تصوراتنا عن الشجاعة تفضحنا

نحن لا نملك التصوّرات نفسها عن القيم ذاتها، لأمور كثيرة منها الذهني ومنها الثقافي، ففي المستوى الذهني تصوراتنا عن المواضيع المجردة ليست في التماثل نفسه عن تصوّراتنا حول الأشياء الماديّة، فمن المتفق فيه أنّ تمثلاتنا في العالم عن القلم واحدة، فتستطيع أن تتعرّف وأنت في اليابان أو في موزمبيق على القلم والصحيفة والكرسيّ، لكنّ الأمر لا يحدث بالتطابق نفسه حول القيم أو غيرها من المفاهيم المجرّدة. بالإضافة إلى المستوى الذهني الذي سنعود إليه بالتحليل، فإنّ المستوى الثقافي يتدخّل في تنويع تصوّراتنا للقيم، فعلى سبيل المثال ما كان يُتغنّى به من شجاعة وبسالة، كان في القدرة على أن تصارع جبارا فتصرعه، أو الخبرة حمل السيف وفنّ القتال، وصار اليوم ينظر إلى الشجاعة، التي هذه هي عناصرها على أنّها خروج على القانون وارتكاب للجريمة. فلكلّ ثقافة شجاعتها، ولكل عصر شجاعته وتصوّر الناس عن تلك الشجاعة مختلف بين العصور والأمصار.
ما يزال الناس اليوم يفتخرون بالشجاعة، ويمدحون بها، دون أن تكون لهم معايير عامّة تحدّدها، مثلما كان الأمر في القديم. لقد تعاملنا دهورا مع الشجاعة في الشعر القديم، لا على أنّها مشاهد دموية، بل على أنّها إقدام وإفراط البأساء تصل أحيانا إلى حدّ القتل بدم بارد؛ يقول عنترة بن شدّاد (فشككت بالرمح الأصمّ ثيابه/ ليس الكريم على القنا بمحرّم) ويضيف في سياق ثان (فتركته جزر السباع ينهشنه/ يقضمن حسن بنانه والمعصم). لا يصف الشاعر عدوّا لأمّته، ولا عدوّا لقبيلته إنّه يصف عدوّا على أكتافه يرتقي بذاته بطلا، حتى إن كانت المعركة يوما من أيّام العرب فإنّها تظلّ معارك لا تقبلها قرائحنا الحاضرة، حتى لو سلّمنا أنّ وراءها أسبابا قد تكون مهمّة في قيم عصرها وتوازنات جماعاتها. إنّ الحديث عن القتل بالشكل الذي تحدّث عنه عنترة هو مشهديّة تبدأ من أدنى الملابسة بشكّ الرمح على الثياب، وصولا إلى المقاتل وتنتهي بمشهد الطير إذ تأكل من معصمه الحسن، في صورة تخفي حقدا على جسد ينتقم من صاحبه قبل أن ينتقم منه عدوّه: بنان ومعصم حسن يقربه من جمال النساء وجمال النساء في الحروب يصيب في مقتل.
الشجاعة قيمة، لايكوف وجنسن قالا، لا يمكن أن تفهم القيم نظرا إلى طبيعتها المجرّدة إلاّ من خلال الاستعارات. الاستعارات عندهما ليست مُحسّنا بلاغيّا، بل هي مرتبطة بالذهن والإدراك أصلا، لذلك لا يمكن أن نفهم الشجاعة إلاّ إذا استحضرنا تجربة مادية بها نتصور معنى الشجاعة. وفي ثقافتنا علينا أن ننظر إلى الشجاعة على أنها فتوّة وفعل جسدي باطش في خارج عنيف. في الشجاعة يكون الجسد هو الوعاء، الذي نفهم به هذا المعنى قديما، بأنْ يتدخل جسد قاهر أو سيف لا يكسر لفضّ نزاع ظالم. الشجاعة تقتضي أن تواجه عدوّا بلا خوف، وأن تنزل إلى الساحة التي عليك أن تنازل فيها بالسلاح عدوّا متغطرسا، دون أن تفكّر أنّ ذلك العدوّ يمكن أن يكون هو أيضا مدافعا عن نفسه. إنّ رؤية الآخر للموقف ليست مهمّة، فالمهمّ هو رؤية الذات وهي تتغلّب على عدوّ سيصبح بعد التغلب عليه رمزا للجبن.
الشجاعة في الشعر القديم هي ردّ فعل كما في بيت طرفة (وإنْ يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم/ بكأسِ حياض الموت قبل التّهدّدِ). الشجاعة هي قذف بالسهم على قذف بالكلام، وكلاهما حركة لا تفهم إلاّ بتفاصيل عمل الجسد.
الجسدنة في تصوّر لايكوف وجنسن هي، أنّ الجسد ليس كما في التصورات القديمة عرضي وعابر أمام العقل والروح، أو هو منزل يأوي إليه الذهن دون أن يؤثّر فيه؛ بل هو في التصوّرات الحديثة مؤثّر في سلوكه، وفي نشاطَه أحيانا. ولا يمكن أن تكون فاهما لقيمة الشجاعة إلاّ عن طريق فهمك لدور الجسد في توجيه الذهن إلى صناعة تلك القيمة.

لولا أنّ الذهن يعمل استعاريّا، لما استطاع المرء أن يدرك التجارب المعقّدة ومن العجب أنّه حين يتكلم، أو حين يستمع إلى غيره لا يشعر بأنّ تلك التجارب على جانب كبير من التعقيد، كيف لي أن أفهم أمّا وهي تتغنى بشجاعة ابنها العشريني قائلة (ها قد جاء الأسد) إن لم تكن أذهاننا استعاريّة تنقل تجربتنا مع الشجاعة بأدوات تجربتنا مع السباع الضارية التي لا تخاف شيئا، بل هي تهاجم، تبطش وتنتصر.

الشجاعة قيمة اجتماعية يسعى المجتمع بها إلى الفرد اختبارا، ويأتيها الفرد مرّة اختيارا ومرّات اضطرارا؛ وفي المجتمعات التي تؤمن بقوة الجسد تكون الشجاعة في التقدّم للذود والإقدام من أجل الفدى، لكنّ الشجاعة في هذه الثقافة تتربّى بين أفنان الجسد الذي يؤمن بأنّه غالب أو بأنّ له قدرا يصارع. في أغلب الثقافات القديمة الشجاعة قيمة تولّدها الرغبة في الحديث عن صاحبها بأنّه من مُلاَّكها: هي حديثُ الغائب بصفاتٍ يستملحها السمعُ؛ وهي شيء من تلميع صورة الفرد والدفع به للسير في مسيرة الأبطال. كان المتنبي صادقا حين قابل بين الشجاعة التي هي قيمة مجسّدة والذهن بما هو فعل فكري إذ قال (الرأي قبل شجاعة الشجعان / هو أوّل وهي في المحلّ الثاني). سطوة الرأي وتأخير الشجاعة عنه يمكن أن تعدّ محاورة لمراتبيّة الجسد بالنسبة إلى الرأي. وهذا التصوّر الثنائي للرأي والشجاعة أي لقوة العقل ولقوة الجسد، ينخرط في تصوّر رسّخه في التفكير منذ القرن 17 ريناي ديكارت، حين اعتبر أنّ الجسد والعقل متقابلان، وأنّ الجسد قابل بالطبيعة للقسمة، وأنّ الروح/ العقل لا تقبلها فهي كلّ لا يمكن تفصيله إلى أجزاء؛ فالعقل في سعي متسام نحو التعالي والكونية، بينما يكون الجسد ذاتيا ويسعى إلى الموت والتحَلُّل. وقديما تحرّك المتصوّفة في هذا الخضمّ حين حاولوا تعذيب الجسد من أجل تحرير الروح، هذه الثنائية نفاها العرفانيّون حين اعتبروا أنّ الذهن مُجَسْدَنٌ بمعنى أنّك ترى عليه آثار ذهنك: فحتى أعرف أنك شجاع عليّ أن أراك معاركاً محارباً من أجل شخص أو شيء، لكن عليّ أن أرى نفسي واقفا حائرا عاجزا عن أفعل ما فعلت؛ ففي انطلاق الجسد شجاعة وفي كبحه عن أن يفعل جبن. إنّ العرفان يمكن أن يتحدّد من خلال عمل الأجساد، ومن خلال تجاربنا التي خضناها في خارجنا بأجسادنا.
في حديثنا عن الشجاعة الفائقة يمكن أن نستعمل عبارة «فوق العقل» أو «أكثر ممّا تتصوّر» وهي عبارات مقبولة في الحديث عن سطوة الجسد الشجاع وأنّ المجال الذي يمكن أن يتحدّد فيه هذا المفهوم لا يمكن أن يحيط به عقل. لكنّ القوّة القاهرة تخرج بنا من مجال ما يتحمله الجسد إلى ما لا يتحمّله، وممّا يمكن للظروف أن تحيط به إلى ما لا يمكن أن يحيط به ظرف. القوّة القاهرة هي عبارة حديثة تقال عن شاغل يحجب الأجساد ويقعدها، ولا يمكن لأيّ قيمة من قيم الشجاعة أن تمنع حدوثها.
لولا أنّ الذهن يعمل استعاريّا، لما استطاع المرء أن يدرك التجارب المعقّدة ومن العجب أنّه حين يتكلم، أو حين يستمع إلى غيره لا يشعر بأنّ تلك التجارب على جانب كبير من التعقيد، كيف لي أن أفهم أمّا وهي تتغنى بشجاعة ابنها العشريني قائلة (ها قد جاء الأسد) إن لم تكن أذهاننا استعاريّة تنقل تجربتنا مع الشجاعة بأدوات تجربتنا مع السباع الضارية التي لا تخاف شيئا، بل هي تهاجم، تبطش وتنتصر. إنّ أشدّ المعاني تجريدا وتعقيدا من الممكن أن يروّض حين يمثّل فيزيائيّا وماديّا بواسطة تجارب نعيشها ونراها. إنّ تجاربنا البصريّة، أو المسموعة أو الملموسة هي التي تساعدنا على أن نبني تجارب مغرقة في التجريد: علينا أن نخاصم ونبطش، حتى نشعر أوّلا بأنّا أصحاب الأرض أو خاطفوها، وعلينا بعد ذلك أن نفهم ما معنى أن نصبح باسلين، بأن نستعيد تفاصيل البطش كي نفهم تفاصيل القيمة.
إنّ أغلب صورنا الاستعاريّة تفضح أصل إدراكنا لأنفسنا ولمحيطنا: إنّا حيوانات ضارية تريد أن يفتك بعضها ببعض لتصير شجاعة، أو لتحلم بالحريّة، أو لتكون في مكان تشعر فيه بالسلام. إنك وأنت تجرب قيمة بواسطة وسائل مادية تستحضر قيما أخرى مرتبطة بها وتستعيد دورك البدائي الذي كنت فيه من أوّل الخلق: شخصا يطارد ويصارع ويحارب من أجل أن يعيش لا غير.

أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية