بانكاج ميشرا
«إننا لم ندّع أبداً تنوير صُنّاع الأحذية والخادمات»
(فولتير)
«الفرد المُحَرّر من قيود التقاليد استُعبد من قِبل الدولة الحديثة».
(ماكس ستيرنر)
الولايات المتحدة اعتبرت على الدوام وبوعي راسخ أنها أرض الحرية، حتى عندما كانت تعج بالعبيد».
(جورج سانتيانا)
القاهرة ـ «القدس العربي»: هل تستطيع المُسَلّمات السائدة مثل استقلالية الفرد والبحث عن المصلحة، التي وضعتها وقدّستها وروّجت لها أقلية محظوظة، أن تعمل لصالح أغلبية البشر في عالم مزدحم ومترابط؟ أم أن شباب اليوم محكوم عليه بالاندفاع، ككثير من الأوروبيين والروس في الماضي، يتأرجح بين الشعور بعدم جدواه والنزوات الانتقامية؟
من خلال هذه التساؤلات ينطلق الكاتب والناقد الأدبي الهندي بانكاج ميشرا ـ مواليد 1969 ـ في كتابه المعنون بـ»زمن الغضب.. تأريخ الحاضر» والصادر بالإنكليزية عام 2017، وترجمه للعربية مؤخراً معاوية سعيدوني، ضمن سلسلة عالم المعرفة، التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت. الكتاب رحلة طويلة في زمن التنوير الأوروبي، وكيف أنتج هذا الزمن محنة ما نعيشه اليوم، حيث يكشف المؤلف عن جذور الغضب والعنف والكراهية التي تسود العالم الآن، والتي تعود إلى القرنين الماضيين. فهناك الكثير من الإحباطات التي يشعر بها المهمشون الذين لم يجدوا ضالتهم في الحداثة كما تشكّلت في العالم الغربي، ثم انتشرت في أرجاء المعمورة، وبالتالي فالمشكلات التي يعاني منها العالم اليوم لا تخرج عن الحداثة، فظواهر مثل القومية، الإسلام السياسي، والإرهاب، تضرب بجذورها في فكر التنوير نفسه. «شهدت نهاية القرن التاسع عشر عبر العالم صراعاً قلقاً من أجل البقاء، وخوفاً عميقاً من الانحطاط.. غذت كل ذلك أيديولوجيات تبدو متناقضة، بل متصادمة، بيد أنها نمت في نوع من التعاضد، من قبيل.. الصهيونية، الأصولية الإسلامية، القومية الهندوسية، الإمبريالية الجديدة، البلشفية، الفاشية، والنازية».
دولة Fiume الحرّة
في آواخر عام 1919 نجح الشاعر والأديب الإيطالي (غابريالي دانونزيو 1863 ــ 1938) في الاستيلاء برفقة ألفي متمرد على مدينة (فيومي Fiume) مُعلناً تأسيسها كدولة حرة، محاولة لبعث الأمجاد الإيطالية من جديد، وقد استغل دانونزيو قدرته الخطابية وأداءه التمثيلي ـ تحيّة اليد الممدودة ـ هذه المظاهر التي استعارتها الفاشية والنازية، وكان كل من هتلر وموسوليني من أشد مؤيديه والمعجبين به. وقد جمع الرجل حوله الآلاف من المؤيدين، وسافروا بالفعل إلى مدينته المستقلة من عدة دول، مثل.. أيرلندا والهند ومصر، وكل من المحبطين ومهمشي الحداثة الذين رأوا في الديمقراطية لعبة مزورة يحركها ذوو المصالح والنفوذ. ورغم أن هذه الدولة الحرّة تم قصفها في آواخر عام 1920، إلا أن الفكرة لم تمت، وتطورت من القومية إلى عقيدة العنف والإرهاب، ومن هنا تبدو منطقية المقارنة بين دانونزيو والبغدادي زعيم «داعش».
روسو وفولتير
يشير الكاتب إلى اهتمام جان جاك روسو ـ خلافاً لكتاب القرن الثامن عشر ـ بوصف جوهر تجربة الحداثة الباطنية، كما يعيشها أغلب الناس «أولئك الذين اجتُثت جذورهم، والذين يعتبرون دخلاء في المدينة الكبرى التجارية الذين يحاولون إيجاد مكان لهم فيها، ويصارعون فيها بمشاعر معقدة يمتزج فيها الحسد والإعجاب والمقت والرفض».
على النقيض نجد فليسوف التنوير الأشهر فولتير وعلاقته بحاكمة روسيا المستبدة كاترين، التي اعتلت العرش عام 1762 «الذي تحوّل بعد مباركتها له قديس الأرستقراطية الروسية العلمانية، وعندما دخلت كاترين حرباً ضد بولندا وتركيا عام 1768 تحول فولتير إلى مشجع لها، وقد ادّعت أنها تحمي حقوق الأقليات الدينية في بلاد أعدائها، وهو ما اعتمده الإمبرياليون الأوروبيون لاحقاً في آسيا وافريقيا، حتى إن فولتير وصف مغامرة كاترين الإمبريالية بالحملة الصليبية من أجل التنوير».
خدعة التنوير
يصف الكاتب رؤية دوستويفسكي بعد قيامه بجولة في أوروبا الغربية، والذي خلص إلى أن «تكلفة هذه الروعة والعظمة هي مجتمع تسود فيه حرب شاملة بين كل أفراده، تنتهي بخسارة أغلبيتهم، وقد رأى في لندن عالماً متوحشاً يسكنه بروليتاريون متضررون شبه عراة ومتوحشون وجياع، غرقوا في الفسق والكحول لينسوا يأسهم. وعندما زار باريس ذكر أن (الحرية) وجدت لأصحاب الملايين و(المساواة) أمام القانون إهانة شخصية للفقراء، الذين يقفون أمام العدالة الفرنسية، أما (الأخوة) فهي خدعة أخرى في مجتمع تحركه غريزة الفردانية والعزلة وشهوة الملكية الخاصة..
ضريبة الإهانة
منذ نشأة الحداثة الأوروبية وتجلياتها أصبح هناك (آخر) يجب أن يمتثل أو يُعاقب، أو يتم نفيه في أحسن الأحوال، وهو ما عبّر عنه صمويل هنتنغتون في «صدام الحضارات» وتلميذه فرانسيس فوكوياما في «نهاية التاريخ» وأصبح النموذج الرأسمالي، الذي تمثله الولايات المتحدة هو المثال الأوحد، بغض النظر عن ثقل الولايات المتحدة، الذي اهتز مؤخراً، فالأمر فكرة بالأساس، وهو ما تحقق من خلال السوق العالمية، التي حسب المؤلف يبرمج فيها البشر لتحقيق مصالحهم الذاتية، دون تنازل، ويتوقون فيها لتملك الأشياء نفسها دون اعتبار لاختلاف ثقافاتهم ومزاجهم الشخصي. هذه (العولمة) أضعفت أشكال السلطة القديمة في الديمقراطيات الأوروبية كما في الأنظمة الاستبدادية، وأنجبت فاعلين كثيرين عبر العالم يصعب التنبؤ بسلوكهم، من القوميين الإنكليز والصينيين إلى القراصنة الصوماليين، مرورا بتنظيم الدولة الإسلامية.. «لقد أيقن النافخون في مزمار تنظيم الدولة الإسلامية بأن الرجال المهانين والمجروحين من الضواحي البارسية إلى مدن الصفيح في آسيا وافريقيا تم تحويلهم إلى مقاتلين مطيعين وجسورين، إذا مُنحت لهم قضية يحاربون من أجلها… خاصة إذا كانت هذه القضية ترتبط بمجد الإسلام ولو بخيط رفيع، قضية غايتها القضاء على عالم يقتل الروح، تسوده الرداءة والجبن والانتهازية والتسويات اللاأخلاقية». من ناحية أخرى كان لا بد من شيء يملأ الفراغ المعنوي والروحي، فتجلت فوضوية الروح الفردية، من خلال «مساع جنونية تعوض الديانات والمعتقدات الهادفة إلى السمو بالروح… وهي تظهر اليوم في البحث عن التضامن والحرية لإعادة بناء مجد الهندوسية المفقود، كما في الدعوة إلى بعث نظام الخلافة في الشرق الأوسط».
وفي الأخير تبدو رؤية بانكاج ميشرا أكثر واقعية من كونها تنظيراً، وما السخرية من اليمين أو اليسار إلا وقائع مؤكدة وخيبات لا يمكن تجاوزها وقد عانى الجميع ودار في فلك حداثة مأزومة منذ نشأتها، وما الأحداث التي يمر بها الشرق الوسط الآن إلا وجه من أوجه هذه الأزمة المزمنة. ويجب التنويه بأن هذا العرض المختصر لا يفي بكل موضوعات الكتاب وتشعب أفكاره واستدلالاته، ومن جهة أخرى يكشف دون قصد عن ضحالة المثقفين العرب أو المدّعين من أغلبية الأكاديميين والباحثين، الذين ينتحلون الأفكار والمناهج البحثية دون تقديم أي جديد، ويكتفون فقط بترديدها كالببغاوات، والزهو بالعيش عالة على العالم.