لقد كنّا بالانتظار. إذ أن ماكينة الدّعاية الصهيونيّة الجبّارة في الغرب التي تلعثمت لما يقرب الشهرين، بينما تنفّذ قوات الاحتلال الإسرائيلي وعلى الهواء مباشرة حرب إبادة جماعيّة ضد السّكان المدنيين في قطاع غزّة أثارت غضب الملايين حول العالم، كانت تبحث بلا كلل عن صيغة لاستعادة امتلاك زمام السرديّة الإعلاميّة، التي بدا لبعض الوقت أنّها قلبت الرأي العام العالميّ ضد الكيان العبري، رغم هيمنتها شبه الكليّة على معظم مصادر وأمهات صناعة الخبر العالميّ.
بالطبع لم يكن سهلاً لهذه الماكينة تبرير عدوان طرف مدجج بأحدث منتجات القتل الجماعيّ التي أنتجها الغرب ضد مليوني فلسطيني محاصرين منذ عقود وتسبب إلى اليوم بسقوط ما لا يقل عن 60 ألفاً بين شهيد وجريح، سوى تشريد غالب سكان القطاع من منازلهم، وحرمانهم من الغذاء والماء والكهرباء، مع استهداف أعمى للمستشفيات والمدارس ودور العبادة والصحافيين وسيارات الإسعاف، دون تمييز، فيما سقطت سريعاً أساطير حاولت ترويجها عن قتل المقاومين الفلسطينيين إبان هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول لأطفال رضّع وقطع رؤوسهم، وانكشاف حقيقة قصف الجيش الإسرائيلي المرتبك حينها لمرتادي حفل موسيقي تصادف عقده مع هجوم المقاومة.
على أيّ حال، لم يك هذا العدوان الأحدث على غزّة أوّل الحروب الهمجيّة الإسرائيلية ضد شعوب المنطقة، بداية من جرائم عصاباتها قبل تأسيس الكيان، ولاحقاً عبر تاريخ طويل من الحروب وأعمال الغزو التي استهدفت إلى فلسطين، كلاً من مصر وسوريا ولبنان والأردن. لكنّها قد تكون المرّة الأولى التي توثّق فيها الجرائم الإسرائيلية بشكل شبه لحظي، لا عبر شاشات التلفزيون فحسب، بل – وهو الأخطر والأهم – عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أمكن للسكان العاديين في القطاع التقاط وبث مشاهد حصاد القصف الإسرائيلي وقت حدوثها، ومن ثم انتشارها كالنار في الهشيم لمئات الملايين حول العالم، وهو أمر لم يتوفر سابقاً، مثلاً في عدوان 1982 أو 2006 على لبنان.
لقد أصيب الكيان وداعموه بقلق عميق من فقدانهم السيطرة على السرديّة الإعلاميّة بعد أن تحولت تلك المواد المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعيّ إلى أداة تثوير للجمهور العاديّ دون إيلاء كبير اهتمام للاتهامات الفارغة المعهودة بـ«معاداة الساميّة»، فانخرط ملايين الغربيين – لا سيّما الأجيال الشابة منهم – بمسيرات في الشوارع واحتجاجات في الجامعات ووقفات في محطات القطارات الرئيسيّة والساحات العامة تدعم الفلسطينيين وتدعو إلى وقف فوريّ لإطلاق النّار لدرجة أنّ الحاخام الأكبر في بريطانيا، إفرايم ميرفيس، ألقى خطاباً خلال تظاهرة مؤيدة لإسرائيل في لندن اشتكى فيه علناً من غلبة المحتوى الذي يتصدى لجرائم الكيان العبري على تبادلات مواقع التواصل الاجتماعي، وأضاف علناً أمام شاشات التلفزيون «يجب أن نعلّم الناس أنه يجب عليهم استخلاص استنتاجاتهم من (الحقائق التاريخية – على حد تعبيره دائماً) وليس من وسائل التّواصل الاجتماعي».
لقد حاول الصهاينة عبثاً استعادة المبادرة (والسرديّة) عبر سلسلة من تظاهرات مؤيدة للكيان العبري نظموها في مدن الغرب الكبرى: لندن وباريس وبرلين ونيويورك حشد من أجلها نجوم وسياسيون من الصف الأوّل وغطّاها الإعلام بكثافة، لكنّها جميعها بدت أقرب إلى محاولة يائسة للتعلق بقشة في وسط موجة صاخبة من التحركات الشعبيّة المؤيدة للفلسطينيين والداعية إلى حقن دماء المدنيين الأبرياء، وافتقدت إلى أي سند أخلاقيّ سوى استجداء وحدة (القيم) و(الثقافة) مع الغرب، في مواجهة (البرابرة) و(أعداء الحضارة) و(دعاة الكراهيّة). إلى آخره من قائمة المصطلحات المفرّغة من المضمون، وزادها تقعراً، التعامل الإنساني لرجال المقاومة الفلسطينية مع أسراهم، واستعدادهم لمبادلتهم مع الأسرى الفلسطينيين المعتقلين ظلماً في السجون الإسرائيليّة.
كل ذلك، حتّم على ماكينة الدّعاية الصهيونيّة البحث عن حكاية أخرى.
وجدتها: إليكم أسطورة «العنف الجنسي»
وأخيراً تفتقت أذهان الصهاينة عن حكاية جديدة لصرف الأنظار عن جرائمهم بحق سكان غزّة. إنّها أسطورة (عنف جنسيّ) مارسه رجال المقاومة على النساء لدى تنفيذ هجومهم على المستوطنات الإسرائيلية.
وعلى الرّغم من «سي أن أن» وأخواتها من أبواق الدّعاية الصهيونية الأكبر أكّدت عند نقلها الحكاية المزعومة عن انعدام الفرصة للتحقق بشكل مستقل من مجمل الادعاءات الفرديّة والرسميّة الإسرائيليّة بهذا الشأن،فإنها أدرجت تحفظاتها بشكل نص صغير في ثنايا تردادها لتلك الادعاءات، التي ما لبثت وقفزت، بقدرة قادر، إلى مقدمة الحدث في نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية ونقاشات المؤسسات الدّولية وعلى حساب أنباء المذبحة المستمرة في قطاع غزّة.
وتقتصر مصادر الاتهامات على رواية تروجها السلطات العبريّة، نقلاً عن محققين في الشّرطة الإسرائيلية ومعنيين بالبحث والإنقاذ، يدّعون أنهم عثروا على أدلّة واستمعت لشهادات (ناجين) عن استخدام ممنهج للعنف الجنسي من قبل المقاومين الفلسطينيين ضد (ضحاياهم) من الإناث. وقد نفت حركة حماس ذلك جملة وتفصيلا.
وعلى الرّغم من أن استخدام العنف الجنسي الموجه للنساء في إطار الحرب ممارسة قديمة – ومدانة دون تردد – فإن الصيغ التي تصفها الروايات الإسرائيلية تبدو أقرب إلى أفلام الأسيكوباث الأمريكيّة منها إلى اعتداءات جنسية يقوم بها مقاتلون أفرادا يتوقعون هجوماً معاكساً في أيّ لحظة من قبل آلة الحرب الإسرائيلية الهائلة.
وقد عرضت الشرطة الإسرائيلية على الإعلاميين شريط فيديو قالت محطة «سي أن أن» إنّه غير واضح – وعلى الأغلب أنّه ملفّق – لشهادة من قالت إنها إحدى الناجيات، وادعت أنّها رأت مسلحين (فلسطينيين) يغتصبون امرأة (إسرائيلية) يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول قبل أن يقطعوا ثدييها (وهي على قيد الحياة)إ وادعت الشرطة أن جثث فتيات في موقع مهرجان «سوبر نوفا» الموسيقيّ تظهر تعرّضهنإلى عمليّات اغتصاب متكررة – على الرّغم من أن شهادات عدة موثقة كشفت أن القتلى من رواد المهرجان سقطوا أساساً نتيجة قصف الجيش الإسرائيلي.
إليكم القصّة، فليبدأ العمل .لكن وبغض النّظر عن المعلومات ومصداقيتها المهزوزة إلا أنّها كانت كافية لإطلاق حملة بروباغاندا منسقة لضرب تضامن شعوب العالم مع الفلسطينيين تضمنت تقارير في مختلف القنوات الإعلاميّة عنونت دائماً بما يفيد ربط حركة (حماس) بالعنف الجنسيّ، وقفزت إلى اللعبة جماعات حقوق المرأة الإسرائيلية، قبل أن ينقلها الذراع الدبلوماسيّ للدولة العبريّة إلى قاعات الأمم المتحدة دون تحفظات ظاهرة عن مدى دقة الادعاءات الإسرائيلية. وشنت الدولة العبريّة هجومات إعلامية لاذعة على المنظمات الدوليّة التي لم تتبن ادعاءاتها بالكامل.
آخر الملتحقين بركب جوقة مروجي الأسطورة العبريّة الجديدة كان الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي سارع إلى إدانة (حماس) بسبب «العنف الجنسي المروع خلال هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول على إسرائيل»، وأشار في حديث له أمام تجمع انتخابيّ إلى أن «ناجين وشهودا تحدثوا عن نساء اغتصبن مرارا وتكرارا وشوهت أجسادهن وهن على قيد الحياة، بقسوة لا يمكن تصورها»، داعياً العالم إلى إدانة مثل هذا السلوك «دون مواربة»، و«دون تحفظات».
نسي بايدن، أنّه قبل شهرين، تنطّع أيضاً لتأكيد رواية قتل أطفال إسرائيليين رضّع وحزّ رؤوسهم، ليتبيّن لاحقاً أن تلك كانت مجرّد أكاذيب واختلاقات لم تتوفر لها أيّة أدلة على صحتها ما أستدعى لاحقاً سحبها من التداول. فكيف سنصدقه الآن؟
من الجليّ أن الكيان الصهيوني متأزّم ليس عسكريّاً فحسب، وإنما إعلامياً أيضاً، ولعله من الضروريّ في هذه الأثناء الاستمرار في كشف جرائم العدو المتوالية في غزة ونقلها إلى العالم، فهذا وحده – مع العجز العربيّ شبه الشامل – ما يزعجه، ويدفعه إلى اختلاق الأكاذيب.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن