بيروت – «القدس العربي» : وكأن «الأشجار ترقص أحياناً» في عالمنا. هي تحاول استيعاب حالها المأزوم نتيجة هجمات عاتية تعرّضت وتتعرّض لها. وفي الحال الطبيعية للأشجار أنها تتواجد في حياتنا بدور الرقص الدائم. إنها رئة الحياة وزينتها.
في العرض، الذي قدّمه مسرح كون «الأشجار ترقص أحياناً» نجد أننا حيال جريمة لها مسرحها وأدواتها المتنوعة. ولها لحظة وداع ونعش يطوف ومرددون للمرثيات.
السحر هو البداية. ساحر غير محترف، نكتشف أسرار ألاعيبه سريعاً. مصفقون وقامة تنحني شاكرة. السحر يستحوذ على مساحة من العرض في بداياته، متكافلاً ومتضامناً مع الموسيقى وعازفيها. هم يحتلّون دوراً بارزاً في المسرحية، بل هم ركنه المتين.
تتعدد وسائط التعبير المسرحي في «الأشجار ترقص أحياناً» وجميعها يرثي حال مدننا. كانت هيروشيما هي الأساس والرمز والبداية في رثاء حال المدن. أسقط حالها لحقاً على مدن أخرى في شرقنا العربي. كانت دمشق الأولى، وتلتها بيروت بعد انفجارها المروع. وبين عرض بدأ في الربيع الماضي، وآخر انطلق في منتصف الخريف على مسرح دوّار الشمس، صارت غزّة مثالاً مضافاً يحكي فاشية العالم، واستسهال قادته دعم قرارات الحوار بالحديد والنار، ونهر الدماء.
أغصان الآس تتصدّر المسرح ومن حولها تنتشر مضخات تذكر بالحقول والبساتين. يرتدي الجميع الأبيض وكأنهم في مهمة طبية. تنتشر الأحذية بينهم. وحده الحذاء العسكري يأخذ حيزه المتسلط على المشهد، وكأنه هُزم للتو في معركة حامية الوطيس.
فتاة تغني باللغة المكسيكية، لحنا جميل يصلنا ونستسيغه، وكأنه يعنينا دون أن نفقه كلماته. إنه صدق حضور الممثلة وتماهيها مع كلمات تؤديها. الجميع يقف لها بالمرصاد. اسكات بقوة الأحذية. تنتشر الأحذية الملونة على جسدها وتكاد تدخل فمها. «سدي بوزك بالأحمر.. بالأصفر.. بكل الألوان». ويمكن للأفواه أن تقفل بخراطيم مضخات الماء ايضاً، وسبُل غيرها.
ينتقل المشهد إلى حالة من المرارة العالية. تتحوّل آلة الكونترباص إلى نعش. بدل أن يتزين النعش بالآس والأزهار، تعتليه الأحذية، ويطوف به أهل العزاء في ندب مؤثر.
سخرية سوداء تُعبّر عن معاناة متجذرة تعيشها شعوب بكاملها في عالمنا العربي. وثبُت بالتجربة الماثلة أمامنا حديثاً أن حرية التعبير التي كانت تُصدّر لنا من مكونات إنسانية وأنظمة سياسية غربية، ليست أكثر من شعار. شعار أبهر البعض لأسباب شتى، لكنه اللثام سقط وسطعت سياسة ازدواجية المعايير. ولم يعد ممكناً أن شتمنا بحرية التعبير وحقوق الإنسان.
«الأشجار ترقص أحياناً» عرض لفاجعة مهولة تتجسد أمامنا على المسرح. إنها اختصار فني لظلم انساني لامتناهي. نص مرن يمكنه أن يُسقط على أماكن وشعوب متعددة كما حدث مؤخراً، عندما صارت غزة مثالاً حياً مضافاً لهمجية الأقوياء. أطنان من القنابل الأمريكية أسقطت عليها، تفوق قنبلة هيروشيما وزناً. من الطبيعي أن ترقص الأشجار لكن كيف؟ عندما يسقط الظلم المتمثل بالسلطة، أية سلطة كانت. وعندما ينهزم الإستعمار الجديد المتمثل بالصهيونية العالمية.
«الأشجار ترقص أحياناً» سينوغرافيا وإخراج اسامة حلاّل. تدريب واشراف موسيقي خالد عمران وسماح بو المنى. آداء آبيغيل كارول، وخالد عمران، ورومي ملحم، وسماح بو المنى، وضياء حمزة، ومكسيم أبو دياب. تعرض على خشبة مسرح دوّار الشمس في بيروت.