقطب واحد؟
مطلقا، فالجواب قطعي بكلمة لا
توقفتُ ولمرات عديدة أمام أعمال رسول في محاولة مني لربط دلالة تلك اللوحات مع ما عاناه كإنسان وفنان، ولكنني أقر بأنني فشلت فشلا ذريعا في هذا، فكون اللوحة مرآة قارئها، فإنني لم أر سوى إيماءات امرأة فادحة الجمال، يثيرني بياض حضورها الذي يدفع بسواد طاقتي نحو تحسس مسامها عن قرب للتكامل، وبقول صريح، تلك هي الإيروتيكية «الجمالية» المخبأة في فن فائق رسول الإنسان والتي عرّفها الفرنسي ميشيل فوكو «استعمال اللذات» كاشتقاق الروحي من الجنسي ليمثل ما هو عشقي.
كاتب سوري