في الشتات الشاسع لا يملك الإنسان إلا أن يستعيد الوطن البعيد، بين حين وآخر. ولاستعادة ذاك الوطن، الذي قد لا تسهل العودة إليه، لا بل قد تستحيل، لأسباب شتّى، وسائل وشعائر وطقوس. فقد يستعاد بأغنية تُدَنْدَن، أو بأبيات شاردة من قصيدة، ما تزال عالقة في الذاكرة، أو بصور معلّقة على جدران المكان الجديد، أو تلك الصور المعلّقة على جدار الذاكرة.. وما أطوله من جدار، وما أكثرها من صور. وقد يستعاد الوطن بلقاءات وحوارات مع آخرين وأخريات، يستوطنون هذا الشتات، ابتعدوا، أو أُبْعِدوا، عن الوطن، لكنهم يقتربون كلما استطاعوا إليه سبيلا. وقد تبتسم الأقدار وتتضافر الجهود فيستضيف متحف أو مركز ثقافي فعالية أو معرضاً يشكّل نافذة مؤقتة تطل على ثقافة الوطن وتاريخه العريق. وهذه كلها محاولات لإعادة نسج ما مزّقه البعد الجغرافي والزمني، في اقتراب، وإن كان مؤقتاً، من مكان بعيد.
لا يستوي الشتات، فلكل شتات خصوصيّته وتاريخه وإحداثيّاته. كما له أوجاعه، ومسرّاته. فشتات الذين ينتسبون إلى بلاد مزّقتها الحروب و «تكدّست على صدرها الكوابيس» كما قال الشاعر العراقي سرگون بولص، لا يشبه شتات من ينتسبون إلى بلاد انزوت حروبها في الماضي، أو تلك التي تنعم بسلام منذ عقود، ولعلها لم تعرف الحرب أصلاً.
يغطي الشتات العراقي البسيطة بأكملها من نيوزيلندا إلى كندا. ليس غلواً أن نزعم أن للمهجر العراقي في الولايات المتحدّة تعقيدات إضافية واغترابا مضاعفا. فلم تكن حكومة هذه البلاد ومنظومتها السياسية يوماً محايدة، بل دعمت استخباراتها انقلاباً مشؤوماً ودموياً عام 1963. ثم دعمت النظام السابق الذي كان يجثم على صدور العراقيين في الثمانينيّات ويهدر ثروات البلاد وأرواحها في حروبه. وغضت النظر عن جرائمه الداخليّة، كما هو ديدنها مع عشرات الأنظمة في جنوب العالم، ثم عادت ونقلته إلى خانة الأعداء حين عبر الخط الأحمر باحتلال الكويت عام 1990. وشنّت أولى حروبها عام 1991 ودمّرت البنية التحتيّة بقصف متوحّش أعاد البلاد إلى العصر ما قبل الصناعي. وأعقبته بأقسى حصار اقتصادي في العصر الحديث ظل مفروضاً حتى عام 2003. وقبل غزوها للعراق اختزل إعلامها وساستها شعبه وثقافته الغنيّتين بتنوعهما وعراقتهما إلى صور أحادية نمطيّة استلّت من أرشيف الاستشراق الجاهز دائماً، الذي عضده خطاب الحرب على الإرهاب ومعاداة العرب والمسلمين بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. ولترسيخ الاحتلال وشرعنته بثّ الإعلام السائد خطاباته التقسيميّة التي صوّرت العراقيين كطوائف متحاربة منذ الأزل تسكن بلداً مصطنعاً. فكم كرّر «الخبراء» والصحافيون مقولة إنّ العراق بلد «صنعته» بريطانيا من ثلاث ولايات عثمانية، وكررّها العراقيون وغيرهم وما زال بعضهم يردّدها. مع أن بدايات العراق الحديث كمنظومة اقتصادية واحدة تعود إلى القرن الثامن عشر، وحتّى إذا أشير إلى تاريخ العراق العريق فإن المقاربة تكون متحفيّة تُغَيِّب ثقافته الحديثة في القرن العشرين.
وإذا أضفنا إلى كل هذا التمزّق والدمار الذي عاشه العراقيون طوال سنوات الاحتلال والانقسامات والانحيازات الفئويّة التي تمأسست وتُرجِمت عنفاً وتهجيراً، ومن بعدها كوابيس داعش، فلنا أن نتخيّل حجم الذاكرة الجريحة التي يحملها كل عراقي وعراقية حيثما كانوا والحاجة إلى استعادة أوجه العراق الأخرى التي لا يمكن أن تغيب مهما ادلهمت سماء الحاضر أو الماضي القريب. العراق الذي ولدت واحدة من أولى نسخ الإبداع البشري بين رافديه، وبدأ حوار الإنسان مع الكون والأرض، لغة وشعراً وأسطورة ومعماراً.
في التاسع من شهر سبتمبر الماضي وقفتُ أمام إحدى أيقونات التراث الرافديني: مضيف مضفور من قصب البردي. لكنني لم أكن في العراق، بل في بقعة من شتاته الشاسع على قارّة أخرى. فالمضيف (أو بالأحرى أضلاعه وأجزاؤه) كانت قد لبّت الدعوة، وسافرت من جنوب العراق لتحط رحالها في بقعة على أرض جامعة رايس في مدينة هيوستن، قبلها بأسابيع كان العشرات، معظمهم من العراقيين، وبينهم عرب وأمريكيون أيضاً، قد تطوّعوا وعملوا لساعات طوال لكي يستقرّ المضيف ويستقبل زواره في الأشهر التالية، لكي يُستعاد العراق وتاريخه وثقافته في فعاليات شتّى. سافر المضيف من جنوب العراق وقَطَع البحار في رحلة مضنية طالت، كما تطول لكل المهاجرين من البشر، وتعرقلت واكتنفتها المخاطر، كما هو حال القادمين من بلاد ارتبطت في المخيال السياسي السائد بالعنف. من رحم البردي في جنوب العراق إلى البصرة ثم إلى دبي. أوقفت الباخرة في قناة السويس لأسبوع، وأسبوع آخر في كارتاخينا في كولومبيا، ولم يسلم القصب من التفتيش والحجز في مدينة هيوستن حيث «حجزت الباخرة وفكّكت أبواب وشبابيك القصب بحثاً عن متفجّرات!» كما ذكر الصديق عزيز الشيباني، صاحب الفكرة الرائعة وراعي المشروع.
كان من اللائق أن يحمل المشروع اسم سنان الشيباني (20 أيار/مايو 1994- 16 آذار/مارس 2023) الذي كرّس حياته للنضال ضد الظلم والاستغلال وللدفاع عن الحق في الحياة والكرامة والعدالة. ولد سنان لأب عراقي وأم سورية، وكان مسكوناً بالوطن (العراق والوطن العربي الأكبر).
لكن البردي حطّ الرحال ونهض المضيف ليكون أول مضيف يبنى خارج العراق. تعالت الزغاريد والهوسات في حفل الافتتاح وصدحت الموسيقى العراقية قبل أن يدخل الحضور إلى المضيف وقد ارتدى عدد منهم ومنهن الأزياء التقليدية العراقية. وبالقرب من المضيف أعد المتطوعون والمتطوعات دلال القهوة والخبز الساخن وحتى «الباگلّة» للضيوف. بالإضافة إلى طاولات تقدم معلومات عن الأهوار وتاريخ العراق وحضارته. كانت احتفاليّة رائعة جمع فيها المضيف المهاجرين العراقيين والعرب وأصدقاءهم من الأمريكيين. في موطنه الأصلي وعبر تاريخه كان المضيف حيّزاً اجتماعياً يلتقي فيه أولو الأمر وتدار فيه شؤون الجماعة وتناقش التحديات التي تواجهها. لكنه يكتسب بعداً وأهمية أخرى في هذا الزمن الذي يعاني فيه الكوكب وكل من وما يعيش عليه من تبعات الخراب الذي أحاقته أربع قرون من الاستعمار الاستيطاني ووحشية الرأسمالية، فالمضيف مثال ورمزٌ لحياة متناغمة ومتصالحة مع البيئة والطبيعة، يأخذ فيها الإنسان على قدر حاجته، ويحترم المكان وكل ما فيه، وهي تتناقض مع أيديولوجيا الحداثة التوسعيّة المتمركزة حول الفرد ومراكمة الثروات والاحتكار على حساب الآخرين والأرض وكل كائناتها، في كل مكان. وأرض المضيف هي الأخرى الآن ضحية تعاني، هي وأهلها، من آخر فصول هذه الأيديولوجيا وتمظهراتها وتبعاتها من طغيان وحروب وحصارات واندثار.
كان من اللائق أن يحمل المشروع اسم سنان الشيباني (20 أيار/مايو 1994- 16 آذار/مارس 2023) الذي كرّس حياته للنضال ضد الظلم والاستغلال وللدفاع عن الحق في الحياة والكرامة والعدالة. ولد سنان لأب عراقي وأم سورية، وكان مسكوناً بالوطن (العراق والوطن العربي الأكبر). نشأ وتشرّب منذ صغره قيم العدالة والإنسانية والوقوف ضد الظلم بكل أشكاله. وشبّ ناشطاً يدافع عن المهمّشين والمقموعين ويتظاهر ضد عنف الشرطة في مجتمع تجذّرت فيه العنصرية وتغوّلت الرأسمالية لتسحق الضعفاء. ألهم كل من حوله وكل من عرفه، من أصدقاء وزملاء ورفاق، وحتّى أساتذته، وهو يستنفر الهمم ويعبئ الناس للدفاع عن الوطن البعيد القريب وعن الشعوب المقهورة، فكان في مقدمة كل مظاهرة ضد الغزو والحرب، وضد العقوبات الاقتصادية التي ليست إلا حروباً بشكل آخر، وضد الظلم، سواء كان خارجياً أو داخلياً. كان ينحاز للفقراء والمشرّدين الذين حرموا من المأوى، في تكساس أو في بيروت، لا فرق. اعتقل أكثر من مرّة بسبب نضاله وتعرّض، هو وعائلته، لمضايقات الشرطة والأمن في الولايات المتحدّة، ووضعته المنظمات الصهيونيّة التي تراقب وتحارب الناشطين المدافعين عن قضية فلسطين على قوائمها. وما زالت تحاول تشويه صورته.
سلّح سنان حماسته والوفاء للجذور والقيم الإنسانية بالمعرفة والتحصيل الأكاديمي وانكب على دراسة تاريخ العراق والمنطقة. فتخصص في مرحلة البكالوريوس في الفلسفة وتاريخ الشرق الأوسط، وحاز بعدها شهادة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة تكساس في أوستن، ثم واصل دراسته العليا في القانون وكان على وشك التخرّج ليبدأ العمل محامياً في مجال حقوق الإنسان ليواصل نضاله.
زار سنان العراق وعاش في الهويدر، مسقط رأس أجداده، ليعرف أهله وشعبه عن كثب. كما زار لبنان وسوريا. وكان قلبه على وطنه البعيد وعلى فلسطين. ولعل روحه تحلّق اليوم في مكان ما تتظاهر ضد العدوان الهمجي على غزة الذي يحرم أهل فلسطين من حقهم في الوجود والمكان. فسلام عليه.
كاتب عراقي