«بلاص ديسكا» رواية التونسي محمد عيسى المؤدب: الأصوات السردية ودائرية البناء

عادل ضرغام
حجم الخط
0

يواصل الروائي التونسي محمد عيسى المؤدب اشتغاله على المكان وتغيراته، في ارتباطه بالبشر، واختلافهم واختلاف توجههم من مرحلة زمنية إلى أخرى، فالمكان في رواياته ليس مكانا ماديا عاديا، لكنه ذاكرة ممتدة تخترق السنوات والعقود، تؤدي دورها في تشكيل إحساس مغاير بالمكان أو الفضاء المحيط. ففي رواياته تكتسب الأماكن إطارا أكبر من وجودها المادي، لتلتحم بالوجود التخييلي والرمزي داخل الذاكرة، وتشكّلها المحفوف بالأيديولوجي، وبالسياق الحضاري في توجهه العام.
ففي هذه الرواية التي يتشكل إطارها الزمني بداية من خريف 1943 إلى خريف 2013، هناك رصد لمجموعة من المتغيرات التي أصابت البشر، وأصابت المكان الذي يعدّ المرتكز الذي تتمحوّر حوله كل الطبقات الاجتماعية والثقافية في كل فترة، وكل التوجهات في معاينة الآخر والاقتراب منه، في ظل بنية سردية لا تقنع بالتراتب أو واحدية الصوت السردي، بل مشدودة إلى بنية مبعثرة متناثرة بالتعدد في رصد الحكاية وتقديمها للمتلقي. ففي النص الروائي ليس هناك تراتب بنائي وفق لحظة زمنية ممتدة، فالنص يبدأ من لحظة النهاية، بوصفها لحظة وصول أخيرة بعد سعي ممتد وهجرة طويلة، تفسّر بشكل أو بآخر هذه العودة المهزومة والكسيرة المرتبطة بالفقد، ومطاردة حياة أو حيوات تتصف بنصاعة الحضور والدفق الخاص داخل الذاكرة. فما بين البداية والنهاية في سياق الشكل الدائري للرواية، تتجلى الأصوات السردية كاشفة عالمها، وعوالم الآخرين، ومقاربة حدود إشكاليتها الذاتية التي قد لا يشعر بها أحد سواها.
في هذه الرواية ـ ربما بسبب طبيعة الطبقة والهوية الكاشفة عن التناغم بالرغم من التعدد العرقي والديني ـ هناك توجه واضح للوقوف عند بعض الفترات الخاصة بعصر البايات، خاصة فترة المنصف باي، فكأن الرواية تزحزح وتزلزل الصورة التي اهتبلتها الأداة الإعلامية في عصر بورقيبة في تشويه هذه الفترة على تنوع باياتها من الانتماء للمكان، أو التخلي عنه مقابل مكاسب زهيدة، فالرواية تؤسس رؤية ناقدة لهذا العصر، تفرّق بين باياته وحكّامه من وجهة نظر تحتمي بالشعبي والفني المتداول، وتعيد البهاء ومشروعية الانتساب والانتماء إلى المكان إلى بعضهم.

