من ينساك «غزة» فقد خرج من الدين والملة والإنسانية، من ينساك فقد نسي عشرات آلاف الشهداء ومعظمهم أطفال، وهل تحمل قلوب الأطفال حقدا ودمارا، كحقد الجيش الصهيوني ليكونوا الضحايا؟!
من ينساك، فقد نسي النعي الموجع ودرجات اليقين الأسطورية لمن فقدوا العشرات من الأبناء والأهل والأحبة. هكذا وبـ»هاشتاغ بالانكليزية» لن ننساك غزة» غرد الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي، في هذا الزمن العصيب لا تتسلل الفرحة إلى القلوب الخافقة والضمائر الحية، وبهذا الحجم من الضحايا والشهداء لا يمكن أن نفرح لـ»الدبكة»، التي تم تصنيفها على قائمة التراث غير المادي في اجتماع اليونيسكو في دولة «بوتسوانا»، لأنه وبكل بساطة حتى في لحظات الألم الأقصى رقص شاب فلسطيني محاكيا بدبكته رقصة «الشعوب الأصيلة» المتضامنة مع فلسطين.
عندما يصنف الجلاد ضحيته ويصفها بـ»الحيوان» يسهل ذبحها والتنكيل بها! عندما تتنازل البرامج الأممية عن «إنسانيتها» ولا تفزع لإطعام أطفال تحت القصف مدة زادت عن الشهرين، فما جدوى «التراث»، ثم ماذا يعني أن نصنف «ما يوجد في الصدور والذاكرة»، ومعالم غزة وآثارها العظيمة، وهي إرث للبشرية دمرت، ولم يحرك العالم «الحامي» أصبعا ولا رجلا لإيقاف «نزوات القتلة»، الذين تفرش لهم الأرض ورودا؟!
أين ضمير العالم في هذه «المعصرة» الدموية؟ وماذا بعد جولة «الإبادة العرقية» الأولى؟
كتب مصطفى عمر الشيقر، في صفحته على فيسبوك: «الجولة الثانية من المواجهة بين فصائل المقاومة والاحتلال الصهيوني لن تكون إلا نسخة من غزة المنتصرة، إن شاء الله. في البداية كنا نتحدث عن الجيش الذي لا يقهر، واختفت السردية وانمحت، الآن نتحدث عن أمريكا بكل ما تملك، والحمد لله البشائر متتابعة، لولا أن الشعب الغزاوي يؤدي الثمن على الصمت والتخاذل العربي، الشعب الغزاوي عريق، لا يمكن أن يتخلى عن أرضه وقدسه وأقصاه. لن ننساك فلسطين، إن شاء الله الأخبار السارة وافدة، مثل السحب، التي من شدة انتظار الأرض لها مجرد قطرة تبتهج وتبهج. إن شاء الله هاته الابتسامة تعود لغزة ولفلسطين. ننتظر، لن نيأس غزة إذا لم تجد في أرض العرب سندا، كان لها من الله مدد».
العرب و«الاضراب الشامل»
استعد العالم لإضراب عالمي شامل، للتنازل عن يوم عمل، عن عدم استعمال وسائل النقل، وعدم الالتحاق بمختلف المؤسسات من رياض الأطفال، مرورا بالمدارس وبمقرات العمل، كم خسر أهلنا في غزة من أرواح وممتلكات وكم من مدارس أفرغت ومستشفيات شلت، ومن دمار وذبح عشوائي؟!
اضراب يوم الإثنين العالمي، زعزع الأنظمة العربية من الداخل وزعزع مصالح المؤسسات العالمية، وشل ليوم واحد الشريان الاقتصادي المهرب من دمائنا نحو قتلتنا، نحن أولى بتبني إضراب الكرامة، إضراب الكينونة والوجود، الذي دعت إليه الضمائر الحية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لكن هذا يعني كل الشعوب الحرة والمتحررة، أما الشعوب غير القادرة على تنظيم مظاهرة مساندة لغزة ولفلسطين فهذا لا يعنيها في شيء، حرر نفسك قبل أي شيء». (من صفحة الحملة التونسية لمقاطعة المنتجات الصهيونية وكل دولة تدعم الكيان الغاصب). وكل أمنيات الشعوب العربية أن يستجيب العرب كحكومات لهذا الاضراب.
وبلهجة محبطة، كتبت سارة بوختالة: «الجزائر. استفسرت، ما لقيت حتى واحد عنده شوية تأثير في هذه البقعة البائسة الملقبة بـ»زينة البلدان» ينادي بالإضراب. على كل حال وإن كان صوتي لا يصل، فإني أدعو كل من يمكنه أن يؤثر على محيطه، كل من له صوت في النقابة المنتمي لها: المحامين، الأساتذة، التجار، العمال في مجال النقل. اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد».
فلتطمئني يا سارة، فالكل سمع عن الدعوة للإضراب، ها هو ياسين معمري، يكتب: «ندعو كل شعوب العالم وبالأخص العربية والمسلمة في دول الغرب إلى إضراب عام وشامل حتى تتوقف الحرب في غزة، أنشرها ولا تدعها تقف عندك». وقتها سيحس العالم ليوم واحد ما يحسه الغزاوي كل يوم، عسى أن تستفيق الضمائر الميتة.
وفي قناة «الواقع نيوز» على اليوتيوب، وتحت عنوان: الجزائر الدعوة لمظاهرات حاشدة عبر 58 ولاية دعما لغزة»، ومما جاء في التقرير: «دعما لأهلنا داخل غزة أطلق ناشطون دعوة عالمية عابرة للقارات للخروج في مظاهرات حاشدة في مختلف بقاع العالم دعما للشعب الفلسطيني، بعدما أصبحت القضية عالمية فاقت كل التصورات، وكغيرهم من أحرار العالم، فقد أشعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر المنصات الأمريكية للخروج في مظاهرات سلمية، دعما لأهل غزة والتعبير عن رفضهم لما يجري وغضبهم من صمت الحكام والملوك والرؤساء وعجزهم عن اتخاذ أي قرار ردعي ضد الكيان الصهيوني وأذنابه».
ويضيف تقرير القناة: «شدد النشطاء على ضرورة شل حركة الحياة والعجلة الاقتصادية في كافة الدول والهدف منه «أن يشعر الجميع أنه معني بشكل مباشر إثر العدوان على غزة» لتوقف الحرب الغاشمة على القطاع، الذي بات قضية عالمية.
وقال النشطاء إنهم «بدأوا بحملة من أجل الضغط في اتجاه الإضراب الشامل على مستوى العالم» في الوقت الذي يواصل الاحتلال استهداف المدنيين وارتكاب المجازر، إذ باتت كابوسا يؤرق العالم أجمع».
هل ستستجيب الدول العربية والحكومات لنداء شعوبهم وللنشطاء وتحترم إرادتهم؟ أم ستصم وستبكم وستعمى عن الحق وتطأطئ للظلم وللظالمين؟ كتب صلاح الدين بن نعوم: «العالم كله يستعد لإضراب شامل، وطبعا الشعوب العربية غير معنية»؟!
أما حروز بوعمامة الشعنبي فكتب منشورا جاء فيه: «يا أمة الملياري مسلم ويا أحرار العالم وشرفائه هذا هو يومنا لنثبت فيه لأنفسنا ولإخواننا وللعالم قدرتنا على الفعل من خلال تلاحمنا وتكاتفنا وتعاوننا. لنثبت للعالم كله أننا أمة قادرة ولها قدرها ومكانتها بين الأمم، وذلك من خلال تنفيذ إضراب شامل في كل أنحاء العالم نصرة لأنفسنا وأهلنا وقضايانا. لتكن أنت المبادر وأنت الفاعل، قم بدورك ولا تنتظر الآخر، فأنت هو الآخر الذي تنتظره، تحرك وسيتحرك الجمع».
نعم تحرك، والغ أجنداتك ومواعيدك وتسلمك جوائزك، الغ كل شيء وما أسهل أن تلغي فعالية في أوطاننا، ولا تقولوا كما قلتم سابقا «الفعاليات كانت مبرمجة مسبقا»، ماذا ستخسرون أكثر من خسارة غزة، آلاف الشهداء وجلهم أطفال وتخريب ممنهج للبنى التحتية والفوقية ومصير مرعب لكل المنطقة؟!
٭ كاتبة من الجزائر