ترامب وماسك: الرأسمالية الفاشية

حجم الخط
0

لا يخلو أي ظهور لترامب من مقولات وتصرّفات غريبة ومستهجنة، تظهر رقاعته واستخفافه وجهله، لكن هذه التصرفات والمقولات، ومنذ دخوله المعترك السياسي، ترسّخ شعبيته لدى قاعدته السياسية ومؤيديه. كما أنها ترسخ صورة وأسطورة الزعيم الذي يغيّر قواعد اللعبة، ضارباً بعرض الحائط كل الأعراف والتقاليد السياسية، ليعيد للبلاد مجدها التليد المتخيّل، وجبروتها وهيبتها، ويستحصل حقوقها المهضومة، بفرض وجباية الرسوم الجمركية شمالاً وجنوباً، وبابتزاز حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين.
ترامب هو الذي سينتصر للمواطن العادي (اقرأ: الأبيض) الذي ظلمته الحكومة الفيدرالية، وسيعيد للبيض كرامتهم بعد أن جاوز اليسار المدى! وبعد أن غالى دعاة حقوق الأقليات العرقية والجنسية، وحقوق المهاجرين، في المطالبة بالمساواة والعدالة. لكن النسخة المكررة من رئاسة ترامب تظهر بوضوح لا يفاجئ أنه سينتصر لطبقة أصحاب المليارات، وأن سياساته وقرارات حكومته الجديدة ستضرّ بمصالح ذوي الدخل المحدود قبل غيرهم. ففي حفل تنصيب ترامب كان أصحاب المليارات يشغلون المقاعد الأمامية، وجلس وزراء ترامب خلفهم في مقاعد الدرجة الثانية. ويهيمن الرجال البيض على تركيبة الحكومة الجديدة. للتزويق، هناك من هم من الأقليات، حسب التصنيف والشكل، لكنهم من ذوي الأقنعة البيضاء.
في أول اجتماع للحكومة الجديدة قبل يومين، احتكر ترامب المشهد، كالعادة، ليرضي نرجسيته، لكن اللافت أن النجم الثاني كان إيلون ماسك، أغنى إنسان في العالم، والمتبرع الأكبر لحملة ترامب الانتخابية بأكثر من ربع مليار دولار. وماسك هو المسؤول عن وزارة الكفاءة الحكومية، التي استحدثت مؤخراً. لم يتحدث وزيرا الدفاع أو الخارجية، ولا نائب الرئيس، الذين كانوا في الاجتماع بالطبع. فماسك، حسب الرواية الرسمية، هو رجل الساعة الذي يقود (هو وفريقه المكون من شباب يفتقرون إلى الخبرة) حملة لترشيق الحكومة الفيدرالية وتخليصها من الترهل والهدر، بهدف توفير أموال دافعي الضرائب وإعادتها لهم»، لكن معظم ما تعلنه وزارة ماسك الجديدة على موقعها من إنجازات وأرقام يتبين فيما بعد أنها غير دقيقة ومبالغ فيها. فقد تبين، مثلاً، أن ادعاء توفير 8 مليارات دولار بإنهاء عقود في سلطة الهجرة والجمارك، لم يكن دقيقاً والرقم الحقيقي هو 8 ملايين. والادعاء بتوفير 1.9 مليار دولار بإلغاء عقود وكالة التنمية الدولية (USAID ) وفّر 55 مليون دولار فقط. وهناك أخطاء جسيمة تتمثل بفصل موظفين وإنهاء عقود في وكالات ومراكز أساسية وحسّاسة، ومنها ما أقر به ماسك في الاجتماع الوزاري وهو، إلغاء التمويل لبرنامج محاربة “وباء إيبولا” في افريقيا. وهناك شكوك بأن فريق ماسك يستخدم أجهزة الذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرارات، ومعظم أعضاء الفريق من الشباب، الذين عملوا في شركات ماسك، لكن ليس لديهم خبرة أو معرفة بعمل الحكومة الفيدرالية وعقودها.

ترامب نشر مقطعاً من الواضح أنه من صنع الغباء الاصطناعي تظهر فيه غزة كما يريدها في مخيلته المريضة بعد أن تفترسها الرأسمالية والفاشية، بفضل آلة الإبادة الصهيونية

كما أن ماسك، وهو شخص معين وغير منتخب، يتصرّف بسلطوية وفوقية وكأن البلاد شركة من شركاته. فقد أرسل رسالة بالبريد الإلكتروني إلى كل موظفي الحكومة تطلب منهم أن يلخصوا ما أنجزوه في الأسبوع الماضي وإلا فسيتم فصلهم. ولم يرق الأمر لعدد من الوزراء، الذين أمروا موظفيهم بعدم الامتثال. وادّعى ماسك في اجتماع الحكومة بأن الهدف كان التأكد من أن الموظفين أحياء. لأن هناك أموات يستلمون الرواتب! لكن الخطر الأكبر في السلطات التي يتمتع بها ماسك والسقف الذي أعطاه ترامب لوزارته هو، حصول فريقه على رأسمال هائل من المعلومات تتعلق بالضرائب والضمان الاجتماعي لملايين المواطنين. وهناك تعارض مصالح هائل أصلاً في أن يشغل ماسك هذا المنصب، فشركاته تعتمد على عقود مبرمة مع وكالات ومؤسسات فيدرالية قيمتها 15 مليار دولار. كما أنه، مثل غيره من أصحاب المليارات، يستفيد من الدعم الحكومي وقوانين الضرائب المصممة لخدمة الشركات الكبرى. فشركة تيسلا التي يملكها ماسك كانت ستعلن إفلاسها عام 2019 لولا الدعم الحكومي. في 2024، كان دخل شركة تيسلا 2.3 مليار دولار، لكن ما سددته من ضريبة دخل كان صفراً.
يبسط الأوليغارشيون الجدد من أمثال إيلون ماسك ومارك زوكربرغ، صاحب ميتا، سيطرتهم على مناجم المعلومات وعلى المنصات التي تحكمها خوارزميات تعكس مصالحهم وتوجهاتهم الأيديولوجية، وتؤطر ما يراه ويستهلكه العالم من صور ومعلومات. وهي أيديولوجية فاشية في حالة ماسك (الجدير بالذكر أن جده المعجب بالنازية هاجر من كندا إلى جنوب افريقيا لإعجابه بنظام التفرقة العنصرية، الذي كان يحكمها آنذاك) والذي خاطب قبل أسبوعين تجمعاً لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الفاشي. وكان ماسك قد أدّى التحية النازية مرتين في إحدى حفلات تنصيب ترامب.
أما جيف بيزوس، ثالث أغنى رجل في العالم، الذي يملك، بالإضافة إلى شركة آمازون، جريدة «واشنطن بوست»، واحدة من أهم وأعرق الجرائد في الولايات المتحدة، فقد بعث برسالة إلى منتسبي الجريدة قبل أيام يعلمهم فيها «أن صفحات الرأي ستكتب يومياً دفاعاً عن ركيزتين هما الحرية الشخصية والأسواق الحرة، سنغطي مواضيع أخرى، بالطبع، أما الآراء التي تعارض هاتين فسنتركها للآخرين كي ينشروها». إنها الرأسمالية والفاشية في نسخها الأكثر توحّشاً والتي تتجسد بشاعتها في ترامب. ترامب الذي نشر مقطعاً من الواضح أنه من صنع الغباء الاصطناعي تظهر فيه غزة كما يريدها في مخيلته المريضة بعد أن تفترسها الرأسمالية والفاشية، بفضل آلة الإبادة الصهيونية.
كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية