غزة -«القدس العربي»: تمضي الحرب الإسرائيلية التي تشنها دولة الاحتلال ضد قطاع غزة، بعد يومها الـ 70 على ذات النهج الدامي وبشكل أعنف، دون أي رد فعل دولي يساوي قوة الفعل، لتزهق أرواح جديدة من الأطفال والنساء والرجال، من الضربات التي توجهها آلة الحرب الإسرائيلية، والتي أعادت القطاع عشرات السنين إلى الوراء.
ومع شروق شمس كل يوم جديد على قطاع غزة، تزداد المحنة والمأساة الإنسانية، كما يزداد حجم الدمار الكبير الذي تخلفه الآلة الحربية الإسرائيلية سواء الطائرات الحربية النفاذة، ذات الصناعة الأمريكية المتطورة، والتي تحمل صواريخ أمريكية أيضا، لم تنقطع عبر جسر جوي متواصل منذ بدايات الحرب، أو تلك التي تحدثها الدبابات والجرافات الإسرائيلية التي تتوغل في الكثير من مناطق القطاع، بعد أن تدمر الأحياء السكنية وتحول منازلها التي كانت عامرة بالسكان، إلى قطع كبيرة من الخرسانة.
خطط حكومة تل أبيب
ورغم مرور هذه الأيام الطويلة على الحرب التي عايش فيها السكان البداية في ظل أجواء حارة صاحبت انقطاع التيار الكهربائي، وحاليا في ظل أجواء باردة جدا وماطرة، تترافق مع زيادة أعداد النازحين قسرا من مساكنهم في مناطق غزة والشمال وخانيونس والمناطق الشرقية للقطاع، في ظل عدم توفر الأماكن المناسبة لإقامتهم، ولا ما يقيهم من لسعات البرد ويحميهم وأطفالهم من الأمطار، بعد أن بات الكثير منهم في العراء، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في أكبر عملية نزوح يواجهها الفلسطينيون منذ نكبتهم الأولى على أيدي العصابات الصهيونية عام 1948، إلا أن قادة دولة الاحتلال وجيشها، ما زالوا يتوعدون غزة بشتى أنواع العذاب، مستندين إلى الدعم الأمريكي، الذي لم يكترث إلى حجم المأساة الإنسانية، ولا عدد الضحايا في صفوف الأطفال والنساء وفي كبار السن.
وفي دلالة على ذلك، كانت تصريحات رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي أدلى بها مؤخرا، جاءت بعد أيام من تعطيل واشنطن بـ “الفيتو” مشروع قرار في مجلس الأمن، يدعو لوقف فوري للحرب، حيث قال نتنياهو، إنه بعد أن أجرى محادثات حثيثة مع الرئيس بايدن وفريقه “تلقينا دعما كاملا للتوغل البري، ولصد الضغوط الدولية التي مورست من أجل وقف القتال”.
وفي ذات التصريحات أظهر نتنياهو شيئا من مخطط حكومته، وهو يتحدث عن خطته السياسية بعد الحرب، والتي بدت أنها تقوم على أساس تكريس الاحتلال وإطالة أمده، وعدم إعطاء الفلسطينيين الحق في إقامة دولة مستقلة، وفقا للقرارات الدولية، حيث قال فيها وهو يشير إلى رفض الانخراط في أي عملية سياسية تقود إلى حل شامل، إنه “لن يسمح أن تدار غزة بعد الحرب من قبل من يدعم أو يمول الإرهاب” وأضاف “لن أسمح بأن تكون غزة بعد الحرب فتحستان” ويقصد أن تقاد من قبل حركة فتح التي تتزعم السلطة الفلسطينية، كما رفض أن تبقى غزة تحت إدارة حماس التي سماها “حماستان” وأعلن أن قطاع غزة سيكون تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية بعد الحرب، وقال نتنياهو “ستنشئ في قطاع غزة بعد الحرب إدارة مدنية”. مشددا على أنه لن يستسلم للضغوط الدولية.
ولم تختف من تصريحات نتنياهو لغة التهديد التي وجهها لقيادة السلطة الفلسطينية، حين لوح بيده التي تقطر دما من غزة، بالعمل العسكري ضد أجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة، باعتبار أن مشهد القتل في القطاع ما زال حاضرا، ويمكن به أن يخيف كل من يقف في وجه مخططه، حيث جاءت تهديداته هذه على شكل توقعات باحتمال وقوع صدامات مسلحة بين قواته العسكرية وأجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة، وهو ما يكشف عن نواياه المستقبلية.
والمعروف أن تسليح وعتاد جيش الاحتلال، يجعل من أي مواجهة مع أجهزة الأمن الفلسطينية، معروفة العواقب قبل بدئها، غير أن ما فهم من تلك التصريحات التي أشار فيها أيضا إلى عدم بقاء “اتفاق أوسلو” للسلام، تشير إلى النوايا المبيتة، لتفكيك السلطة الفلسطينية، حال استمرت في المواجهة السياسية الحالية.
وتلا ذلك أن أعلن وزير جيشه يوأف غالانت، إنهم لا ينوون البقاء بشكل دائم في غزة، وإنهم منفتحون على مناقشة البدائل، بشأن من يسيطر على القطاع “ما دام أنه ليس من الجماعات المعادية”.
وللهروب من حجم “التنديد الدولي” لجأ قادة دولة الاحتلال، إلى الإعلان عن “تسهيلات جديدة” لإدخال المساعدات، تشمل تشغيل معبر جديد لفحص البضائع التي تمر لغزة، وهي مقدمة من دول ومؤسسات إغاثية عالمية، تشمل طرودا غذائية وأدوية، وكذلك الموافقة على زيادة قليلة في كمية الوقود التي تصل القطاع لأغراض إنسانية.
لكن التصريحات الأولى والثانية، دللت أن هناك مخططا إسرائيليا كبيرا، يقوم على أساس بقاء جيش الاحتلال في غزة أو على أطرافها، بدون أن يكون هناك أي تواجد فلسطيني، ما يفتح المجال للتكهن بأن المخطط يشمل اتباع القطاع لإدارة دولية، لا تخرج قراراتها من تحت الوصاية الأمريكية والإسرائيلية.
وقد قوبل هذا الأمر برفض فلسطيني واسع سواء من القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية، أو من حركة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة، وهو ما يفتح باب التوقعات بان تستمر مأساة الحرب والقتل والتدمير التي تمارسها دولة الاحتلال لأمد طويل.
تصاعد المجازر والنزوح
وإن كانت هذه المخططات التي وضعتها دولة الاحتلال بدعم من الإدارة الأمريكية، والتي يجري في هذا الوقت وضع آلية لتنفيذها، ما بعد اليوم الثاني للحرب، فإن السكان هناك في قطاع غزة، الذين يعيشون وضعا لم يعهد من قبل، يتساءلون عن الوقت الذي يتوقف فيه مسلسل القتل والدمار اليومي، وتتوقف فيه الغارات وأصوات الطائرات والمدافع، والتي تتصاعد يوما بعد يوم دون هوادة، وتوغل في دماء الأبرياء.
ففي هذا الوقت، وبعد مرور أكثر من 70 يوما على هذه الحرب الدامية، لا تزال الغارات الجوية، على ذات الوتيرة، من حيث القصف الجوي على مدار الساعة، ليشمل كل أنحاء قطاع غزة، بما فيها تلك المناطق التي تصنفها كذبا دولة الاحتلال أنها “آمنة” فيما توسع الهجوم البري، الذي كان قبل “الهدن الإنسانية” يتركز في مدينة غزة وشمالها، لتنضم إليه غالبية أحياء مدينة خانيونس جنوب القطاع، التي هجرها قسرا غالبية سكانها، إلى مدينة رفح الحدودية، التي أصبح العيش فيها أمرا صعبا، بسبب ارتفاع عدد النازحين، وانعدام كل مقومات الحياة، كما هو الأمر في مناطق وسط القطاع، التي لجأ إليها من قبل سكان غزة والشمال.
ويروي النازحون الجدد من مدينة خانيونس روايات مؤلمة عن الخروج من المنازل التي كانت حتى وقت قريب تأويهم من برد الشتاء، بعد أن باتوا في هذا الوقت يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في مناطق المواصي غرب المدينة، ورفح جنوبا، ومن بينهم من اضطروا للنزوح للمرة الثانية، بعد أن كانوا قد وصلوا إلى هناك فارين من معارك غزة والشمال، بناء على طلبات عسكرية إسرائيلية سابقة.
ويمكن أن يشاهد حجم المأساة ظاهرة في الشوارع وفي المناطق الزراعية وفي الساحات العامة، التي أقام بها بعض النازحون الجدد خياما بلاستيكية صغيرة جدا، ملتصقة، وأمامها أقاموا مواقد من النار لتجهيز طعامهم، وباتوا منهمكين يوميا في البحث عن الماء والطعام، وسط خشيتهم من القتل بالصواريخ.
