«مجازفة العارف» مجموعة الشاعر السعودي محمد إبراهيم يعقوب: مرايا الشعرية والشاعر وثنائية الشكل

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوانه «مجازفة العارف» يشكّل محمد إبراهيم يعقوب منحى معرفيا، يرتبط بالكتابة والشعر والشاعر، وبالأشكال الشعرية، وما يتيحه كل شكل من خصوصية فنية في مقاربة الموضوع ذاته، فالنصوص الشعرية وفق مخطط بنائي خاص يكشف عن ارتباط الشعر بالوعي الإنساني، فهي تقدم معرفة بالعالم، وتتجذّر فيه، وتتغيّر صور هذه المعرفة طبقا لحالة الوعي، فكل جزء من أجزاء الديوان الثلاثة يؤسس مرآة لهذه الوعي من جانب، ومن جانب آخر يتعاظم على الشائع فيما يرتبط بالشكل الشعري، فهناك محاولة لإدخال شكلين شعريين داخل إطار من التجاوب والتجاور، وذلك من خلال زحزحة بنيته المستقرة إلى آفاق وثيقة الصلة بالأشكال الأخرى، وكأن هذه النصوص تحقق وظائف إبداعية نافذة خارج المحدّد، مستفيدة في كل ذلك مما تتيحه وتكفله الأشكال الأخرى.
وتناوب القصائد بين الشكلين الشعريين (العمودي والتفعيلي) في الأجزاء الثلاثة، قد يكون به نوع من التعمد، لإثبات الجدارة الفنية والمقدرة الشعرية، خاصة في ظلّ الإحكام اللافت لهذا التناوب. ولكنّ هناك سببا آخر قد تكشف عنه بعض النصوص التي تتخفّف فيها الذات من ثقلها، وتبوح بإشكالياتها الممتدة من بداية الوعي إلى اللحظة الآنية، فيتجلى للقارئ أن هذا التوزع الفني يمثل استجابة للتوزّع التكويني الخاص بالشاعر، فنراه مشدودا إلى خيوط وترابطات تشكل أنساقا موغلة في القدم، ربما أبعد من لحظته الزمنية وسياقه الحضاري، وهذه الأنساق تشكل معادل تكبيل وتنميط وتحديد مسارات، تتباين مع رغبة الشاعر الملحة في التوق والانسلال من هذه القيود والأنساق.
هذه المراوحة أو التناوب بين الشكلين، وما يتيحه كل شكل، جعلا أسئلة الديوان في ارتباطها بالشعر والكتابة وتحولاتها، مشدودة بشكل أساس إلى المنحى المعرفي، في كسر النمط التعبيري الجاهز، وهلاميته الجزئية التي تهدّد بنية القصيدة، بوصفها بنية متكاملة متضافرة العناصر والأجزاء والتكوينات، من خلال التبادلات الخفية بين الشكلين، وانزياح آليات كل شكل نحو الآخر.

بين شكلي اليقين والشك

ثمة قصدية في الفعل الشعري لنصوص الديوان، خاصة إذا استحضرنا العنوان (مجازفة)، وما يحمله من دلالة الفعل غير مأمون الجوانب أو النتائج، ويهدهد قلقه الوصف (العارف)، لأن مجازفة العارف أو العالم أو المدرك لخصوصيات كل شكل يجعله يقترب اقتراب محاذر، كاشفا عن القدرة لا العجز. في نصوص الديوان ثمة ظاهرة لافتة، تتجلى خاصة في النصوص التي تحاول الخروج عن الشكل المستقر، للالتحام بشكل لم تجرّبه، والإفادة من قدرة الشكل على خلق بنية كلية متلاحمة، وإسدال هيمنتها في مقابل التجزئة، واللهاث وراء المعنى الذي يشكل الضربة الدلالية بمفرده، بعيدا عن تساوقها أو عدم تساوقها مع السابق واللاحق، وهي ظاهرة تكاد تشكل وجودا لافتا في الشعر العمودي.
ولكن الشاعر- الشاعر الواعي- بكلّ الأشكال المتجاورة، تتولّد لديه قدرة على الإفادة من محددات ومنطلقات الأشكال الأخرى، وتتسرّب بالتدريج داخل نصوصه. ففي بعض النصوص نجد أن للتدوير وجودا لافتا. والتدوير في الأساس بنية ملتحمة بها الكثير من الانعتاق من المؤسس، فهي دلالة مترابطة تظلّ قيد التشكل المنفتح، وتظلّ مرجأة إلى نقطة الوقف في نهاية المقطع. ففي نصه (أسباب مؤجلة لشيء ما سيحدث) نجد أن اعتماد الشكل التفعيلي كان له دور في تحديد الوقفات الإيقاعية، وذلك لاعتماد النص على التدوير في المقطع كاملا، يقول النص في المقطع الأول: (نحن اعتياد لا يفسّر- موعد لم يأت بعد- مشيئة تسعى- خرائط لم تكن أبدا مماثلة لما في الأرض من ندم- سؤال واقف في الشمس- تاريخ الخسارات القديمة- وارتباك في الفرح).
من خلال التدوير المشدود إلى المبتدأ (نحن)، وتعدد الإجابة أو الإخبار عنه، في كل سطر شعري، يتشكّل لدى القارئ لهاث لمتابعة الدلالة في طور التكوين المستمرّ، فهي دلالة مرجأة يعاد تقليبها في كل سطر. والدلالة هنا لا تنحو منحى التحديد، بل مرتبطة بالتفلّت، لأن كل سطر شعري- أو كل توجه جديد في معاينة الذات الجمعية في محاولة الإجابة عن سؤال وجودي- يقدّم إضافة تزلزل السابق، وتفتت يقينه، من خلال الإضافة والتمدد.
التدوير- وهو آلية تركيبية وإيقاعية في الآن ذاته – سباحة ضد الوقوف أو الاستقرار، وضد المعنى أو الدلالة المنجزة، هو انفتاح دائم، وكسر لخطية التوازي الجزئي، وإن كان يخلق توازيات من نوع آخر، توازيات متجاوبة لا تتطابق، لأنها تمثل توازيات في الموقعية التي يتغيّر تشكلها مع كل توجه، وتختلف طريقة تمددها وتكوّنها في كل مرة. فالتوازيات في الشعر العمودي لا تخلو من ثبات وراهنية، لكنها مع التفعيلة توازيات منفتحة على التعدد. فالبيت الشعري بشكله القديم له سلطة الإنجاز والاكتمال واليقين، في حين أن التدوير مع السطر الشعري الممتد يخلخل هذه السلطة، ومن خلال التعدد يتولّد الشك في قيمة المنجز والاكتمال.
أما في نصوص الشكل العمودي فالقارئ يشعر باليقين الذي لا تشوبه شائبة في صياغة المعنى، فهذا الشكل يتجلى إطارا للمعنى الذي يحتفي بوجاهته وبجدواه، وكأنه ينبع من الحكمة المستقرة التي تتضمّن نصوصا متطابقة بالتكرار. ففي مثل هذه النصوص، وفي أبيات محددة تصلح نتيجة لأبيات سابقة، أو بداية نصية يتحرّك النص الشعري بعدها لإثبات مشروعية أسطرتها الدلالية يختفي المتكلّم بسطوته، والمخاطب بحضوره المتخيل المشارك في الحكم، لتتأسس الدلالة في وهج الغياب الموضوعي، وهذا الغياب يحمي الدلالة من انحياز المتكلم أو من حضور المخاطب، لكي يخلق منها من خلال الغياب المتحلل من ضميري الحضور (المتكلم والمخاطب)، إيمانا كليا، أو إنجازا دلاليا، يخترق المواضعات والتحديدات الزمنية، يقرّ به الجميع بعيدا عن تحديد فاعلية متكلمة أو مخاطبة.
فالغياب يحيل الحكم إلى نسق عام يتفق عليه الجميع، فحين يقول النص الشعري: (العبقرية أن نحاول مرة- في وسعنا ألا نعيق هباء- نحن النهايات التي لا تنتهي- سرّ التعلق أن نعود ظماء- تبقى الغزالة حرّة- ما لم تخف- والحزن أجمل أن يكون غناء)، ندرك أن حضور المتكلمين انفتاح على نسق المتكلم الفردي أو الجمعي، لكنه يظلّ محدودا بوجهة نظر الفئة المختارة، ولهذا في البيت الثالث الذي يشكل الضربة الدلالية الجامعة والمؤسسة لكل ما سبق، نجد حضورا للغياب الذي يغيّب وجهة النظر المرتبطة بالمتكلم أو المتكلمين، ليجعل الحكم الدلالة مرتبطا بالجميع على اختلاف مشاربهم وأزمانهم.
مع بنية القصيدة العمودية هناك استقرار للمعنى، لأنها تشكل نوعا من الاستقرار الناجز، لا تتسرّب إليه بوادر الشك أو التمدد بسبب الحاجة للتعديل أو الإضافة، وتشكل نتاجا لذات ممتدة خارج التأطير الزمني، مؤمنة بتميزها، وقدرتها على تقديم رؤية مستخلصة من السابق، ومستندة إلى تراث هائل، تدور في آفاقه، ومن ثم تكون القيمة فيه للمعنى الجزئي الذي يتمّ تقريره، وتقديمه إلى المتلقي بوصفه سياقا أعلى، ويتمّ تأكيد هذا المعنى من خلال فاعلية التكرار أو التوازي، أو الختام بالمعنى القفل أو الإغلاق المشدود للحكمة، أو البداية به بوصفه حقيقة دامغة، ويتحرّك النص الشعري العمودي نحو إثبات مشروعيته وجدواه، من خلال معان ودلالات متوالية مشدودة إلى الذات الفردية، أو إلى الذات الجماعية.
ففي نصه (أسئلة الكتابة)- وهو نص عمودي- يظل نسق الغياب حاضرا من البداية إلى النهاية، ويظلّ كل بيت شعري طريقا لمقاربة فعل الكتابة، من خلال الإشارة إلى النص، وحس التشابه، والكثافة، وتتحوّل في النهاية إلى (كوميديا سوداء)، و(قهقهة الليل)، كل ذلك في بنية تقريرية موضوعية، تكوّن المعاني والدلالات بوصفها حقائق منجزة، وتتآزر معها التحامات مع ذاتية المتكلمين، لتأكيد دلالتها، ولتسويغ قيمتها، مثل: (الحب أجمل ما نلوذ به-إذا القلب انهزم)، أو قوله: (نصف التساؤل- ما نريد- وما أراد الله تم)، أو قوله:(هل نحن- إلاما تبقّى- من وجود في العدم). النص في مجمله يؤسس جذوره، سواء في أبيات الدلالة الناجزة بموضوعية الغياب، أو في أبيات الالتحام بالذاتي من خلال السقوط من الانسجام الروحي الذي تصنعه الذات من المتخيل بمراياه العديدة (وهي صورة دائمة الورود في نصوص الديوان)، إلى تشظّي الواقع، فهي موزعة بين عالمين، عالم يحقق انسجامها، وعالم يبعثرها.

المنحى المعرفي مرايا الشعرية والشاعر

الكشف عن المنحى المعرفي للديوان ربما يكون ماثلا في العناية بالتصدير الذي جاء مع كل قسم من أقسام الديوان الثلاثة، وفي عنوان الديوان والإهداء، ولكن الوقوف أمام تصدير الأجزاء الثلاثة ربما يكون أكثر فاعلية، لأنها مأخوذة بقصدية من كتاب (المواقف والمخاطبات للنفرّي)، وهي تشكل مواقف وحالات متباينة، بين قسيمين لا ينفصلان انفصالا تاما، ولا يتوحدان توحّدا نهائيا. وكتاب النفرّي بوصفه كتابا في التصوّف، له دور في إسدال نوع من القداسة على الشاعر، وعلى منجزه الشعري، أو على عمليات التطابق والصعود والتوحّد بين الإنسان والظل أو الشاعر، وأثر ذلك في اللغة الشعرية في لحظتي التوحّد والانفصال.
ويتأكد التوجه في التلقي من خلال فعل العودة إلى الذات والإنسان بعيدا عن الفناء الجزئي لحظة الكتابة والتوحد والفناء في مطاردة الخاطرة الشعرية والإمساك بها، فتلحّ الذكرى – وهي مؤشر إفاقة وإعطاء كل قسيم حدوده – كاشفة عن بوادر الانفصال: (لم يتذكّرا من تاريخ العلاقة غير جرح نازف- وتر يشدهما إلى جهتين صائبتين- لم يقفا على خطأ يبرّر ما تفتت في التفاتهما الأخير- تمسكا بالصمت- أسئلة النهاية مرة جدا- وفي اللغة انتباه موجع يصحو إذا انكشف السؤال).
وإذا كانت الخاطرة الشعرية في النص السابق تظلّ بتمامها واكتمالها وفتنتها، حتى بعد التعبير عنها، فإنها في نص (في التودد لمجازاتها) تأتي محمية بالرمز الأنثوي، وموصوفة بصفات تكشف لها التميّز والتعالي والتأبي. ويستمرّ النمط ذاته في نصوص، مثل (لوعة شرقية)، و(عملية قلب مفتوح)، و(من أجل ما لا أستحق)، حيث يشكل الشعر أو الخاطرة الشعرية نسقا علويا يقترب منه ويلتحم به الإنسان ويفارقه. فالكتابة توحّد بهذا النسق العلوي الذي يولّد البصيرة (تناهيت- أضلعي فوضى- وما رضيت- سمعت ما تفعل الفوضى وأبصرت)، ويصبح الإبداع الشعري في ظلّ ذلك تفسيرا لهذا التوحّد مع اللغز العلوي الشفيف، وتتحوّل الذات في ظل التوحدات أو الاندماجات على مسافات متباعدة إلى شخص يشبه الإنسان، ولا يشبهه في آن، يقول في قصيدة (لعنة المسعى) (في آخر المرآة- شخص- ربما يحنو عليك- وليس يشبه شخصك).
والنص الشعري إذا كان يشير إلى أن التناسخ هو قدر أي نصّ، وهويته الأساسية في كل كتابة، فهو يشير-ربما بدون وعي- إلى توالد الأفكار ذاتيا من بعضها البعض، خاصة إذا كان هناك يقين يجعل أسئلة الفن أو الشعر من بدء الخليقة واحدة، فهي أبنية دائمة حاضرة، في شكل إجابات عن أسئلة الفن، لكنها إجابات ليست نهائية، فهي مشمولة بالإرجاء الذي تتشكل حدوده بالنقصان والسعي نحو الاكتمال. والشعرية لدى الشاعر الواحد لا تتجلى على هيئة واحدة، بل على هيئة مراحل تكشف عنها مرايا الشعر والشاعر، وهي مرايا متجاورة، لها جذر واقعي تقوم بتقديم انعكاسات عديدة لتطور نصه الشعري ووعيه، ولهذا تشير بعض النصوص الشعرية إلى كثافة التعدد داخل الواحد الفرد.
فمرايا الشعرية في نص (الغريب) عديدة، بالرغم من كونها تعكس وجودا لفرد واحد، مملوء بالإضافات والصور العديدة للمتخيل الذاتي الذي يأخذ شكلا مختلفا في كل مرحلة، وفي تحولاته لا يطمس المراحل السابقة، فحين يقول الشاعر في نص الغريب (على المرآة آخر-كيف أحصي الذين عبرتهم- من غير عدّ) ندرك أن الصورة لتي تعكسها المرآة ليست واقعية فيزيائية، وإنما متخيلة وعديدة، لأنها منفتحة على كثافة السابق وشعريته، وانفتاحه على النموذجي الذي تخلقه الذات، ويضعنا النص الشعري (فردية تعلل نفسها) وجها لوجه مع هذا التصور الكاشف عن التصوّر المتعدد المختزن للظل في مقابل واقعية الإنسان (أنا ما انتهى منّي إليّ- ولم أكن سواي- ولكني- مرايا طبائعي).

محمد إبراهيم يعقوب: «مجازفة العارف»
دار تشكيل، الدمام 2022
215 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية