يتواصل حقد الجيش الصهيوني في قتل الأبرياء والمسالمين وتدمير المنشآت الآمنة، وها هي آلياته الآثمة تجرف الاسمنت والحجارة والبشر وتختلط أشلاء المرضى والطواقم الطبية تحت أنيابها!
وتتوالى ضرباته الموجعة لضمير الإنسانية الميت بقتل الصحافيين ومن يغيثهم، وقتل الأساتذة والشعراء، هل تموت كلمات «العرعير»، ويقين شهداء غزة، أنهم ليسوا أرقاما، ولن يكونوا كذلك.
رفعت العرعير، كلهم نعوك بكلماتك، ولا يمكن بغير كلماتك أن تبرد نيران محبيك وشعبك، وليس سواها من يؤجج الحقد تجاه من حرموك الحياة، وحرموا فلسطين من صوتك: « إن كنت سأموت، فلتحيا أنت لكي تروي قصتي وليأتي موتي بالأمل».
كل مرة يستشهد فلسطيني، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي، بالرغم من القيود، على نشر وفضح تلك الممارسات اللاإنسانية وحتى لا ينسى العالم صدمة المجازر اليومية. «هل يحمل الطفل النائم صواريخ؟
يا لله ما أقسى الصور التي تحيط بنا في كل مكان، تذكرنا، توخزنا وخزا موجعا، صور الأمطار التي تغرق المخيمات الهشة، والرجل الذي يحمل طفله المكفن، والذي لا تسعفه قدماه ودموعه في دفنه في قبره، ماتت قلوب الناس، وماتت قلوب العرب من النخوة. والمرأة المسنة تتكئ على عصاها والمياه تغمر المكان، وفي صدرها غصة ومناجاة لربها «يا رب ضاقت»، أفرجها يا رب.
وأمام هذا الكرب العظيم تستعد عواصم اعتادت «المجون» بحمامات دم الأبرياء، تتهيأ لاستقبال احتفالات رأس السنة الصاخبة بكبار أسماء الفنانين، وتستعد لتزيين واجهات محلاتها ومعالمها الفخمة، غير مكترثة بالثمن الذي دفعه الغزاويون لأجل كرامة المنطقة ومن فيها، لكن في الجهة المقابلة، تعالت الصيحات المبحوحة في كل اللغات لإلغاء احتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد، وتكتفي الكنائس العربية في فلسطين والعراق بالتراتيل والدعاء، كما تغيرت زينة شجرة الميلاد، أمام هدية العالم لأطفال غزة، أشلاء دمى وشكولاتة ممزوجة بالدماء والعظام، وقنابل مغلفة من جلود آدمية لتنفجر في كل الأماكن.
وكذلك ألغت مطاعم حفلاتها واحتفالاتها، كما أجل فنانون حفلاتهم لرأس السنة، بسبب الأحداث في غزة. ألم ترعب العالم صور الشباب والرجال العراة، كأنه سجن «أبو غريب»، عملاق مفتوح على السماء، بحجة أنهم من المقاومين، هكذا أوصى طالب الطب، سنة رابعة نصر عماد المدهون بالنشر على نطاق واسع بالقول: «الاحتلال يدعي أنه يلقي القبض على مجاهدي المقاومة ويعتبر ذلك انتصارا له، لكنه في الحقيقة لا يلقي القبض سوى على المدنيين العزل، لا تجعل المعلومة تقف عندك، استمر بالنشر نحن في معركة إعلامية».
مع كل ما يحدث في غزة من تصفية عرقية ومذابح تطال العزل والأبرياء، يتمنى أصحاب القلوب الحية، والضمائر الإنسانية، لو انشقت الأرض لتبتلعنا، لأننا لم نتحرك لكرامتنا ولشرفنا إلا قليلا؟ أين قيم الغرب «الإنسانية»؟ وأين إبهاره للعالم الصغير، لماذا يتفرج على هذا «الابن» الأرعن، الذي يدمر كل الأشياء الجميلة، والتي ليست ملكه؟! كيف يسلمه كل الوسائل والأدوات ليستمر في عنفه وشهوانيته في إلحاق الضرر المميت بالغير؟! كيف يساوي بين الجندي المسلح من خوذته إلى حذائه الحربي، وأطفال يلعبون، يرسمون على الأرض بيوتا وحقولا ودوائر ومربعات، وتطير أحلامهم مع طائراتهم الورقية؟! كيف يستمر في دعايته التي لا تمر على طفل بأنه في حالة دفاع عن النفس؟ لقد تحولت البشرية إلى ضباع عمياء تفترس الضعفاء.
«البركة» في ميدان غزة
سبق تواجد جمعية «البركة الجزائرية» في غزة منذ سنوات، مرحلة «الطوفان»، وحسب تصريح رئيسها أحمد إبراهيمي لجريدة «البصائر» التي حاورته، «فإن الجمعية «لها خبرتها وتجربتها الإغاثية في فلسطين قبل عملية «طوفان الأقصى»، وذلك من خلال القوافل التضامنية التي نظمتها لمساندة الشعب الفلسطيني ومشاريعها الخيرية المتنوعة التي جسدتها لإعمار غزة وفلسطين كبناء المستشفيات وتزويدها بسيارات الإسعاف، وبناء مدارس ومراكز عدة، وكذا حفر الآبار وغيرها من المشاريع الخيرية، التي سلم البعض منها من قصف الاحتلال الصهيوني وما زالت ترافق الفلسطينيين بخدماتها المتنوعة». وكانت قنوات كثيرة ومواقع ومنصات إعلامية وتواصل اجتماعي تطرقت لقصف الصهاينة لمركز إيواء بنته الجمعية، وعن هذا كتب الشيخ أحمد الابراهيمي على صفحته الرسمية على فيسبوك: «حملة الوعد المفعول، لدعم أهلنا في فلسطين، مشاهد حصرية بعد قصف الاحتلال الصهيوني لأحد مراكز الإيواء التي أقامتها جمعية البركة الجزائرية في قطاع غزة. المركز الذي يأوي أكثر من 10 آلاف نازح عبارة عن مدرستين مشتركتين هما مدرسة «صلاح الدين» و»أسعد الصفطاوي» في منطقة «الدرج». حسبنا الله ونعم الوكيل». كما لم تكتف الجمعية بالمساعدات المادية واللوجستية، بل ساهمت في الحرب ضد الجيش الصهيوني، كما صرح رئيسها لجريدة «البصائر» دائما: «لم تبق جمعية البركة الإغاثية مجرد جمعية وإنما انخرطت في المعركة، وأصبح لدينا شهداء وجرحى ونعمل هناك تحت القصف، وعملياتنا تتحدى الكيان الصهيوني، وتقف أمام أهدافه في القضاء على المقاومة وتهجير الشعب».
وأضاف: «وبهذا نكون قد شاركنا في المعركة، فالعلم الوحيد الذي بقي يرفرف في غزة الصامدة هو علم الجزائر، وهذا فضل من الله، فكل المنظمات والمؤسسات هربت من الحرب والقصف، حتى هناك من المنظمات التي تدخل مساعداتها باسم جمعية البركة، بعدما تخلت مكاتبها عن العمل هناك بسبب القصف».
وقد بلغ شهداء الجمعية 30 شهيدا، حسب منشور نذير كالي: «شهداء جمعية البركة الجزائرية في غزة ارتفع إلى 30 شخصا، نسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته سنثأر للشهداء بوسائل أخرى والأيام بيننا». وهذا بعد تدمير مبنى الجمعية بالكامل. لكن الجمعية متواجدة في كامل أرجاء «غزة» بفعل «الوعد المفعول» وتشتغل تحت الحصار والقصف، ورغم خطوة بناء مآوي، التي كانت تتكفل بها منظمة الأمم المتحدة لوحدها، والتي بلغت سبعة، لا يمكن للصهاينة أن يصمتوا، وإذا كانوا قد تعرضوا لموظفي «الأونروا» فما بالك بالبركة؟ وحدث ما تخوف منه الشيخ أحمد ابراهيمي، كما صرح به لقناة «الخبر»، وها هي آلة الدمار الصهيونية تصل مأوى الجمعية، وعملية الإغاثة ما زالت مستمرة، بأهداف إنسانية واستراتيجيات محارب متمرس، صمود «البركة» من صمود أهل غزة.
كاتبة من الجزائر