تسفي برئيل
وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، مط السبت الماضي حدود الخطاب السياسي إلى حدود جديدة في لقاء لمجموعة الحوار الأمني المنعقد في عاصمة البحرين المنامة، بل وصل إلى مواجهة شديدة اللهجة مع ماكغورك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط.
“لو أن أي دولة أخرى نفذت، ولو جزءاً صغيراً، مما فعلته إسرائيل لفرضت عليها عقوبات من كل دول العالم… حتى الذين يعتبرون أفعال إسرائيل دفاعاً عن النفس يطلبون منها العمل في إطار القانون الدولي”، قال الصفدي. “هي لا تقوم بفعل ذلك. ماذا سنقول لها؟ هل نواصل القول لها بأن تفعل ذلك؟ هم يواصلون الرفض، في حين يستمر قتل الناس يوماً تلو آخر”.
الأردن في ضائقة شديدة منذ اللحظة التي بدأ فيها التحدث عن نقل اللاجئين من قطاع غزة إلى مصر. وهي الفكرة التي وقفت مصر ضدها كالسد عندما أوضحت بأنها لن تسمح “حتى بمرور لاجئ واحد” باستثناء الحالات الإنسانية. بعد ذلك، بدأ طرد السكان من شمال القطاع إلى الجنوب. وبدأ الأردن يساوره القلق من أن حكومة نتنياهو ستبدأ في المقابل بتنفيذ خطة “الوطن البديل” التي تقول بأن “فلسطين هي الأردن”، وهي الرؤية التي تهدد وجود المملكة الهاشمية.
“سنفعل ما استطعنا لوقف تهجير سكان قطاع غزة، لأن ما يجري هو جريمة حرب وتهديد لأمننا الوطني في نهاية المطاف”، أوضح الصفدي. وقد دعا حماس إلى إطلاق سراح المخطوفين، ولكنه في الوقت نفسه كان حازماً عندما توجه إلى ماك غورك، وقال له إن الهدن في القتال لا يجب أن تكون مرتبطة بإطلاق سراح المخطوفين. وحول إرسال قوات عربية إلى غزة، لم يقدر الصفدي أن يكون واضحاً أكثر من ذلك عندما قال: “لن يتم وضع أي قوة عربية في غزة”. بالتالي، بخصوص إرسال قوات عربية إلى القطاع بعد الحرب، هناك إجماع عربي كامل يرفض الفكرة، وإمكانية أن السلطة الفلسطينية “ستدير” القطاع مرفوضة كلياً من قبل نتنياهو. يحلق أمام هذه الأفكار اقتراح تشكيل قوة دولية أخرى تخول بإدارة القطاع.
قناة “كان” نشرت للمرة الأولى الخميس، بأنه حصل على “موافقة مبدئية” أثناء اللقاءات التي أجراها ماك غورك الأربعاء في إسرائيل، لوضع قوة متعددة الجنسيات في القطاع بعد الحرب. هذه ليست فكرة جديدة؛ ففي تشرين الأول قبل بداية العملية البرية في القطاع، اقترحت ألمانيا أن تتحمل الأمم المتحدة مسؤوليتها عن إدارة القطاع. بعد ذلك، تمت مناقشة الاقتراح كسيناريو محتمل للسيطرة على غزة. والآن في ظل عدم وجود خيار واقعي آخر، ربما سيكون لهذا الاقتراح احتمالية لمناقشة جدية أكثر.
لكن هذا الاقتراح، حتى لو تمت الموافقة عليه، لا يقدم أي رد على الفترة الوسيطة بين العمليات العسكرية الجارية الآن في غزة وبين إنهاء الحرب. كيف وعلى يد من ستتم معالجة مئات آلاف المهجرين الذين هربوا من شمال القطاع إلى جنوبه؟ من الذي سيقدم الخدمات الصحية التي أصبحت حادة في جنوب القطاع؟ كيف سيتم تنفيذ توزيع المساعدات التي ستصل إلى القطاع؟ وماذا بشأن السكان عندما تبدأ العمليات في جنوب القطاع بشكل كثيف والتي قد تمس بهم؟
سراب
ثمة سؤال حاسم آخر يتعلق بتعريف “نهاية الحرب”. لا تملك إسرائيل حتى الآن أي إجابة عما سيعتبر إنجاز الهدف وانتصاراً. تدمير بنى حماس التحتية، الإدارية والعسكرية، في شمال القطاع ربما يطور مواجهة واحتكاكات يومية تستمر أشهراً كثيرة. وسيظل السلاح في القطاع، ولن تختفي دافعية استخدامه.
أصبح “اليوم التالي” مفهوماً نظرياً، وموعده الملموس يرتبط بالضغط الدولي، وقرار إسرائيل السياسي حول متى سيتم الإعلان عن “إنهاء العمليات العسكرية”، كما فعل الرئيس جورج بوش الابن في نهاية المرحلة الأولى من الحرب في العراق، فقط من أجل أن يدرك بسرعة بأن العمليات العسكرية ستستمر سنوات كثيرة. ولكن مقابل العراق الذي تم تشكيل حكومة محلية فيه في البداية بتعيين من قبل الإدارة الأمريكية ثم بواسطة الانتخابات، فإن الوضع في القطاع مختلف كلياً. الانتخابات في القطاع، بشكل منفصل عن الضفة، أمر غير وارد، وإقامة إدارة فلسطينية مستقلة في غزة محض سراب الآن. ولكن لو افترضنا بأن تشكيل قوة متعددة الجنسيات، غير عربية، سيجتاز الاختبار النظري ويتحول إلى موضوع للنقاش الفعلي، فثمة أسئلة صعبة يتم طرحها: من سيكون مصدر الصلاحيات لهذه القوة؟ وماذا ستكون صلاحياتها؟ وماذا سيسمح لإسرائيل بفعله في غزة عند وضع مثل هذه القوة؟
لتشكيل قوة برعاية الأمم المتحدة، يجب على مجلس الأمن المصادقة عليها، بل ومنحها الصلاحيات حسب المادة 7 في ميثاق الأمم المتحدة. وحسب هذه المادة، فإن مجلس الأمن مخول باتخاذ كل الوسائل، السياسية والعسكرية والاقتصادية، لإزالة هذا التهديد وإعادة “السلام” في كل حالة تتضمن تهديداً أو اعتداء ضد السلام. هذا الفصل لا يفسر ما الذي يعتبر مساً أو تهديداً للسلام. وأي عملية عسكرية ستقوم بها الأمم المتحدة، ستحتاج إلى تنسيق ومصادقة من قبل لجنة عسكرية يتم تشكيلها لهذا الغرض، ويشارك فيها رؤساء أركان الدول دائمة العضوية في المجلس.
المثال الأكثر قرباً لإسرائيل بخصوص الصلاحيات العسكرية التي أعطيت لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يتضمنه القرار 1701 الذي أنهى حرب لبنان الثانية. وهو قرار لا يستند إلى المادة 7 بشكل صريح، لكنه قريب جداً من صياغتها. حسب هذا القرار، تمت زيادة قوة اليونفيل بشكل كبير، من 7 آلاف جندي إلى 15 ألفاً، وتم إعطاؤهم صلاحية العمل أيضاً بوسائل عسكرية لتطبيق بنود القرار التي شملت نشر قوات الجيش اللبناني على طول الحدود وانسحاب قوات “حزب الله” إلى شمال نهر الليطاني ونزع سلاح “حزب الله” ونقله للجيش اللبناني.
عملياً، لم يتم تطبيق أي بند من هذه البنود. والجيش اللبناني لا ينتشر على طول الحدود، وقوات “حزب الله” موجودة على الجدار، ونزع سلاح “حزب الله” يعتبر أمراً خيالياً، وقوة اليونفيل نفسها غير قادرة على الوصول إلى كل مكان على الحدود لتطبيق القرار؛ لأن “حزب الله” لا يسمح بذلك. ورغم صلاحيات هذه القوة، فإن مراقبي اليونفيل بقوا في وظيفة المسجلين ومقدمي التقارير عن الخروقات بدون قدرة حقيقية على العمل.
وضع قوة للأمم المتحدة في غزة، حتى لو تم تزويدها بالصلاحيات ذات الصلة، ربما ينتهي بمهزلة مشابهة، تلزم إسرائيل بمواصلة تدخلها في القطاع. وثمة احتمال آخر، وهو تشكيل قوة إدارية دولية تكون مسؤولة على الأقل لفترة متفق عليها من أجل إعادة الإعمار وتشغيل البنى التحتية في القطاع، في حين تبقى إسرائيل هي المسؤولة عن أمن القطاع. ولكن فصل الصلاحيات هذا أمر مستحيل تقريباً.
في مثل هذا الوضع، يصعب التوقع بأن إسرائيل ستتنازل عن صلاحياتها في السيطرة على كل البضائع التي ستدخل إلى أو تخرج من القطاع أو فحص جميع الداخلين والخارجين أو تحرير القطاع من الحصار الاقتصادي المفروض عليه منذ 17 سنة. من هنا، حتى لو وافقت إسرائيل مبدئياً على وضع قوة متعددة الجنسيات في القطاع، فليس فيه بداية لاتفاق على اليوم التالي، وهذا ليس أكثر من تلويح لا جدوى له بالضغط الدولي، وشطب لإمكانية سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع من جدول الأعمال.
هآرتس 19/11/2023