أعلنت الحكومة دعمها الكامل لإسرائيل في حربها على غزة وحظرت أنشطة حماس في ألمانيا، بالإضافة لمكتب صامدون في برلين، والذي تقول أجهزة أمن ألمانية بأنه يتبع للجبهة الشعبية.
برلين ـ «القدس العربي»: كانت حرب غزة الحدث الأهم الذي ميز سياسة ألمانيا الخارجية والداخلية على حد سواء. إذ قامت ألمانيا بتغييرات كبيرة في سياستها، لتوائم مع أحداث الحرب انطلاقا من السابع من تشرين الأول/أكتوبر وحتى نهاية كانون الأول/ديسمبر، وأعلنت الحكومة الألمانية دعمها الكامل لإسرائيل في الحرب الدائرة وحظرت أنشطة حماس في ألمانيا، بالإضافة لمكتب صامدون في برلين، والذي تقول أجهزة أمن ألمانية بأنه يتبع للجبهة الشعبية. وبالرغم من التصريحات المؤيدة للعملية العسكرية الإسرائيلية في غزة من قبل الوزراء في الحكومة الائتلافية، كان تصريح المستشار الألماني أولاف شولتس هو الأبرز، حيث قال إن وجود إسرائيل يعد مصلحة وطنية عليا لوجود ألمانيا، ودار حول معنى هذا التصريح الكثير من النقاشات والجدل. كما خيّمت حرب غزة على المراجعة الدورية التي تجريها الأمم المتحدة لسجل ألمانيا في مجال حقوق الإنسان، بالرغم من تلقي ألمانيا إشادة واسعة النطاق لسجلها القوي في مجال حقوق الإنسان خلال المراجعة التي جرت في الأمم المتحدة في جنيف، لكنها واجهت مستويات غير عادية من الانتقادات، وخاصة في ما يتعلق بموقفها من الحرب في غزة.
وكانت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر قد أصدرت تصريحا بأنه لا ينبغي نقل صراع الشرق الأوسط إلى الشوارع الألمانية، مشيرة إلى أن حرية الحديث والتجمهر والتظاهر من المنجزات المهمة في نظام ديمقراطي ليبرالي مثل ألمانيا.
وأعربت عن اعتقادها بأن المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في ألمانيا تتركز في ولايات شمال الراين ويستفاليا وبادن- فورتمبرغ وهيسن.
وقالت إن أغلب جرائم العنف المرتبطة بهذه المظاهرات تم تسجيلها في العاصمة برلين.
كما نددت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك بشدة بالهجمات التي تعرضت لها إسرائيل وقالت عبر موقع «إكس» إن ألمانيا «تتضامن بشكل كامل مع إسرائيل وإن لتل أبيب الحق الذي يضمنه القانون الدولي في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب».
ومع تطور الأوضاع العسكرية والسياسية على الأرض في غزة ومناطق غلاف غزة، وانعكاس أعمال العنف داخل ألمانيا، حيث تَشْهَد البلدات الألمانية العديد من المظاهرات والفعاليات المؤيدة للفلسطينيين أو الإسرائيليين، وما شهدته بعض هذه المظاهرات، لا سيّما في برلين، من حظر أو منع من قبل الأجهزة الأمنية، أرسلت شخصيات عامة تمثّل اليهود في ألمانيا رسالةً عامة إلى الحكومة الألمانية في تشرين الثاني/نوفمبر وحكومات الولايات، وإلى الرأي العام الألماني، أعربت فيها عن امتعاضها مما وصفته بالقمع واستهداف المدنيين والتحيّز العنصري الذي يتعرض له الفلسطينيون.
الرسالة وُقّعت من شخصيات ألمانية يهودية عامة مشهورة، مثل مخرج الأفلام الألماني اليهودي جلعاد برعام، والكاتب ساندرز إسحاق بيرنشتاين، والفنانة آنا برلين، ومنتج الأخبار التلفزيونية آدم بيري، وغيرهم الكثير من الجالية اليهودية في ألمانيا، ونشرتها صحيفة «تاغيس تسايتونغ» وجاء فيها أن التضييق على الفلسطينيين والعرب مما يحدث في غزة، خشيةً من انتقاد إسرائيل، لا يجعل اليهود يشعرون بالأمان بالضرورة، بل بالقلق والخوف، لأن هذا يعتبر تضييقاً على الحريات العامة في ألمانيا.
وقالت الرسالة إن أية محاولات تتم لمقاومة هذه القيود التعسفية تواجهه بقوة وعدوانية. كما تعرض العديد من الأشخاص من ذوي الخلفيات المهاجرة في جميع أنحاء ألمانيا لاستهداف من قبل السلطات، حيث تم مضايقة المدنيين واعتقالهم وضربهم، وغالبًا ما يتم ذلك تحت ذرائع واهية.
وتضيف الرسالة أنه تم رصد العديد من الحالات، من منع رفع الأعلام الفلسطينية، والكوفية في المدارس. على الرغم من أن حيازة هذه العناصر في الأماكن العامة أمرٌ قانوني، إلا أنها تقابَل بعنف من عناصر الشرطة، وتواجه بالاعتقال في العديد من الأحيان.
وأكدت الرسالة: نحن، كيهود، نرفض هذه الذريعة للعنف العنصري، ونعرب عن تضامننا الكامل مع جيراننا العرب والمسلمين، وخاصة الفلسطينيين. إن ما يخيفنا هو مناخ العنصرية وكراهية الأجانب السائد في ألمانيا، والذي يسير جنباً إلى جنب مع محبة السامية القهرية والأبوية. ونحن نرفض بشكل خاص معادلة معاداة السامية وأي انتقاد لدولة إسرائيل. وفي الوقت نفسه الذي يتم فيه قمع معظم أشكال المقاومة السلمية في غزة، تحدث أيضًا أعمال عنف وترهيب معادية للسامية: إلقاء زجاجة مولوتوف على كنيس يهودي، يتم رسم نجمة داود على أبواب بيوت اليهود لتمييزهم. ولا تزال دوافع هذه الجرائم المعادية للسامية غير المبررة ومرتكبيها مجهولة.
كما انتقلت أجواء الحرب إلى أبرز حدث ثقافي في ألمانيا، إذ شهد افتتاح معرض فرانكفورت للكتاب جدلا كبيرا بعد أن أثار خطاب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، ضجة في افتتاح المعرض الأشهر، حيث دعا إلى الاستماع للفلسطينيين والنظر في خلفية الصراع من أجل فهم أفضل لحقيقة ما يجري على الأرض.
وأثارت كلمة جيجيك الغضب داخل المهرجان لدى البعض، وهو ما أدى إلى مقاطعة كلمته عدة مرات، وانسحاب البعض أثناء حديثه.
وانتقد جيجيك أن جميع المتحدثين السابقين تحدثوا عن إسرائيل لكن لم يتحدث أحد عن الفلسطينيين. واعتبر قرار عدم تكريم الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي في معرض الكتاب «فضيحة».
وأثار تأجيل احتفال تسليم كاتبة فلسطينية جائزة، استنكار مؤلفين بارزين، ودفَعَ دولاً مسلمة عدة إلى الانسحاب من المعرض الذي يُعدَ أكبر حدث تجاري للنشر في العالم، وهو ما وصفه منظّموه عشية افتتاحه الأربعاء بأنه «كارثة».
وفي محاولة الحكومة الألمانية لتحقيق توازن أعربت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك عن أسفها لعنف المستوطنين اليهود في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين وقالت: «يجب على رئيس الوزراء الإسرائيلي إدانة عنف المستوطنين، ومتابعتهم قانونيا، وهذا أيضا في مصلحة أمن إسرائيل». بيد أن ألمانيا تشارك أيضا في النقاش حول مستقبل الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب. وفيما يتعلق بمستقبل قطاع غزة، قالت بيربوك لوسائل اعلام ألمانية «هناك حاجة إلى مسؤولية دولية لضمان الأمن للمدنيين الفلسطينيين».
ربما لم يتحد أي حدث في السياسة الخارجية في العقود الأخيرة ألمانيا وأوروبا بقدر الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022. وتقدم ألمانيا مساعدات عسكرية واسعة النطاق، وكذلك الدول الغربية الأخرى. ومع ذلك، بعد عامين تقريبا، تواجه أوكرانيا صعوبات كبيرة في استعادة المناطق التي احتلتها روسيا.
وأظهرت وزيرة الخارجية بيربوك يأسًا خلال اجتماع لحلف شمال الأطلسي في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر، مشيرة إلى أنه من وجهة نظرها «لا يوجد بديل للدعم المستمر لأوكرانيا مهما كان الوضع صعبا ومتعثرا». وزادت شحنات الأسلحة الألمانية إلى أوكرانيا بشكل تدريجي خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، حيث قدمت برلين مساعدات عسكرية لكييف بقيمة 2.6 مليار يورو
تهديد الصين المتزايد
تغير الكثير في العلاقات الصينية الألمانية منذ فترة رئاسة أنغيلا ميركل وتشعر الحكومة الألمانية بقلق تجاه تصعيد الصين للتوتر بشأن تايوان، التي تعتبرها الصين مقاطعة متمردة، والعلاقات الوثيقة بين الصين وروسيا على الرغم من غزو أوكرانيا. ونتيجة لهذا، ينظر إلى الصين على نحو متزايد في برلين باعتبارها مثيرة للمشاكل ومعطلة للنظام السياسي العالمي. ولذلك، أكدت الحكومة الألمانية في استراتيجيتها تجاه الصين على إزالة التبعية الاقتصادية الأحادية من الصين، والتي قد تضر ألمانيا بشكل كبير. وفي حالة الصين تظهر حدود السياسة الخارجية الألمانية تأكيد برلين والتي دعت لها بشكل خاص وزيرة الخارجية الألمانية بيربوك أثناء زيارتها للصين في نيسان/ابريل الماضي حيث انتقدت ملف حقوق الإنسان في وتعامل الحكومة الصينية مع الإيغور المسلمين فيما رد وزير الخارجية الصيني السابق، تشين جانغ، على دعوة بيربوك قائلاً: «آخر ما تحتاجه الصين هو معلم من الغرب».
يشار إلى أنه في تموز/يوليو الماضي دعت وزيرة التعليم الألمانية المؤسسات البحثية والجامعات إلى توخي الحذر وحماية نفسها من التجسس من قبل حاملي المنح الدراسية التي تدعمها الصين. وقالت الوزيرة بيتينا شتارك-فاتسينغر في تصريحات لصحف مجموعة «بايرن» الإعلامية الألمانية: «أصبحت الصين على نحو متزايد منافسا وغريما ممنهجا في العلوم والأبحاث».
كان موضوع العنصرية في ألمانيا من ضمن أبرز المواضيع التي ميزت عام 2023 حيث أصدرت وكالة FRA المتخصصة في الحقوق الأساسية لدى الاتحاد الأوروبي دراسة تؤكد فيها أن منسوب العنصرية في أوروبا بسبب لون البشرة، وأصل المنشأ تصاعد في السنوات الخمس الأخيرة، وأن ألمانيا تحتل صدارة قائمة الدول الأوروبية في ذلك.
وتؤكد الدراسة التي تناولت ثلاث عشرة دولة أن معدل ضحايا العنصرية الذين شاركوا فيها، بسبب اللون أو الأصل أو الدين ارتفع إلى 45 في المئة، وأن ألمانيا التي ينحدر واحد من كل أربعة أشخاص يعيشون فيها حاليًا من أصول أجنبية، تجاوزت نسبة العنصرية فيها كل الدول الثلاث عشرة، إذ بلغ المعدل فيها 75 في المئة، في حين لا تتجاوز دول مجاورة مثل بولونيا العشرين في المئة.
تصريحات:
• قال المستشار الألماني أولاف شولتس في خطاب ألقاه أمام البرلمان الألماني بوندستاغ،12 تشرين الأول/اكتوبر: «في هذه اللحظة، لا يوجد سوى مكان واحد تقف فيه ألمانيا. إنه بجانب إسرائيل. وهذا ما نعنيه عندما نقول إن أمن إسرائيل هو مصلحة وطنية ألمانية».
• الفيلسوف السلوفيني السلوفيني سلافوي جيجيك: «بالرغم من فخري بوجودي في معرض الكتاب، إلا أني أشعر أيضا بالخجل لوجودي هنا بعد استبعاد الكاتبة الفلسطينية».