أزهار فلسطين: سنونوّات نباتيّة أم جراح الحبيب

في رحلتي الأولى إلى فلسطين خريف 2000، حيث قضّينا نحن الشعراء المدعوّين إلى ملتقى الشعراء الأوّل أسبوعا بين أريحا ورام الله والبيرة وبيت لحم، عدت ببضعة كتب فلسطينيّة؛ من بينها كتاب جميل جدّا، أنيق جدّا، لا أزال أضعه في ركن بارز من مكتبتي في البيت هو «أزهار فلسطين»؛ وهو ما عدا أربع صفحات وبضعة أسطر، مخصّص كلّه لهذه الأزهار مثل: شقائق النعمان وزهرة الحواشي وعشبة الجرح والسوسن وزنبق الجبل ورجل الدب وبقلة الملك وعصا الراعي وعين الديك ودولاب الهنا ومنقار العصفور والترمس البرّي وشيخ الربيع والقابضة البحريّة وما إليها…
وهو «تحقيق» أو «تخريج» لكتاب الرسّامة السويسريّة حنّة زيللر، الذي نشر أوّل مرّة 1870 بثلاث لغات: الأنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة؛ ووُصِف وقتها بأنّه «مجموعة من الرسوم الموضوعة بعناية، بالشكل والألوان التي وقعت عليها أعين المسيح في طفولته». ومع أنّ لهذه الأزهار أخواتها عندنا في تونس، وفي كلّ «الهلال الخصيب» فإنّها تتضافر على اختلاف لغتها ورمزيّتها وفضيلتها وبديع أثرها في أجسادنا ونفوسنا وطبائعنا، وما تصرّح به وتلوّح، في باقة فريدة يمكن أن نسِمها بهذه العبارة التي تبدأ هنا مباشرة بعد التقديم: «لا شبيه لفلسطين» التي كانت تسمّى قديما «أرض اللبن والعسل».
أجل لا شبيه لها جغرافيا وطبيعة وتاريخا ومقاومة، فهي تطلّ بكلّ جلالها من زاوية المتوسّط الجنوبيّة الشرقيّة، ومن طرف البحر الأحمر الشرقي الشمالي؛ وفيها تجتمع صفرة الصحراء التي يسمّيها بلزاك «الإله من دون البشر»، وخضرة الجبل، ويتزاوج المناخان حارّا وباردا، كما تتزاوج الفصول الأربعة. على أنّ الفلسطينيّين رتّبوا حياتهم على إيقاع موسمين: الزرع والحصاد، وفصلين: الشتاء والصيف، أمّا الربيع والخريف فهما لا يطيلان المكوث، وكأنّهما في فلسطين في عجلة من أمرهما.
يأخذ الكتاب بأيدينا في تؤدة، إلى عالم الأزهار لسان الأرض الفلسطينيّة المتنوّعة: أزهار الرطوبة وأزهار الجفاف حيث نستشعر فيها كلّها لحظات من السحر، في ضوء شفيف صاف خالص. هو ضوء لا مرئي، لا لون له، ولا شكل؛ كأنه ماء. بيْد أنه ماء لا يلمس. أما لماذا؟ فلأنّ الضوء هو «فلسطين» كلّها. هو هذه الفتحة التي تصنع الفضاء في آذار ونيسان حيث تلوي الزنابق القرمزيّة على السوسن الأحمر في الجليل، وتقف زهرة الترمس في السهول، وتفيض شجرة الزمزريق ببراعمها على تلال القدس، وتنتصب في حوض البحر الميّت الأزهار الاستوائيّة وهي تفوح بعطور أفريقيا؛ ولا أحد يدري كيف نبتت هنا.. ولا أيّ ريح حملتها..  حتّى في الضباب الشمسي الذي يعْمرُ الصحراء ويغمرها؛ وهو من الهباء، ولكنه الهباء الذي يدوم ويعمّر، تستيقظ أزهار فلسطين.
