تغتني الثقافة بالتنوع وتعدد الأطياف وتصاب بالانيميا وفقر الابداع للسبب ذاته، فإذا كان مجتمع ما ذا ديناميات قادرة على الامتصاص والتمثل فهو محظوظ بتنوعه، لأن لديه بوتقة تنصهر فيها ثقافات متعددة المصادر لكنه حين يكون ممعودا، أي يشكو من عجز الهضم فهو طارد بالضرورة، بحيث تتحول فضيلة التكامل فيه إلى رذيلة التآكل، والحضارات في ربيعها وقبل ان يتسلل السّوس إلى صولجانها هاضمة وماصّة لهذا فهي تعيد إنتاج الوافد إليها بحيث يصبح جزءا عضويا من نسيجها وخلايا مشحونة بالمناعة في دورتها الدموية.
الحكاية اذن قدر تعلّقها بانعكاس السياسي على الثقافي هي في المسافة بين الأطياف والطوائف، وبين عافية الهضم والتقيّؤ الذي يفتضح عجزها عن الامتصاص والاستيعاب لكن الحضارات على تخوم خريفها تبدأ بالتحلل من داخلها، وما كان يغذي أحشاءها يصبح قاضما لهذه الاحشاء، وقد يكون تمزيق الهوية الام هو النذير الأول الذي يعلنه غراب الخريف، بحيث يتحسس كل فرد أو جماعة مواقع الأقدام ويبدأ الانسحاب من سياقات يلتئم فيها الجميع إلى روافد أو سواقي يبحث كل منها عن مصب خاص به رغم ان النبع واحد!
الحضارة العربية الإسلامية اغتنت عبر كل أزمنتها بالتعدد لأنها عرّبت وأسلمت بما تملكه من فائض القوة وديناميات الامتصاص، لكنها في مراحل معينة تراخت أطرافها بعد ان ترامت، وبدأ النخر فيها من داخلها، سواء تعلق ذلك بالدولة ذاتها ومركزيتها أو بجيوشها التي كانت تجربة الخليفة المعتصم من أبرزها، فالمنتصر في معركة عمورية والذي دفع شاعرا كأبي تمام إلى ذروة التجلي والوضوح بعد دفاعه عن الابهام والغموض حين حَسَم المسألة لصالح السيف فهو الأصدق أنباء من الكتب، لكن ما ان بدأ الجيش بتفكك ويتعكّر صفاء عقيدته حتى أصبحت الكتب هي الأصدق، لأنها معنية بالرصد والتحليل والنقد، وما كتبه المؤرخ ابن الاثير الشاهد على تدمير الدولة في بغداد واهلاكها بالغزو يتجاوز النقد إلى الندم، فهو كما قال تمنى لو ان امه لم تلده كي يرى ما رأى، ومما رأى مآذن وابراجا من الجماجم ومخطوطات غيّرت لون الماء في النهر واوشكت ان تغيّر مجراه، أو تعيده إلى النبع، لكن الأنهار لا تعرف مثل هذا الاعتذار عن منابعها ومجراها ومصباتها، لأن الأهم من الماء فيها هو التيار الناجم عن كثافته، وهذا ما عبّر عنه الراحل خليل حاوي حين كتب عن تفسيخ المياه بهدف تدجينها في جرار.
في خريف الحضارة اول ما يسقط هو أوراق ثقافية، صفراء وغير ممهورة بأية تواقيع بشرية، لأن التوقيع الوحيد على بشرتها المجعدة الناشفة هو توقيع التاريخ ذاته، بعد ان أدت عوامل التعرية التي تخصه دورا أشد بكثير مما تؤدي عوامل التعرية في الطبيعة، فالطيف يتحول إلى طائفة، والفائض يستحيل إلى نُقصان، والامتياز سواء كان أرضا أو ديموغرافيا يتحول إلى عورة وتلك جدلية خالدة في الفيزياء الكونية سواء تعلّقت بالتاريخ أو الطبيعة، فما هو سبب كاف للنمو يصبح سببا للاعاقة وما هو سبب وجيه للحياة والتبشير بها يصبح سببا أكثر وجاهة للموت.
هكذا تنقلب اسطورة ميداس الاغريقي الذي كان يلامس التراب فيحوله إلى ذهب، لأن الوجه الآخر لهذه الاسطورة خريفيّ بامتياز بحيث يحول ميداس الذهب إذا لامسه إلى رمل أو تراب.
كان أمام ميداس العربي الذي لم يولد من رحم الاسطورة بل من صلب التاريخ ان يحوّل التنوع إلى ثراء والرمل إلى ذهب، لكن ليس على طريقة الجمالي جاك برتلمي الذي طالب الشاعر بتسخين الرمل كي يصبح زجاجا شفافا، وهو بذلك يقصد كيمياء الشعر الصاهرة للعناصر كلها، والتي تنتهي إلى تجريد تتعذّر ترجمته كما تتعذر ترجمة الصمت.
ولو أخذنا مثالا واحدا في عصرنا هو لبنان، فقد كان مؤهلا بتنوعه إلى افراز الأطياف لا الطوائف، وبالتالي يتحول إلى قوس قزح في أفق الصحراء، لكن ما حدث كان عكس ذلك، فالاطياف استحالت طوائف، عبر خيمياء وليس كيمياء أضافت ثالث اكسيد التعصب إلى خامس اكسيد الحرب وكانت الحصيلة عاشر أكيد البكاء الذي لم ينقطع منذ اندلعت الحرب الأهلية والتي لم تضع أوزارها بعد، فالوزر الأخير هو الباهظ ، لأنه يتقطر من الأكاسيد كلها، ويعيد تعريف المواطن بانه رقم في قبيلة أو طائفة أو مذهب، وهنا تتضخم الهوية وقد تتسرطن، وكلما تضخمت نقصت المواطنة كما يقول وجيه كوثراني في كتاب بالغ الأهمية في هذا السياق.
حين تورط لبنان بالحرب الأهلية كانت بلدان عربية عديدة تنعم بما تتصور انه السلّم الأهلي، وسرعان ما انقلبت المعادلة، فلبنان الآن رغم ظلال واصداء حربه الأهلية التي لم تنتهِ بعد هو الأكثر استقرارا من اشقائه، ربما لأنه تلقّح إلى حد ما بأمصال مضادة للانتحار الأهلي.
الحضارة في خريفها لا تتساقط فيها الأوراق فقط، بل المفاهيم أيضا وقد تحتاج إلى معاجم جديدة تعبر عن هذا التحول من طراز معجم جورج اورويل، لكن الرياضيات والحواسيب أيضا تتغير وظائفها، فهناك رياضيات قومية تكون الغلبة فيها للجمع والضرب مقابل أخرى تكون الغلبة فيها للقسمة والطرح.
والوطن العربي الذي تغيّر اسمه إلى العالم العربي وهو على أبواب مئوية سايكس بيكو اقتصرت حواسيبه السياسية على الطرح والقسمة، فالمواقع الاستراتيجية التي كانت تسمى الثغور تحولت من امتياز إلى عقب آخيل، والوفرة الديمغرافية بدأت تمارس نمطا جديدا من المالتوسية لتحديد النسل وهو حروب الاخوة الأعداء.
فأين كانت الثقافة من كل هذا؟
هل كانت مجرد ظل وصدى ومفعولا به فقط؟ ام انها حاولت ثم دفعها الاندحار إلى الانتحار وسقطت في الأفخاخ ذاتها، انها في معظمها ثقافة تختنق الأطياف فيها ويشغلها فك الاشتباك بين مكونات قوس قزح أو حتى لحظة الشفق وفي تحولها من الصوت إلى الصدى أنجبت سلالات ببغاوية ليس لديها ما تقوله، بل لديها ما تكرره مفرغا من معناه كما أنجبت أيضا من تزاوج الخوف والتأقلم ظواهر حربائية، هاجسها هو التلون والنجاة الآن، وفي شعاب هذه الغابة المحترقة التي لم ينحُ منها غير العصافير والفراشات نحن في انتظار ذكريات الرماد الذي أنجز لأول مرة وحدة كبرى، يصعب الفصل فيها بين رماد الغزال والثعبان !!
كاتب أردني
خيري منصور