الاحتجاجات التي أشعلها مقتل الفتاة الكردية مهسا اميني بقيت مستمرة على شكل موجات، ومثل شعار (المرأة، الحياة، الحرية) محورا لاحتجاجات وطنية اجتاحت مختلف المدن الإيرانية.
مفتتح العام 2023 كانت هناك امال إيرانية بالانفراج الذي قد يحدث نتيجة العودة للاتفاق النووي بين إيران ودول (5+1 ) والذي سعت إدارة بايدن لإحيائه بشروطها الجديدة بعد أن انسحب منه الرئيس السابق دونالد ترامب من طرف واحد وفرض حزم عقوبات خانقة على طهران.
وكان الشارع الإيراني يعول على الانفراج الاقتصادي الذي سيحصل في إيران بعد رفع العقوبات الأمريكية والغربية على إيران، لكن لم يحصل شيء في هذا الشأن، إذ بقيت جولات التفاوض بين إيران والدول الغربية تدور في حلقات مفرغة، لتظهر بعد كل جولة تفاوض مجموعة عراقيل تنسف ما تم الاتفاق عليه وتعيده إلى نقطة الصفر. النتيجة كانت حلحلة المواقف لكن دون الوصول لحل جذري للأزمة، حيث أبقت بريطانيا وفرنسا وألمانيا على العقوبات المتعلقة بالصواريخ البالستية والبرنامج النووي الإيراني، كما أكدت الدول الأوروبية أنها ترد على عدم امتثال إيران لالتزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة «الاتفاق النووي الإيراني». كما تعتزم حكومات فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة الإبقاء على التدابير المتعلقة بالانتشار النووي الإيراني، وكذلك حظر الأسلحة البالستية والصواريخ الإيرانية. فهناك ثلاثة أسباب للإبقاء على العقوبات وهي استخدام روسيا لطائرات مسيرة إيرانية في حربها ضد أوكرانيا، واحتمال نقل إيران صواريخا بالستية إلى مناطق الصراع الساخنة عالميا، ونشاطات الحرس الثوري الإيراني الداعمة لاذرع إيران في منطقة الشرق الأوسط.
لكن طهران اتخذت بعض الخطوات، خاصة في النصف الأخير من عام 2023 والتي قد تشير إلى نية لتهدئة التوترات النووية، على سبيل المثال، قامت بإبطاء معدل إنتاجها لليورانيوم المخصب إلى نسبة 60 في المئة. وكان الوقت اللازم لإنتاج الوقود اللازم لصنع أسلحة نووية متعددة يتقلص ولكن ليس بالسرعة نفسها. كما اتخذت إيران بعض الخطوات المحدودة لتعزيز المراقبة. وسمحت للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتركيب أجهزة مراقبة التخصيب في اثنين من منشآتها لتخصيب اليورانيوم. ومن المفترض أن تزود هذه المعدات الوكالة بمؤشرات إذا قررت طهران تخصيب اليورانيوم إلى درجة صنع الأسلحة.
حركة الاحتجاجات
أما حركة الاحتجاجات التي أشعلها مقتل الفتاة الكردية مهسا اميني في ايلول/سبتمبر 2022 فقد بقيت مستمرة على شكل موجات في مختلف المدن الإيرانية، ومثل شعار الحراك (المرأة، الحياة، الحرية) محورا لاحتجاجات وطنية اجتاحت مختلف المدن الإيرانية. وينبغي النظر إلى هذه الاحتجاجات على أنها تتويج لأكثر من أربعة عقود من نضال النساء الإيرانيات ضد قوانين الدولة الثيوقراطية وتمثلاتها في الحجاب الإلزامي والمطالبة بسلوك ملتزم اسلاميا حتى إن كان بشكل ظاهري فقط.
وقد شاركت النساء في حملات العصيان المدني، ونظمن شبكات على الإنترنت وخارجها، وتحدين قوانين الحجاب الإلزامية من خلال خلع حجابهن في الأماكن العامة. وواجهن العنف والمضايقة والسجن بسبب نشاطهن، وكانت النساء قوة حاسمة في هذه الاحتجاجات، إذ قدن المقاومة ضد السياسات الأبوية والتمييزية التي تنتهجها الحكومة، وطالبن بحقوق متساوية مع الرجل في ظل نظام ثيوقراطي متزمت.
وقد شهدت إيران نتيجة ضغوط الوضع الاقتصادي المتردي، وضغط الحراك الاحتجاجي تصاعدا في المواجهات المسلحة بين حركة (جيش العدل) والقوات الأمنية في محافظات بلوشستان وسيستان جنوب إيران، ربما كان آخرها حادث مقتل احد عشر شرطيا يوم 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري خلال هجوم ليلي على مركز للشرطة جنوب شرقي إيران، حسبما أفاد التلفزيون الرسمي. وقال علي رضا مرحمتي، نائب حاكم محافظة سيستان وبلوشستان، إن عددا من ضباط الشرطة والجيش قتلوا وأصيبوا في الهجوم الذي وقع في الثانية صباحا بالتوقيت المحلي في مدينة راسك، التي تبعد حوالي 1400 كيلومتر جنوب غربي العاصمة، طهران.
كما أثارت حوادث إصابة العشرات من الفتيات بأعراض مرضية في مدارس عدد من المدن الإيرانية غضبًا شعبيًا، حيث اتهم البعض الحكومة بالإهمال بينما أشارت بعض وسائل الإعلام إلى احتمالية وجود أعمال إرهابية تقف خلف هذه الظاهرة. إذ أصيبت مئات التلميذات بأعراض مرضية غريبة وتم نقل العشرات منهن إلى المستشفيات، واشتبه بعض الآباء والمسؤولين في تعرضهن للتسمم. ووفقًا للإحصاءات التي تداولها الإعلام الرسمي تم استهداف أكثر من 50 مدرسة، يوم الثلاثاء 7 آذار/مارس الماضي، وأكثر من 120 مدرسة، يوم الإثنين 6 آذار/مارس الماضي، وأكثر من 80 مدرسة، يوم الأحد 5 من الشهر نفسه، في جميع أنحاء إيران بهجمات كيميائية.
السعودية وإيران
لكن شهر آذار/مارس الماضي حمل من ناحية أخرى بوادر انفراج بين السعودية وإيران إذ شهد ولادة الاتفاقية الجديدة يوم 10 التي وقعها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، ومستشار الأمن القومي السعودي مسعد بن محمد العيبان، بوساطة كبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي، في حفل احتضنته العاصمة الصينية بكين لإعادة العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات بين البلدين بعد سبع سنوات من التوترات بين ألد خصمين في الشرق الأوسط. وقدمت بكين في سابقة مميزة نفسها كلاعب فاعل وراعي اتفاقات سلام جديدة في الشرق الأوسط المتوتر والمشتعل بالصراعات الإثنية والطائفية والسياسية.
كما شهدت إيران عام 2023 عدة حوادث اغتيال أبرزها مقتل عضو مجلس خبراء القيادة الإيراني، الشيخ عباس علي سليماني، الذي قُتل يوم الأربعاء 26 نيسان/ابريل الماضي في هجوم مسلح شمالي إيران. ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية الحكومية عن نائب رئيس محافظة مازندران، روح الله سلكي، قوله إن الشيخ سليماني، ممثل المرشد الإيراني السابق في محافظة سيستان وبلوشستان، والعضو الحالي في مجلس خبراء القيادة، تعرّض لهجوم مسلح في مدينة بابلسر شمالي إيران، ما أدى إلى مقتله. وأضاف سلكي أنه تم القبض على المهاجم.
كما شهدت طهران اغتيال المخرج الإيراني داريوش مهرجوئي أحد ابرز آباء السينما الإيرانية، وقالت السلطات الإيرانية الرسمية إنها عثرت، مساء السبت 26 تشرين الاول/اكتوبر الماضي، على جثة مهرجوئي إلى جانب جثة زوجته وحيدة محمدي فر، في منزلهما بالقرب من العاصمة طهران، حيث تعرضا لطعنات بسكين. ويُعتبر داريوش مهرجوئي، البالغ من العمر 83 عاما، من أبرز السينمائيين الإيرانيين، وأحد مؤسسي الموجة الجديدة في السينما الإيرانية. ووفقا لوسائل إعلام محلية، فقد تعرفت الشرطة الإيرانية على أربعة أشخاص تربطهم صلة بحادث مقتل المخرج الإيراني وزوجته.
اتفاق مبادلة للسجناء
أفادت وثيقة أمريكية، يوم 11 ايلول/سبتمبر، بأن الولايات المتحدة أصدرت استثناء من العقوبات للسماح بنقل ستة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة من كوريا الجنوبية إلى قطر في خطوة ضرورية لتنفيذ اتفاق مبادلة للسجناء بين واشنطن وطهران سبق الإعلان عنه. الوثيقة المرسلة إلى لجان بالكونغرس الأمريكي، تنطوي على أول إقرار رسمي من الحكومة الأمريكية بأنها ستطلق سراح خمسة إيرانيين محتجزين في الولايات المتحدة في إطار اتفاقية من أجل تحرير المواطنين الأمريكيين الخمسة المعتقلين في طهران. وقالت: «لتسهيل إطلاق سراحهم، تعهدت الولايات المتحدة بإطلاق سراح خمسة مواطنين إيرانيين محتجزين حاليا في الولايات المتحدة والسماح بتحويل ما يقرب من 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المودعة في حسابات مقيدة في كوريا الجنوبية إلى حسابات مقيدة في قطر، حيث ستكون الأموال متاحة فقط للتجارة لأغراض إنسانية».
لكن نتيجة توتر الأجواء في الشرق الأوسط بعد انطلاق عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حركة المقاومة الإسلامية في 7 اكتوبر، وبعد اشتعال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ونتيجة موقف إيران الداعم لحركة حماس، أعادت واشنطن تجميد الأموال الإيرانية التي تم تحويلها لقطر، وقد أشار محللون إلى إن الدول الغربية تمارس ضغوطا على إيران لكي توصل رسالة إلى الجماعات والميليشيات المسلحة في المنطقة بعدم التعرض للقواعد الأمريكية وضبط سلوك هذه الجماعات لاسيما حزب الله اللبناني. كما أشار بعض المراقبين إلى إن طهران حتى الآن لم تستطع الاستفادة من هذه الأموال رغم قرار الإفراج عنها، ما يوحي بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لإيران باستخدام هذه الأموال في فترة حرب غزة على الأقل وذلك لكي تستطيع أن تحتوي سلوك إيران وممارساتها تجاه الأوضاع في الحرب الدائرة.