على أنّ ماءها هو هذا الدم الفلسطينيّ يزكو منذ مئة عام، حيث الأشياء تصعد وترتفع، وتهبط وتنزل هي والأطفال الذين ترتفع أجسادهم بقوة الإرادة وحدها، وهم معلّقون في حبل ما بين الأسود والأبيض. أما الأسود فكلّما بسط الظلّ سلطانه، وغاض الضوء، وأمّا الأبيض فمتجدّد أبدا في فلسطين. الزهرة الفلسطينيّة روح تجاهد وتكافح.. زهرة شقائق النعمان التي تفيض على كلّ فلسطين.. التي سمّاها الكنعانيون «جراح الحبيب».. مثلها مثل زهرة عين البس وزهرة عرف الديك.. والترمس أبيض وأزرق.. بل الشوك أيضا..  وأشهره شوك المسيح الذي لُفّ على جبينه.
على أنّي لا أحبّ أن أسترسل في هذا المقال «النصّ» دون أن أعرّج على مقدّمة محمود درويش، وما كتبته له في «زهرة أوركيد»، والفصل الأوّل من رواية «شجرة التوت» لنصري حجّاج، وكان أرسله إليّ قبل رحيله؛ على أن أمدّه برأيي فيه، وأن أقترح عليه ما أقترح؛ لكنّ الموت اختطفه دون أن يكمل نصّه.
في مقدّمة الكتاب تكمن قدرة محمود درويش النثريّة ناهيك عن الشعريّة.. على جعل الناس والأزهار.. الأشياء والذوات تعيش بشغف وولع، على وقع إيقاع الجمل في حركة الأزهار المائيّة بأسمائها جامدة وسائلة. وهو مما يضفي على لغته طابعا فريدا أشبه بعطر يتردّد في نصه، وكأنّه يصدر عن رمية لاعب النرد.
لغة تمسك بالعطر، في مجْلَى ألوان من الأحمر الرماني والخبازي والأرجواني والبنفسجي؛ وكأنها حدّ النهار أو نهايته، وفلسطين ليست مسطّحا غُفْلا ولا هي فيض من الكثبان، بل هي صور مجبولة من الحجارة.. ومن شاطئ غزّة.. من رؤوس الجبال.. لغة تنهض بين ألق السيليس ولمعان الصوان.. يعرف محمود درويش كيف يتهجّاها.. ويترجم الريح إلى كلمات من العطر واللون، ومن الصوان والجبس.. حيث «لا شبيه لفلسطين.. حيث النشيد الفلسطيني يسلخ اللحم وكأنّه سرّ من الأسرار القدسيّة أو تكريس الملائكة». يقول محمود في هذه المقدّمة وهي أشبه بـ«قصيدة نثر»: «تأخذنا الأزهار، وهي في مكانها، إلى مكان آخر وعمر آخر. ونحن في حضورها لسنا من كنّا في غيابها… الأزهار هي تلك اللغة الأخرى… في وسعها وهي وحيدة أن تؤلّب المشهد الخارجي على نفسه؛ حين تنفجر على السفح من دمها الملوّن. تتحوّل الأزهار من جديد إلى أزرار في ثوب عروس كنعانيّة، فتصير الطبيعة امرأة، وتصير المرأة أرضا، ولا عطر إلاّ منها… لا نعرف إن كانت هي بنت الربيع أم بشارته.. تلك السنونوّة النباتيّة، فهي متى طلعت وأينما طلعت، أبدعت للربيع زمنا خارج التقويم… لكن لكلّ بلاد زهرة تدلّ عليها، زهرة وطنيّة تُنسب إلى بلادها أو تنسب إليها تلك البلاد. وهكذا تدرج الزهرة في تعريف الهويّة، في احتفائها بذاتها، أو في حنينها إلى أرض ذاتها…».
أمّا نصري حجّاج فيلتفت إلى الأشجار الشامخة قبل النكبة وبعدها، التي رافقت حياة اللاجئين، وكانت ملكا لهم جميعا؛ قبل أن تصبح هي أيضا من ضحايا الحروب: «منحتنا الأشجار السابقة على وجودنا لاجئين في المخيم أسماءها فأطلقناها على حاراتنا وملاعب طفولتنا حتى أنّ بعضنا أطلقوا على أطفالهم أسماء الأشجار أو ثمارها. كانت شجرة الجمّيز أشهر من جامع الشيخ عمر الذي تلتصق فيه شجرة الجميز كأنها تحميه من السقوط في جمود الحجارة كانت ربما تعطيه بعضاً من حياتها في ظلالها ولون ثمارها…
كانت شجرة الجمّيز باسقةً وكريمةً في ثمارها، حتى يمكننا القول، بلا مبالغة أو رومانسيّة ساذجة، إن أهل المخيم جميعاً أكلوا من ثمارها عسليّة المذاق… كنا نسير إليها في موسم القطاف في خريف كل عام وخصوصاً عندما يكمل القمر دورته ويصير بدراً، في الجهة الغربيّة الجنوبيّة لنتذوّق ثمارها القرمزيّة. وقد ظلت الجميزة (هكذا كان اسمها) تطرح ثمارها إلى أن قصفت إسرائيل المنطقة…».
ويتواصل هذا النصّ الحيّ الممتع سلسا مشوّقا، فقد قصفت طائرات الاحتلال البيوت والأشجار معا، بما فيها شجرة الجمّيز، لكن «ظلت قرمية الجذع هناك شاهدةً على أحلامنا وحلاوة العسل الذي كنا نتذوقه من ثمار الجميزة إلى أن جاء الاجتياح الكبير عام 1982…». أمّا أشجار الخروع بأوراقها العريضة الخضراء الحمراء، وبذورها الموشّحة بالأحمر التي تصنع منها شربة زيت الخرّوع، فقد ميّزت حواكير بيوت اللاجئين، شأنها شأن أشجار العنب والليمون…
غير أنّ هذه الأشجار المنكوبة «ظلّت تنشر ظلالها في ذاكرتنا.. لم ننسها ولم نستبدلها من مفرداتنا التي تشير إلى الحارات وملاعب الطفولة حتى بعد أن حلّ محلّها بيوت وعمارات وجوامع في بعض الحارات. شجرة التوت في حارتنا في حاكورة بيت *صبحة العثمان* هي الوحيدة التي صمدت أمام قصف الصواريخ وقذائف الدبابات والبوارج الحربية من البحر في أكثر من حرب…».
***
قلت في قصيدتي «زهرة أوركيد لمحمود درويش»:
«إنّ الزهور شبيهة شبيهة ُ ُبالنّاسِ يا محمود: ساقٌ رِخـْوةٌ مغروزةٌ في الماءِ/ جذرٌ هوائيّ ٌ يطفطفُ في غبار الغيمِ مثلَ الناس / طازَجة ليومٍ واحدٍ/ أو ربّما يومينِ في الأسبوع أو في الشهرِ/ مثلَ الناس/ جاهزةُ ُ لتدخلَ في مسامِّ الأرضِ مثلَ الناسِ/ لكنَّ الزهورَ أقلّ ُ منـّا ريبة في الموتِ/ نحنُ بَنِيهِ/ لا يعني لها شيئا «خلودُ الرّوحِ»عند الناسِ/
فيما يلفُّ الناسُ موتاهمْ بأسمالٍ من الكلماتِ/ فيما الناسُ يُغـْـويهمْ حليبُ الجيـرِ فوقَ قبورهمْ
فيبيّضونَ الموتَ/ كانت زهرةَ الأوركيدِ تصنعُ في أناة قوسها القـُزحيَّ في ألياف نخلٍ
أو لِحاءِ صنوبرٍ أو سرْخِسٍ/ ذكرى ملوكِ الصّينِ.. خيمياءُ النساءِ وسرّ ُ مخدعهنَّ فيهِ/
إذا انفـتـقــْـنَ على سرير الحبِّ/ مثل القـُنـّـبِ الوحشيِّ في ليل الحديقة/ عطرُ كونفيشيوسَ/
ذكرى دَينـَصُورَاتٍ وغاباتٍ/ ألفـْـباءُ النباتِ.. اِسمٌ لكنعانيّةٍ رَعـَويّةٍ/ وفراشةٌ ليليّةٌ حينًا وحينًا نحْـلةٌ.. قـَبْقابُ فينوس ٍ ومغطسُها/ يدُ البوذيِّ/ ذكرى صائدي الأوركيدِ في الأمَزُونِ/
وهي تشعُّ فيهِ كما تشعُّ بداهة ُ البلّور في الأشياءْ…».
سلاما لفلسطين..سلاما لأطفالها سنونوّات النبات.. جراح الحبيب.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية