المناورة المصرية السعودية… أبعد من الحرب

حجم الخط
10

لم يكن مفاجئا الإعلان عن تحرك بري مصري سعودي مشترك، خاصة بعد الاجتماع الماراثوني للمجلس العسكري الأعلى في مصر الأسبوع الماضي، والذي أكد في نهايته الرئيس عبد الفتاح السيسي «الوقوف بجانب كافة الأشقاء»، وان كان شدد على الطبيعة الدفاعية لأي عمل تقوم به مصر.
وتأتي «المناورة الاستراتيجية الكبرى» مثقلة بالأهداف والرسائل الاستراتيجية التي تتجاوز مجرد الاستعداد للحرب أو التغطية على بدء دخولها، وقد لا يكون من المبالغة الذهاب إلى انها تضع محددات جديدة لموازين القوى والصراعات الملتبسة في الاقليم.
وجاء اختيار عنوان «المناورة» كأفضل صياغة لحقيقة ما يحدث على الأرض: عشرات الآلاف من الجنود المصريين من قوات النخبة والتدخل السريع بدأوا (حسب تقارير وصور انتشرت في الانترنت) أو يستعدون للذهاب إلى السعودية للعمل على دعم «المواقع الأقل قوة» في منظومة الدفاع هناك، إلى جانب اجراء التدريبات الضرورية على القتال في المناطق الجبلية، تحسبا لامكانية ان يصبح ضروريا فرض شريط أمني على الحدود المشتركة مع اليمن لمنع الهجمات غير المنتظمة التي تتعرض لها حاليا، والتي اعلن حلفاء للحوثيين «توقعهم» بأن تتوسع إلى العمق السعودي.
وحيث انها ستكون القوة الرئيسية على الأرض فمن المهم ان تكون أهدافها واضحة من البداية، وكذلك ان تكون قابلة للتحقيق، خاصة ان ثمة غموضا أصبح يكتنف أهداف عملية «عاصفة الحزم» نفسها، اذ ليس من الواضح ان كانت تسعى إلى مجرد إعادة حكم الرئيس اليمني، وهو ما ينبغي ان تكون قادرة عليه اليوم بعد سبعة وعشرين يوما من القصف الجوي خاصة انها تصر على ان الغارات حققت نجاحا واسعا، ام انها تهدف إلى اجبار الحوثيين على الاستسلام، وهو ما يشكك كثيرون في واقعيته، أو امكانية ان يكون أساسا صالحا لتسوية قابلة للحياة في اليمن على أي حال. أما بالنسبة للقوات المصرية، فان أقصى ما يمكن ان يتحمله الرأي العام في مصر سيكون الانخراط في جهد جمعي للدفاع عن السعودية ضد هجوم خارجي، وهو ما يمكن تبريره ليس فقط في اطار معاهدة الدفاع العربي المشترك، ولكن الدفاع عن الأمن القومي والمصالح العليا للبلاد، بالنظر إلى وجود أكثر من مليون مصري يعملون هناك.
اما ارسالها لتغرق في المستنقع اليمني بدون استراتيجية واضحة للخروج، فسيكون مخاطرة حقيقية بأن يصبح اليمن أو ربما السعودية نقطة تحول في العلاقة بين السيسي والشارع المصري الذي يجد صعوبة بالغة في التعايش مع الحجم الحالي لضحايا العمليات الإرهابية، وهو ما لا يمكن مقارنته بما قد يتعرض له الجنود المصريون في اليمن من مجازر. إذ لن يتعين عليهم مواجهة الحوثيين فحسب، بل سيكون مطلوبا منهم ان يحموا ظهورهم اولا من هجمات انتقامية محتملة من جماعة القاعدة الإرهابية، بل وقبائل مؤيدة لجماعة «الإخوان». ناهيك عن العدو الرئيسي المتمثل في الطبيعة الجغرافية الصعبة، التي تصب في مصلحة الخصوم على اختلافهم.
ولعل ذكرى أكثر من خمسة آلاف مصري استشهدوا في اليمن في الستينيات «دفاعا عن الثورة» ستكون حاضرة في مخيلة الجميع، وكيف ان قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حينئذ، بالقاء قوات نظامية في هاوية حرب عصابات باليمن لم تتدرب عليها أصلا، كان كارثيا بكل ما تعنيه الكلمة، بالنسبة إلى مصر بل والعرب جميعا بالنظر إلى آثار الهزيمة في العام 1967.
أما على الجانب الاستراتيجي، فلا يمكن انكار أهمية ان تكون مصر القوة الاقليمية الوحيدة التي تستطيع وتقرر معا ارسال قوات على الأرض لحماية أمن السعودية الذي لا يمكن فصله عن أمن باقي دول الخليج. اذ بالإضافة إلى اعادة الاعتبار للدور المصري اقليميا، فان المناورة تعيد الحياة نفسها إلى مفهوم «الأمن العربي المشترك». وفي علم الاستراتيجيا، قد يكون التلويح بالقوة أهم من استخدام القوة ذاتها. وفي هذه الحالة فان الرمزية التي تثقل «المناورة العربية» قد تكون أهم في تأثيرها من كافة الأسلحة التي يمكن ان تستخدمها.
وهذه عوامل بدأت تؤتي ثمارها على الأرض فعلا مع جنوح إيران إلى الخيار السلمي باعلانها لأول مرة انها قادرة على استخدام نفوذها في اليمن لتأمين اتفاق سياسي، وهو خيط ينبغي ان يلتقطه العرب مع الاستمرار في إجراء المناورة، اذ ان اتفاقا سياسيا فقط يمكن ان يضمن انتصارا عربيا في هذه المواجهة الاستراتيجة الكبرى، ناهيك عن الوضع اليمني السوريالي في تعقيداته والمأساوي في مخاطره.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية