أخيراً صدرت واحدة من روايات دراجو يانتشر (1948) مترجمة إلى العربية، بعنوان «تلك الليلة» (دار صفصافة) رواية صنعت نجاح الكاتب كواحد من أهم الروائيين في بلده سلوفينيا، وفي أوروبا إجمالاً، رواية عن ممهدات الحرب العالمية الثانية من منظور غير مسبوق، بحثاً عن امرأة تسمى فيرونيكا، وبين الصفحات تتسع رقعة الموت والخوف والاختفاء، وكل الحالات النفسية التي رافقت الحرب الكونية، من زاوية ما عاشه السلوفينيون، في يوغسلافيا سابقاً. لم يحك دراجو يانتشر عن الحرب من وجهة نظر المنتصر، بل من وجهة نظر المهزومين أيضاً، كل الشخصيات تتذكر فيرونيكا، كل واحدة منها تحمل فكرة عنها، يتفقون على سرد قصتها، وفي الأثناء يسردون سيرهم أيضاً، يتحدثون عن مشقة عيشهم وتفرقهم في حرب قسمت سلوفينيا إلى جناحين متناحرين. رواية تطغى عليها روح كئيبة، سوداوية، لكن حين نقابل دراجو يانتشر، نلاحظ أنه شخص منشرح، كثير الابتسام، في حالتين متناقضتين حين الكتابة أو بعدها. «الكآبة جزء من حياتي. وأظنها جزءا من حياة الآخرين. هناك مسحة حزن في حياتي، أتعايش مع الكآبة ولا أنفيها» قال. هذا الروائي بات اليوم من أكثر الروائيين حضوراً، أعماله تترجم كل عام، بل تقتبس أيضاً في المسرح، مع أنه يكتب بلغة سلوفينية لا يتكلم بها أكثر من مليوني شخص.
لغة صغيرة من أجل جمهور كبير
ليس سهلاً أن نكتب بلغة لا يستخدمها سوى عدد محدود من الناس، لكن ذلك لم يحد من قيمة أعمال دراجو يانتشر، التي بدأت في الظهور منذ عام 1974. «أن تكتب بلغة صغيرة لا يختلف الأمر عن الكتابة بلغة واسعة الانتشار، مثل الفرنسية أو الإنكليزية. كما إن اللغة السلوفينية لها تقاليد أدبية عريقة» يصرح. هذه اللغة التي تستقبل، كل عام، كتباً مترجمة أكثر من الكتب التي تكتب بالسلوفينية، لغة تزداد سعة بأعمال الآخرين وليس فقط المحليين، حركة الترجمة فيها في نشاط دائم، نقرأ فيها لكتاب من ثقافات أجنبية أكثر مما نقرأ فيها لكتاب من الداخل، بحكم انفتاحها وقدرتها على استيعاب الغير.
رغم انتشار أعماله في الخارج، لم يرض دراجو يانتشر بالكتابة الجاهزة، «حين أكتب لا أفكر في قارئ من بلدي ولا في قارئ في بلد آخر، أفكر في القارئ بالمطلق. القارئ في عمومه، الذي يتلقى الأدب بغض النظر عن منشئه الجغرافي أو هويته أو عقيدته» يضيف. لا يهمه قارئ بعينه، بل يهمه ماذا يقدم له، «قد لا يفهم قارئ أجنبي بعض التفاصيل عن حياتي في هذا البلد، لكن وظيفة الأدب أن نعرفه عما يجهله» هكذا يفكر، فمنذ نصف قرن لم ينقطع حضور هذا الروائي، منذ أن شرع في أولى محاولاته، في مدينته «ماريبور» يزاوج بين الرواية والكتابة للمسرح، اشتغل أولاً في الصحافة: «علمتني الصحافة الاقتراب من الناس، الاستماع إليهم، كل كاتب سيكون من صالحه العمل كصحافي». ويتذكر أول مرة نشرت فيها قصة قصيرة له في مجلة أدبية: «كان حدثاً حاسماً في حياتي. لاسيما بعدما سمعت آراء الآخرين في ما كتبت ونشرت» على خلاف آخرين بدأ دراجو يانتشر مباشرة من القصة القصيرة، لم يسبق له أن كتب شعراً، على الرغم من أن حياته تعج بالشعر والشعراء. «لاسيما عمر الخيام، أعود إليه كل مرة مثلما عودت نفسي على قراءة الشعر بانتظام. صحيح أنني لم أجرب نظم الشعر، لكن الشعر حاضر في رواياتي وفي لغتي» ذلك ما نلاحظه مثلاً في روايتيه «جاليري» (1978) ثم «فجر الشمال» (1984) التي يحكي فيها عن مسقط رأسه قبيل الحرب العالمية الثانية، كتب فيها عن الحب في وقت ساد فيه الحقد.
ليس سهلاً أن نكتب بلغة لا يستخدمها سوى عدد محدود من الناس، لكن ذلك لم يحد من قيمة أعمال دراجو يانتشر، التي بدأت في الظهور منذ عام 1974. «أن تكتب بلغة صغيرة لا يختلف الأمر عن الكتابة بلغة واسعة الانتشار، مثل الفرنسية أو الإنكليزية.
ضد الشهرة
دراجو يانتشر هو واحد من أهم الكتاب الذين وثّقوا الحرب العالمية الثانية أدبياً، تلك الحرب على الجبهة اليوغسلافية، مع ذلك فهو غير متحمس اليوم للعودة إلى تلك المرحلة، ويقول: «صحيح أن بعض أعمالي عن تلك الحقبة حققت نجاحاً، مع ذلك أشعر بأنني متعب من النجومية، لا أريد الركض خلفها، كل مرة أكتب فيها عن تلك الحقبة أجد نفسي وسط هالة من الاهتمام الإعلامي ومن القراء، أريد أن أخرج من تلك الدائرة» هذا اعتراف نادراً ما نسمعه من كاتب، رجل أرهقته الشهرة وتعب من إقبال الأضواء عليه، يود أن ينصرف إلى مواضيع أخرى، إلى قضاياه الوجودية، أن يكتب في الظل، بعيداً عن سطوة الإعلام وعن عباءة النجومية، ولم يكن ذلك سهلاً أن يصل إلى ما وصل إليه اليوم، فقد عاش يانتشر بين مرحلتين فاصلتين، ما قبل 1991 (استقلال سلوفينيا) وبعدها، ما بين زمن الشيوعية التي عرف فيها السجن (سجن في الحبس عينه الذي سجن فيه الغستابو والده) وبعدها، مع ذلك لا يبدو حاقداً على الشيوعيين، وهو الذي وُلد في عائلة عمالية: «لا أعتبر نفسي مناهضاً للشيوعية، بل قد اتفق معها في فكرة المساواة والعدالة الاجتماعية، لكن مشكلتها في الحريات، لم نكن أحراراً في ما نكتب أو في ما نفكر فيه» مع نهاية تلك الحقبة كان يفترض أن يجد الكاتب حرية أرحب، لكن ذلك لم يتحقق، ويضيف: «صحيح أننا نعيش حرية أفضل مما سبق، لكنها حرية مشروطة» حرية مقيدة، فقد ظهرت عوامل أخرى تضيق على الأدب، لاسيما منها سلطة المال، في هذا الزمن الرأسمالي، حيث أن المال هو ما يحدد العلاقات الاجتماعية، ويلعب دوراً في رسم صلة الأفراد في ما بينهم، «مما جعل الأدب يتراجع إزاء اهتمامات أخرى في حياة الآخرين، تراجع أمام الاهتمام بالسياسة أو الإعلام» رغم كل مساوئ الشيوعية، فقد كان الكاتب إجمالاً في وسط الاهتمام، سواءً موالياً للنظام فينال التشريفات، أو معارضاً لها فيكسب فضول واهتمام الناس والقراء أو المسؤولين.
أيام تونس
على خلاف مواطنيه، فالعالم العربي ليس غريباً عن دراجو يانتشر، وهو الذي قرأ وما يزال أعمال نجيب محفوظ، يتذكر علاقته بالفضاء العربي: «في شبابي زرت مرات تونس» ويواصل: «أتذكر زرقة السماء، لون البحر وصخب البازار، أتذكر منارات مساجد وصوت الأذان كل يوم» تكررت زياراته إلى تونس، مثلما زار مصر، ويواصل اطلاعه على كتب عربية كلما ترجمت إلى لغته الأم، أو إلى اللغة الإنكليزية، مفضلاً وظيفتيه كقارئ وككاتب أكثر من أي شيء آخر، فمطلع الشهر الماضي نقلت روايته «تلك الليلة» إلى المسرح، الذي غص بالجمهور، فقد نفدت التذاكر أسبوعاً قبل العرض، الذي دام أياما، مع ذلك فإن دراجو يانتشر لم يحضر، لم يشاهد عمله في المسرح، مثلما يرفض أن تحول أعماله إلى السينما، يقول إن المسرح لا يضيف إليه شيئاً ككاتب، ليس مولعاً بطلب شهرة أخرى، مكتفياً بالكتابة والنشر ورضي أن تقتبس روايته بحكم ثقته في المخرج المسرحي، يواصل حياته بعيداً عن الصخب، بين كلابه، وفي حبه للحيوانات، يفكر في كتابة ما لم يكتبه، في العودة إلى التاريخ، قصد تفادي فظاعة الراهن، في تجديد نفسه كل مرة، على الرغم من تجاوزه سن السبعين.
روائي جزائري