وفي ظروف إنسانية صعبة للغاية يفتقر هؤلاء النازحون الجدد إلى الكثير من المستلزمات، أولها ما يضطجعون عليه وأطفالهم عند النوم ليلا فوق الرمال أو الأرصفة الباردة، وما يدفئون به أجسادهم، فيما يشتكي الجميع منهم وفي مقدمتهم النساء من عدم وجود دورات مياه في مناطق النزوح الجديدة.
وليس أولئك الذين يقيمون في “مراكز الإيواء” أفضل منهم حالا، فلم يضطر سكان الخيام البلاستيكية لها، إلا بعد أن لم يجدوا في تلك المراكز موطئ قدم، بعد أن امتلأت بطاقة تفوق طاقة استيعابها أكثر من 20 ضعفا.
ووفق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” فقد نزح منذ بداية الحرب ضد غزة في السابع من أكتوبر الماضي، حوالي 1.9 مليون شخص (أو أكثر من 80 في المئة من السكان) في مختلف أنحاء قطاع غزة باتوا من النازحين. وأوضحت أن ما يقرب من 1.2 مليون نازح يحتمون في 156 منشأة تابعة لها، في كافة محافظات قطاع غزة الخمس، وهو أكثر من أربعة أضعاف طاقتها الاستيعابية، لافتة إلى أن ما يقرب من مليون نازح، يقيمون في 99 منشأة في مناطق الوسط وخانيونس ورفح.
وهذا المشهد مشابه لما يعانيه السكان في مناطق غزة والشمال، حيث يفرض عليهم حصار إسرائيلي محكم، يمنع وصول المساعدات الإنسانية، بما فيها المستلزمات والأدوية للمشافي، ليترك هناك السكان يواجهون مصير الموت، في ظل اشتداد الغارات الجوية وزيادة التوغل البري، وعمليات الاعتقال التي طالت مئات الرجال والنساء أيضا.
واستمرارا لذات السياسة، واصلت قوات الاحتلال أيضا حصار المشافي العاملة شمال القطاع، وإخراجها واحدة تلو الأخرى عن الخدمة، أو تقنين عملها، من خلال إما حصارها كمشفى العودة، واستهداف طواقمها بنيران القناصة، أو من خلال اقتحامها وتخريب مقتنياتها وأجهزتها ومعداتها، وتنفيذ اعتقالات في صفوف طواقمها ومرضاها، كما حدث في مشفى كمال عدوان، بعد شن هجمات مماثلة، طالت أيضا “مراكز الإيواء” في مدارس “الأونروا” وقتل عدد من نازحيها، واعتقال المئات منهم، وتدمير بعضها بتفجيرها بشكل كامل.
الحرب على شمال غزة
وبعد حصار شديد على مشفى كمال عدوان شمال غزة، أدى إلى وفاة أطفال مرضى جراء نقض الأوكسجين، وقصف قسم النساء، جرى اقتحامه من قبل قوات الاحتلال، التي اخضعت مديرها للاستجواب هو وطاقم العمل، في وقت أعلن فيه أيضا المتحدث باسم وزارة الصحة أشرف القدرة، أن قوات الاحتلال لا تزال تمنع تحرك سيارات الإسعاف في شمال القطاع، لافتا إلى أنه لا توجد مؤشرات على تزويد المشافي بما تحتاجه من مساعدات طبية، مطالبا بممر طبي آمن لكافة مستشفيات قطاع غزة
وبسبب صعوبة الأوضاع الإنسانية في مناطق شمال غزة ومدينة غزة نفسها، التي نفدت منها المواد الغذائية بشكل أكثر من باقي المناطق، ومع استمرار الهجمات العسكرية الإسرائيلية وتوغل الدبابات، وثق مواطنون هناك دفن الشهداء أمام المحال التجارية، وآخرون تحت الأشجار في الشوارع.
وقد أعلنت وزارة الصحة في غزة، عن ارتفاع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي إلى أكثر من 18200 شهيد، إضافة إلى نحو 50 ألف إصابة.
أما منظمة “آكشن إيد” الدولية، فقد أكدت أن النساء والفتيات في غزة، يعانين من مستويات غير مسبوقة من العنف خلال التصعيد العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، ما يجعل هذه البقعة المحاصرة واحدة من أخطر الأماكن في العالم بالنسبة للمرأة في الوقت الحالي، وأشارت المنظمة الدولية إلى أنه في الوقت الذي يختتم العالم حملة الـ16 يوما من النشاط لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، “تتعرض النساء والفتيات في غزة للقتل والإصابة بمعدلات مروعة، مع حرمانهن من التمتع بحقوقهن الأساسية في الغذاء والماء والرعاية الصحية يوميا، ويتعرضن لضغط نفسي هائل وصدمات بعد شهرين من العيش في رعب”.
وقالت إن الأرقام ترسم صورة صارخة ومروعة، في الوقت الذي يتم فيه قتل اثنتين من الأمهات كل ساعة في غزة، وسبع نساء كل ساعتين، حيث تم قتل حوالي 5000 امرأة منذ 7 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، لافتة إلى أن النساء والأطفال يشكلون حوالي 70 في المئة من إجمالي عدد الضحايا، وفي استعراضها للأرقام الخاصة بضحايا الحرب الإسرائيلية، ذكرت أن كل امرأة وفتاة، فقدت شخصا ما سواء كان طفلها أو زوجها أو والديها، شقيقها، قريبها، جارها أم إحدى صديقاتها.
وتقول مسؤولة التواصل والمناصرة في منظمة “أكشن إيد” ريهام الجعفري إن كلمة “جحيم” لا تصف حقيقة الوضع في قطاع غزة، والواقع الإنساني والمعيشي الخطير للمواطنين في القطاع، الذين أصبح 85 في المئة منهم نازحون يعيشون أوضاعا تتضاعف قسوتها مع الأمطار والبرد.
وقد دفعت هذه الظروف الأليمة التي يعاني منها سكان غزة بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، الذي زار جنوب القطاع قبل أيام، إلى القول “إذا واصلنا السير على هذا الطريق، سيؤدي ذلك إلى ما يُسميه الكثيرون بالفعل نكبة ثانية، فلن تكون غزة أرضا للفلسطينيين بعد الآن”.
وأشار إلى أن استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح ووضع شروط عليها بمثابة “الغرق في أعماق جديدة، واستقطاب الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية الأخرى، وكذلك المجتمع الدولي على نطاق أوسع. هذا يجب ألا يحدث ولا ينبغي أن يحدث”.
مخاوف من “نكبة جديدة”
وشدد على ضرورة أن تتصرف الحكومات في جميع أنحاء العالم بشكل حاسم “لمنع القانون الإنساني الدولي من أن يصبح قانونا للأقوياء فقط، ومحاسبة أولئك الذين ينتهكونه عمدا، أو يستخدمون المساعدات الإنسانية كسلاح أو يشوهون المنظمات الإنسانية بهدف إضعاف المساعدة وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية” وقد أكد في مقال كتبه بعد الزيارة أن “الموجة الجديدة من النزوح القسري تضع شرعية القانون الإنساني الدولي على المحك”.
وجاء في مقاله وهو يشرح الواقع الأليم “يستخدم المدنيون في هذه الحرب كأحجار الشطرنج وتوضع الشروط على المساعدات الإنسانية، تحجب المساعدات الإنسانية أو يتم تسليمها وفقا لأجندات سياسية وعسكرية لسنا في الأمم المتحدة مطلعين عليها، ويستخدم الغذاء والماء والوقود، والمعلومات المضللة، بصورة منهجية كأسلحة حرب”.
وقال “إن القصف والحصار المشددان يخلقان مرة أخرى ظروفا ليس فيها إمكانية أكثر من مجرد البقاء على قيد الحياة. ويشكل الحرمان من المساعدات الإنسانية جانبا رئيسيا من جوانب هذه الخطة، بعد تدمير الشمال، يأتي تدمير الجنوب، باستثناء أن هذه المرة ليس للناس مكان يذهبون إليه على الإطلاق”.
وجاء في المقال وهو يشرح وضع النازحين “بالنسبة للعديد من الفلسطينيين الذين أجبروا على النزوح مرة أخرى، فإن الامكانية الوحيدة لمستقبل أفضل هو مغادرة غزة تماما، واستنادا إلى المناقشات السياسية والإنسانية الجارية، من الصعب تصديق أن الفلسطينيين في غزة الذين نزحوا اليوم سيسمح لهم بالعودة إلى منازلهم المدمرة في أي وقت قريب”.
وقد عبر عن خشيته في حال الاستمرار في ذات النهج من أن يؤدي ذلك إلى “نكبة ثانية” لا تكون فيها غزة “أرضا للفلسطينيين بعد الآن”.
ولذلك فقد أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، إن “خطة التهجير” ما زالت على طاولة الإسرائيليين، حيث تجعل دولة الاحتلال من قطاع غزة الآن مكانا غير قابل للحياة.