لم تسقط روسيا في الحرب المضنية، ولا تحت العقوبات والحصار الاقتصادي، وامتصت شيئا فشيئا اخفاقاتها على الجبهة، دون أن تنجح مع ذلك في قلب المشهد بشكل حاسم.
تودّع روسيا عامها الميلاديّ هذا بإنزال عقوبة السجن ما بين خمس وسبع سنوات ونصف بالشاعرين آرتيوم كاماردين وإيغور شتوفبا لإلقائهما قصيدة ضدّ الحرب، في جوار نصب الشاعر فلاديمير مايكوفسكي. وصف الشاعران ما أنزل بهما على أنه «حكم العار».
يأتي ذلك في وقت أثارت فيه لقطات مبثوثة من حفل «شبه العراة» في ملهى موتابور الموسكوفي، وقد شارك فيه بعض من نجوم البوب، حملة تنديد محافظة اجتماعية به، مرعية بل موجهة من قبل السلطات، ومسلّط عليها الضوء من قبل القنوات الإعلامية، التي تقصّدت إظهار امتعاض الرئيس فلاديمير بوتين من الحفل، كما الجنود على الجبهة، المستائين من «مجتمع العار» هذا، الذي يعيش حياة استهتار ومجون وبذخ غير آبه بالحرب.
في المشهد الأول شاعر يندّد «بعار النظام» الذي يسجنه لسنوات على قصيدة ضد الحرب. في المشهد الثاني، «العار» هو أداة تنديد نظام الأمنين، السياسي والاجتماعي، بفئة مترفة، لا تشبه احتفالاتها الصورة التي يريد رسمها عن «مجتمع الحرب» المتعاضد، المتضامن مع القيادة والجيش، والمتصرّف كأمّة صابرة، مكافحة، «بيتوتية» عائلية، يحبّذ النظام البوتيني تقديمها على أن لها مزايا نفسية وثقافية مختلفة عن أنماط الحياة الفردانية السائدة في الغرب.
لكن المجتمع الروسي نفسه، بأكثرية مكوناته، وعلى اختلافها بين المدن الكبيرة والأصغر منها، وبين الحواضر والأصقاع البعيدة، لا يشبه هذه الصورة المثالية «وإن تبناها» خطاباً، ولو كانت المحافظة الاجتماعية هي عليه غالبة، كما أن تنديد النظام باستمرار بالمثلية والكويرية يلقى فيه استقبالا شعبياً إيجابياً.
أما حال العائلة فأكثر تشظياً من حالها في المرحلة البريجنيفية حيث كانت المحافظة الاجتماعية مستعادة، إنما في نطاق أيديولوجيا كلّية تقدمية، علموية، بل إلحادية. وإذا كان الإلحاد قد تداعى من حيث هو نسق فكري بعد زوال الاتحاد السوفياتي، فإن الإيمان الأرثوذكسي لم ينهض إلا لماماً في روسيا «الجديدة».
الزعيم البارد والدائم
كذلك الأمر بالنسبة إلى الحمية القومية. فنظام بوتين لا يحبذ من الأساس النوع «الجماهيري» الجيّاش من الحركية القومية، أي النوع المتحلّق حول زعيم كاريزماتي وخطيب مفوّه «قريب من الناس» على نحو حي، ومعاش. بوتين هو على العكس من ذلك نموذج للافتعال النافر، والبرودة، في العلاقة مع الناس، وهو منذ اندلاع الحرب لم يكلّف خاطره زيارة الجبهة خلافاً لما كان يقوم به القيصر نقولا الثاني في الحرب الكبرى مثلاً، لكنه زار في المقابل على نحو نادر وبعيد عن الضوء المناطق التي تحتلها روسيا في أوكرانيا، وتردد مرتين أو ثلاث على مقر القيادة العسكرية في روستوف. نقولا الثاني كان يحرص على الظهور في المواقع الميدانية المتقدمة للحرب، وهذا ما لم يشفع له بالنتيجة، فانتشر الاستياء من الحرب وكلفتها، وقامت الثورة عليه. بوتين، الذي يحرص على التشبه بنقولا الأول، لا الثاني، ليس «غاوي زيارة خطوط أمامية» خاصة وأنه في النهاية «خدم عسكريته» إذ هو آت من الجهاز المخابراتي، بل على رأس الجهاز. والقومية التي ينتقيها للمجتمع ذات طابع «جهازي». بالتالي، هو يحبّذ على الغالب ترويج الصورة عنه، على أنه «حبيس مكتبه» يسيطر على كل شيء من فوق، ومن وراء الستار، وقادر على التلصص على كل شيء، والتدخل في الوقت المناسب، باظهار لمساته التفصيلية، لقمع شاعر ضد الحرب هنا، أو للتشهير بحفل ماجن هناك!
لسنوات خلت، كانت صورة بوتين كلاعب جودو، وسبّاح، وصيّاد، وفارس، جزءا من عدّة الشغل لترويج الصورة «الماسكولينية»، «الذكرية» أو «الفحولية» عنه. لكن الآن الرجل الذي يخوض الحرب الكبرى لبلاده بعد زوال الاتحاد السوفياتي وهو في الحادية والسبعين من العمر، وبشكل يظهره أنه «فوق الحرب» نفسها، ما يفترض الاعتدال في الصورة التي تقدّم له أيضاً. كان القيصر نقولا الثاني أصغر من بوتين بعشرين عام حين أعدم عام 1918.
القيصر نقولا الثاني لم يتمكن من عزل «الحركة ضد الحرب» هذا من جهة، والقيادة العسكرية «الستفاكا» وصلت لقناعة في أيامه في المقابل بأنها قادرة على الاستمرار بالحرب من دونه، هذا من جهة ثانية. بوتين في المقابل، لا يزال قادراً على عزل «الفقاعة ضد الحرب» عن عموم المجتمع، وتحريض المجتمع في اتجاه آخر على «اللاهين بعيداً عن الحرب». في الوقت نفسه، المجتمع لا يعيش حياة حماسية اليوم. حاله أبعد ما تكون عن هذا. الافتراض الأقوى إلى الآن على أن هذا المجتمع مقتنع بأن أي خيار آخر الآن «غير بوتين وحربه» ستدخل روسيا في متاهة هي أخطر من الحرب نفسها، بل أخطر مما جرته عليها متاهة الخروج من الحرب بالثورة عام 1917 أي بالنتيجة بالحرب الأهلية. لكن الحرب على أوكرانيا هي أيضاً، بشكل أو بآخر، بعض من رجعة «الحرب الأهلية الروسية».
عندما كان الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف في سن بوتين اليوم، أو أزيد بقليل، كانت الصورة الطاغية عليه هي صورة تفاقم حالته الصحية وضعف قدرته على النهوض بموجبات القيادة. كان بريجنيف في الثانية والسبعين يوم اتخذ القرار باجتياح أفغانستان، وأُخذ عليه القرار أيضاً من ناحية أن قيادة متقدمة في السن، هو ومن حوله في ذلك الوقت، ساقت بالشباب إلى الحرب والموت. بوتين في المقابل، ماض في الحرب، لكنه ماض أيضاً في خيار الإمساك بروسيا، ربما، اذا استطاع، لعقدين إضافيين من الآن! بالطبع، حيلته من الآن فصاعداً، لن تكون تقديم نفسه كلاعب جودو، وإنما في مظهر «الثابت بلا كلل» لسنوات، حتى تحقيق المراد.
مدخل ذلك الآن انتخابات 2024 الرئاسية في اذار/مارس المقبل. فهي أول انتخابات بعد تعديلات 2020 على الدستور التي عادت لتسمح لبوتين بالترشّح. في الأيام الماضية، ألغيت عن الاستحقاق المقبل آخر مسحة ديمقراطية حين منعت اللجنة الانتخابية المرشحة الصحافية يكاترينا دونتسوفا التي تطرح بشكل عمومي شعاري «الديمقراطية والسلام» من المشاركة بذريعة «الأخطاء في المستندات». باتت المنازلة أكثر من صورية وهي محصورة بين بوتين ومرشحي الحزبين «المنبريين» في الدوما، الشيوعي والقومي – الجيرينوفسكي. لم يعد هناك بالتالي الا التأمل في نسبة المشاركة بالانتخابات.
حتى الآن، لا يزال «الموقف ضد الحرب» غير قادر على التبلور سياسياً، على نحو برنامجي، في روسيا. هذا من ناحية من يتحركون ضد الحرب واستمرارها. وفي السياق الاحباطي لكل اعتراض أو انشقاق جدي، يأتي تشديد العقوبة على المعارض الكسي نافالني، الذي خرج أساساً على نظام بوتين من خلفية «منددة بالفساد» والمعتقل قبيل الحرب الحالية، والمنقول حديثا إلى سجن في المنطقة القطبية.
الهجرة والاقتصاد
من الصعب التخيّل كيف يمكن أن تنتشر في روسيا حركة ضد الحرب، مناهضة للنظام، ومتقبلة للانسحاب من مختلف المناطق الأوكرانية، بما فيها شبه جزيرة القرم.
في المقابل، «الموقف من الحرب» بمعنى السلبي، لا بالمعنى النضالي، والمرتبط بهجرة مئات الآلاف من الروس تحاشياً لأن يساقوا إلى القتال، أو إلى «مفرمة اللحم» كما وصفها زعيم مجموعة فاغنر المنكوب يفغيني بريغوجين. ومن بين الذين نجحوا في ترك روسيا، عدد كبير من المختصين بتكنولوجيا المعلومات، وكفاءات علمية وتقنية حيوية، مثلما أن هذا النزيف قلص اليد العاملة، وزاد من حاجة النظام للاعتماد على سجناء الحق العام لإرسالهم إلى الجبهة.
يحرص نظام بوتين في المقابل على التقليل من تأثيرات العقوبات الاقتصادية على بلاده، والحال أن الاقتصاد الروسي رغم تقلّص حجمه، والحصار المفروض عليه، هو في حال «مقبولة نوعاً ما» بالنسبة إلى بلد في حالة حرب، وبالنسبة إلى نظام يجد مصلحة أكيدة في إقناع شعبه بأن كوكب الأرض كله في حال حرب أيضاً، وأن معاناة الأوروبيين تحديداً جراء تبعات الحرب في أوكرانيا حرية بأن تدفع المواطنين الروس الى التهوين من الضائقة التي تواجههم. يبقى أن الفصل فيما إذا كان أثر العقوبات الغربية على روسيا يزيد أو يقل مع الوقت هو رهن العام الموشك على البدء.
بشكل عام، تودّع روسيا عام 2023 على الجبهة بأفضل مما استقبلته، فالهجوم المضاد الأوكراني لعام 2022 كان ناجحاً والهجوم المضاد الأوكراني الأوسع نطاقاً منذ الربيع الماضي لم يظهر أنه يملك مقوماته، خاصة وأن التفسخ في الجانب الروسي، بين قيادة فاغنر ووزارة الدفاع الروسية وضع له حد، بنتيجة فشل العراضة الانقلابية لبريغوجين ثم مصرع الأخير بتحطم طائرته. لكن أيضاً، المواكبة الغربية التسليحية والتمويلية للجانب الأوكراني تواجه عراقيل وتعقيدات مع الوقت أكثر فأكثر، ما بين اليمين الشعبوي في بولونيا والمجر الأكثر رغبة في إدارة الظهر لكييف، والجمهوريين في الولايات المتحدة الذين يصدون الدعم المالي المعد لها من إدارة بايدن، وقد اختتمت الأخيرة عامها هذا بالافراج عن جرعة من هذا الدعم، لكن واقع الحرب الإسرائيلية في الشرق الأوسط، والنزاع في البحر الأحمر، يزيد من الارباك على صعيد توفير الدعم لأوكرانيا، كما وأن اصرار قيادة الأخيرة على عدم التنازل عن أي أرض لها في مقابل روسيا هو أمر لا تنظر له دوائر غربية عديدة بإيجابية، كونه يفرض على المجموعة الأطلسية سقوفاً قد لا تكون بحاجة إليها في وضع دولي مركب ومتحرك ولا يمكن حصر مصدر التهديد فيه بروسيا، وفي البال، بشكلين وحيّزين مختلفين، الصين وإيران.
لم تسقط أوكرانيا بالضربة العسكرية القاضية. جرجرت، بالشراكة مع الغرب، روسيا إلى حرب مضنية لم يكن جيشها مؤهلا لها، ولا مجتمعها غير القادر على تجاوز كبوته الديموغرافية قبل الحرب، فكيف في إثرها. بدورها، لم تسقط روسيا في الحرب المضنية، ولا تحت العقوبات والحصار الاقتصادي، وامتصت شيئا فشيئا اخفاقاتها على الجبهة، دون أن تنجح مع ذلك في قلب المشهد بشكل حاسم، ودون أن ينجح نظام بوتين رغم اتخاذه الطابع «مدى الحياة» على مستوى رئيسه، أن يخرج من طابعه «الموقت» على مستوى المؤسسات، هذا بخلاف دولة مثل الصين، ليست أقل مناهضة للديمقراطية الليبرالية من روسيا، لكن المؤسسات فيها، وفقاً للترسيمة الحزبية – العقائدية، أكثر رسوخاً.
مئوية غياب لينين
وهنا يحضر الاستحقاق الرمزي الذي يطالع روسيا بداية العام الجديد. مئوية رحيل الزعيم البلشفي فلاديمير ايليتش لينين في 21 كانون الثاني/يناير 1924. بوتين دشن الحرب الحالية بالهجوم عليه. وصمه بأنه المتسبب بفصل أوكرانيا عن روسيا. عاود بوتين الكرة في وجه تمرد قيادة فاغنر. فعاود التهديف على من أثاروا الانقسام في الداخل الروسي عام 1917 في وقت كانت روسيا قادرة على التوجه، بحسب مزاعمه، نحو الانتصار في الحرب العالمية ضد ألمانيا والنمسا.
لكن لينين هو أيضاً مؤسس الدولة الحالية، بما في ذلك الامتداد ما بعد السوفياتي لها، وستبقى هي الحال طالما بقيت قيادة روسيا بأيدي أناس تربوا في الحزب الشيوعي السوفياتي والمخابرات السوفياتية. لا يزال لينين «الأخ الأكبر» السري لهذه الدولة، مع فارق أن الحال فيها انقلب من الارتداد الليبرالي – إنما الاستبدادي أيضاً – عن الشيوعية، في ظل بوريس يلتسن، إلى الارتداد عن الليبرالية كذلك الأمر، مع فلاديمير بوتين، وقيادة «ثورة محافظة دائمة» من فوق، إنما بواسطة الجهاز المخابراتي نفسه، الوريث لجهاز «التشيكا» الذي أقامته الثورة البلشفية!
لينين متهم في الوقت نفسه من قبل بوتين بتشريع سلخ أوكرانيا عن روسيا – وهذه ليست أبدا نظرة القوميين الأوكران للقيادي البلشفي. إذ تتهمه بالتسبب لأوكرانيا بمآس أكثر ثقلا عليها بكثير من كل ضيم لحق بها في المرحلة القيصرية.
في الوقت نفسه، لينين صاحب شعار «أوروبا المتأخرة وآسيا المتقدمة» – إنما احتفاء بالحركات الوطنية التحررية في آسيا في ذلك الوقت، وليس بأنظمتها الاستبدادية، وتشاؤماً حيال مآل الحركة العمالية الأوروبية في ظل انتشاء ما كان يسميه «بالأريستقراطية العمالية» المرتبطة بالامبريالية، كان يفتح المجال للتأويل البوتيني لمثل هذا النعي لأوروبا – الا اليمين المتطرف فيها الذي أعاد إظهار عواطفه البوتينية من بعد كتمان نسبيّ موقت فرضته بداية الحرب الحالية – وبالتالي هجرة آخر معالم ما كان يسميه آخر الزعماء السوفيات ميخائيل غورباتشيف بالبيت الأوروبي الواحد.