الأصوات وتكامل البناء السردي

تعدّ الرواية من النظرة الأولى رواية أصوات، ولكن يتمّ خرق هذا التوجه في مكانين، وربما يُضاف إليهما مكان ثالث، ولكن الخروج فيه داخل حدود الصوت السردي لجليلة بابا في إنصاتها إلى حكاية لالة قمر على لسان أمها. في الفصل الأول جاء السرد موضوعيا محتميا بضمير الغياب، لأن هذا الضمير السردي يؤشر على قيمة المكان الموضوع عنوانا للعمل الروائي، وفيه تمكين لهيمنة وجوده الفاعل، حيث يطوّع المكان في الرواية حركة الشخصيات، ويجعلها- بالرغم من تسلّمها بنية السرد بعد ذلك في باقي أجزاء الرواية- منضوية داخل حدوده متأثرة به ومنفعلة بوجوده.
وفي الفصل الأخير تعاود تقنية الغياب حضورها، لإسدال دلالات خاصة بالموضوعية بعيدا عن سطوة النسق الفردي، وكأن مجمل التغييرات التي رصدتها الرواية بين الأمس البعيد واليوم، تحقق وجودا ملموسا يتشكل بعيدا عن انحيازات الأصوات الفردية. وثمة خروج آخر عن نسق تعدّد الأصوات السردي، لكنه خروج مشدود إلى داخل تجلي المتكلم. ففي الجزء الأول لصوت جليلة بابا هناك حكاية تتوسطه على لسان الأم (صفية)، وهذا التوجه نحو الغياب داخل نسق التكلّم ربما يكون مقصودا، لتوجيه الأمر نحو رؤية موضوعية تتصل بالبايات. فالقارئ يدرك أن هذا الجزء مملوء بالأمثال الشعبية، للكشف عن الإطار الثقافي والفكري المتلبّس بالسياق الشعبي في رؤية حكامهم، واختلاف وجهة النظر تجاههم، نتيجة للعاطفة والقبول من العامة.
في رواية الأصوات تتشكل القيمة من اختلاف وجهات النظر واختلاف اللغة والمنظور في مقاربة وتشكيل الحدث السردي، ولكن في هذه الرواية ليس هناك كبير اختلاف في مقاربة أحداث الرواية بين الأصوات السردية التي تحرّكت وتشكلت جميعها في إطار المتكلم، فلو جمعنا الخلفيات المعرفية والعرقية لهذه الأصوات الثلاثة (حمودة بن إسماعيل- وجليلة بابا- وإيفات صرفاتي)، سنجد أن لها خلفية تكوينية معرفية متقاربة، خاصة أن النظرة تجاه اليهود لم تكن قد تغيّرت في السياق الذي تؤسس فيه الرواية طبقتها الأولى.
واختلاف الموقعية يؤدي بالضرورة إلى تباينات في تقديم الحدث إلى المتلقي، وإلى رؤى مختلفة، حتى لو كان ذلك واقفا عند حدود الرؤية العاطفية، ودرجة الارتباط ومعايشة الحدث، لأن رؤية الراصد المعايش المشارك تختلف بالضرورة عن رؤية الراصد المراقب من الخارج، ولهذا نجد في الرصد الداخلي لحدث القصف توجها نحو الرصد الإنساني، في ارتباطه في تجلية أثره في عدد الضحايا، وفي الهلع العام. أما مقاربة الحدث من موقعية بعيدة غير مشاركة، فإنها تجذّر التأمل، وقراءة الحدث بعيدا عن الانشغال بالأثر الإنساني بشكل مباشر، تقول الرواية: (أظلّ أحدّق في الحمم النازلة على الجبل، وعلى قصر الباي، وأسأل بغضب، لماذا يستهدفون القصر؟ ولماذا ينتهكون حرمة سيدي المنصف).
فالأصوات في الرواية لا تقدم مغايرة في وجهات النظر، بقدر ما تقدم خلال هذا التعدد الصوتي إكمالا للبناء السردي، ووعيا بحدوده. فمارينا زوجة حمودة التي يصل جثمانها في بداية الفصل الأول المعنوّن (بلاص ديسكا)، لم يكشف النص عن ملامح لوجودها السابق إلا في الفصل الثامن من خلال صوت جليلة بابا، ولا تكتمل ملامح وجودها إلا من خلال صوت حمودة في الفصل التاسع، فندرك أنها شقيقة طوني، وابنة بيدرو، زوج جليلة بابا، حبيبة حمودة. فما تخلقه تقنية الأصوات في هذه الرواية ليس إلا توزيعا للكون الروائي وفق محددات واعية، وهي هنا ليست قائمة على الاختلاف أو التضاد، لكنها قائمة على التكامل والتجاوب، فنراها آلية سردية مهمة في تشييد الكون الروائي، دون احتماء أو تأسيس لهيمنة أو واحدية راوٍ لا يخلو من الانحياز.
تعدد الأصوات في رواية «بلاص ديسكا» ليس معنيا بتنازع أيديولوجي معرفي، ولكنه مهموم بإكمال البناء السردي، وتشكيل تلاحمه، ففكرة السفر وانتقال حمودة ومارينا إلى فرنسا، نجدها توقعا وحدسا مبنيّا على الحلم في نهاية الفصل التاسع على لسان حمودة، لكنها لم تتحوّل إلى حقيقة سردية إلا مع صوت إيفات صرفاتي في الفصل العاشر. واختيار الأصوات الثلاثة للقيام بعملية السرد اختيار مقصود، فلم يتبق من سكان البناية الذين عاينوا الحقبتين أو الطبقتين سوى هذه الأصوات، فالفصل الأخير يرصد تجمع الثلاثة من خلال سرده الموضوعي داخل شقة جليلة بابا.

البناء الدائري وتشكيل طبقتين

القارئ للرواية يلفت نظره أن نقطة بداية السرد- بعيدا عن الحكاية وآلية تمظهرها وبنائها- تتماس مع نهايته، من خلال تواز في الضمير السردي، والارتباط بالمكان بوصفه مرتكزا أساسيا، وبالزمن بوصفه لحظة فاصلة بين طبقتين. فالفصل الأخير يأتي مرتبطا بالغياب، من خلال راوٍ عليم، ويتساوق مع الفصل الأول. وفي كليهما يتجلى الآني بطبقته، وما بينهما من فصول سردية من خلال ضمير المتكلم المتناوب لشخصيات ثلاث يؤسس لحضور الطبقة المتلاشية بشكل قوي. فالتوازي بين عنواني الفصلين الأول والأخير يأتي كاشفا عن عقد رمز مهم، لمعاينة الاختلافات بين طبقة وطبقة، ويبدو بلاص ديسكا رمزا للمكان/الوطن في تجليه الأكبر الواسع، ولفقده واكتسابه جزئيات لا ترتبط بأهل البناية وسكانها، وإنما بهوية الشعب التي تتكشّف من خلال طبقتين متوازيتين.
الوقوف عند طبقة ثقافية تشكل مدرجا للتوجه والسلوك العام، معناه محاولة تثبيت واستحضار الطبقة، لنمط غائب يتشوّف إليه الجميع، والرواية تعرض لهذه الطبقة الحياتية، وتحاول دفعها إلى الواجهة والصدارة، من خلال بثّ الروح فيها من جديد. الصفة الأولى الغالبة على هذه الطبقة الثقافية الاجتماعية الموجهة للسلوك الفردي والجماعي يمكن أن نصل إليها من خلال مطالعة الأسماء الكاشفة عن التعدد في العرق والدين. فمعاينة أسماء مثل راشيل، وإيريس، وكريستيان، ونوعام، وبيدرو، وحمودة، وجليلة بابا، وإيفات صرفاتي، وصالحة، وألفريد باروش، وزعيف عتّال، ورؤول بيريز، وجوزيف رينو، تكشف عن وجود خاص يحفل بالتعدد، وقائم على التسامح وقبول الآخر.
فمعاينة الأسماء تكشف عن التعدد، في الأعراق والأجناس والأديان واللغات، فهي طبقة تشكل وجودا كوزموبوليتانيا خاصا، فالعقلية الموجهة لحركة السلوك داخل تلك الطبقة القديمة لم تكن تحفل بالتفريق بين الأجناس أو الأديان، أو بين مسلم أو مسيحي أو يهودي، فقد حدث نوع من الانصهار بين كل هذه الاختلافات التي لم يكن مطروحة للتناول والنقاش في اللحظة الزمنية لسيادة تلك الطبقة وتوجهاتها.
في الرواية أيضا تبئير على إظهار التجاور بين مقابر المسلمين والمسيحيين، وهذا التجاور يذكرنا كما جاء على لسان جليلة بابا المسلمة في مراسم دفن مارينا المسيحية بأن الله محبة. وجود الطبقة القديمة على هذا النحو من التعدد المنفتح على الآخر المغاير وقبوله، يباين بالضرورة الطبقة الراهنة التي تآكل خلالها مفهوم المواطنة تحت تأثير انتماءات مذهبية تقيم الحدود، وتؤسس لصلادة الاختلاف، تحت تأثير متغيرات حضارية وسياسية جعلت الآخر محاطا بتصوّر جاهز، ومحددا بأطر ثابتة مع كل نموذج.
ولكن تغيير الطبقة أو ظهور تباين في السلوك بين الطبقتين أو المرحلتين، لا يقف عند حدود تآكل التعدد والتنوّع العرقي، أو تلاشي التسامح وقبول الآخر. ولكن ياخذ التباين أو الاختلاف منحى آخر، يتشكل جانب كبير منه في ارتباطه بالذات، وشعورها بالاختلاف، في معاينة الجزئيات التي تشكل روحا أو هوية للمكان، وتحمل قيمة، وتؤدي دورا في تشكيل هوية المجموع، فأصوات الأشياء مختلفة، وأشكالها متباينة مع مثيلاتها في الطبقة السابقة. نستطيع أن نرصد ذلك في الأحاديث المتبادلة بين الأفراد، حيث يتشكل الاختلاف ويتحدد التباين واضحا.
ومعاينة وجهة نظر حمودة في الجزئيات الخاصة والمتاخمة لمبنى البلاص لها أهمية، لأنه عاينها وأسس ارتباطه بها في فترة سابقة، سواء كان الأمر متعلقا بالبار الخاص بالبناية، أو الكازينو، أو جبل (أبو قرنين)، أو صافرة القطار، فصور هذه الأشياء تأتي ممزوجة وملتحمة بشبابه، وبداية تعرفه الأولى على الأشياء، وصراعه مع الفرنسيين والانجليز قبل سفره إلى فرنسا، وعودته بعد أربعين عاما. ففي رؤيته للكازينو، يقدم تصويرا لافتا لحالته، وتشبيها بالغ الدلالة للحال التي وصل إليها، كاشفا عن التباين الواضح، فقد رآه على هيئة شيخ مقعد على أهبة الانهيار، وكأن جيشا من الغربان حطّ على طوابقه فمسخه. وقد تصلح المقارنة بين إحساسه ببلّاص ديسكا في ظل سيادة طبقته الأولى، وإحساسه به في ظل إحساسه الآني، وخيبته وإحباطه الشديدين. فقد عقد مشابهة بين شموخ البناية وقدرته على الفعل في لحظته السابقة، فقد كان يراه رجلا عملاقا، وفي اللحظة الآنية يستمرّ في عقد المشابهة بينهما، فقد تأثر كل منهما بالزمن، وأصبح يراه- على حد تعبير النص الروائي- عجوزا مثله، يلوذ بالصمت في غمرة الضجيج.

محمد عيسى المؤدب: «بلاص ديسكا»
ميسكلياني، تونس 2023
230 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية