فيلم «قتلة زهرة القمر»: استعادة المغيب من تاريخ سكان أمريكا الأصليين

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
2

لم يشأ سكورسيزي في فيلمه الأخير «قتلة زهرة القمر» أن يسرد قصة لقاء بين رجل وأمرأة ومن ثم ارتباطهما بالزواج، إلاّ أنه سعى من خلال استثماره لهذه الحكاية أن يتوسع في بناء هذه العلاقة أفقيا إلى لحظات مهمة ومخزية من تاريخ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، يراد لها أن تغيب عن الأذهان من قبل سرديات الإعلام الأمريكي، وإذا ما تم استدعاؤها فعادة ما تُغيَّبُ عنها الحقيقة لتظهر بشكل مزيف وبرَّاق. وكما عوَّدَ متابعي أفلامه على أن ينظر بجرأة إلى التاريخ الأمريكي، أعاد في ملحمته هذه لملمة وقائع ملطخة بالدسائس والدناءة والبشاعة، حيث الجحيم الذي عاشه السكان الأصليون لأمريكا، وما تعرضوا له من قتل ممنهج على يد قوافل المهاجرين البيض القادمين من أوروبا إلى هذه القارة بحثا عن الثروة، ومع كل ما كانوا يقترفونه من جرائم إلاَّ أنهم لم يشعروا بلحظة ندم. والفيلم يعيد إلى الذاكرة نظرة الاحتقار التي كان يحملها المهاجرون البيض إلى السكان الأصليين، وتفكيرهم الاستعماري في تجريد السكان الأصليين من إنسانيتهم واعتبارهم في درجة دنيا لتبرير مجازرهم الوحشية ضدهم، وما زالت هذه الأخلاقية تحكم منهج المؤسسات الحكومية العليا في علاقتها مع شعوب العالم.

ملحمة سينمائية

في هذه الملحمة السينمائية يلعب الممثل دي كابريو الشخصية الرئيسة (ارنست بوكهارت) الذي يتزوج امرأة أمريكية من السكان الأصليين تدعى مولي بوركهارت (ليلي غلادستون) تنتمي لقبيلة الأوساج التي تتعرض لجرائم قتل متوالية صدمت أوكلاهوما في عشرينيات القرن العشرين. أما روبرت دي نيرو فيضطلع بتجسيد شخصية (ويليام هيل) الرجل الثري الذي يملك حقلا واسعا لتربية الحيوانات في أرض تعود ملكيتها لقبيلة الأوساج. وهذه القبيلة كانت تسكن في وديان نهري أوهايو والميسيسيبي، لكنها تعرضت إلى التهجير القسري من قبل حكومة الولايات المتحدة واتجه أفرادها مرغمين إلى ناحية أوكلاهوما، واشتروا الأراضي القاحلة التي تم نفيهم إليها بشكل قانوني، بالتالي أصبح من الصعب على حكومة الولايات المتحدة أن تفرض نظام التخصيص الذي بموجبه كان يتم تقسيم أراضي السكان الأصليين ومنحها للمستوطنين البيض، ولهذا تمكنوا من الاحتفاظ بملكيتها وفق القانون.
لصوص بياقات بيضاء
اعتمد سكورسيزي على قصة كتبها ديفيد جران بنفس الأسم، يسرد فيها حكاية قبائل الأوساج من بعد أن يتم طردهم من ممتلكاتهم إلى أراضي قاحلة في أوكلاهوما في مطلع القرن العشرين، لكن الحظ يقف معهم عندما يكتشفون أن الأرض التي تم نفيهم إليها تحتوي على مخزون هائل من النفط، ينبثق فجأة من باطنها، فيرقصون مبتهجين حول نافورة ينهمر منها النفط مثل المطر على وجوههم وأجساهم. ولتتحول أرضهم إلى أغنى منطقة في البلاد، بعد أن تتدفق إليها شركات استخراج النفط، ما يجعلهم يتمتعون بثروة ورفاهية يحسدهم عليها سكان المدن الأمريكية الأخرى. في اللقطات الأولى ترصد الكاميرا حشدا من الركاب البيض في عربة قطار، جلّهم من قطاع الطرق واللصوص والمجرمين الذين يرمون الوصول إلى أرض قبيلة الأوساج حيث الثروة التي يحلمون بها. وكل رجل أبيض وصل إلى أرض القبيلة تدور في رأسه فكرة الزواج من أمرأة تنتمي إلى قبيلة الأوساج، طمعا في الاستيلاء على نصيبها من الأرض من بعد وفاتها.

سيناريو القتل المُمَنهج

اعتمد السيناريو في مرتكز حبكته على شخصية تاجر الماشية ويليام كينغ هيل الذي تحول إلى أشبه بصانع للملوك في هذا المجتمع الجديد، بفضل ما يتمتع به من دهاء وقدرة ناعمة على إيهام الآخرين وخداعهم، مستخدما مهارته الشيطانية في رسم الخطط لأجل السيطرة على أكبر قدر من أراضي قبيلة الأوساج من دون أن يثير ريبتهم، وهذا لأنهم أناس مسالمون ينتمون للطبيعة وللفطرة التي جبلوا عليها، ولم يتلوثوا بحضارة البيض القائمة على نهب أملاك الآخرين والاستيلاء عليها عبر القتل، فيبقى هيل في نظرهم رجلا محبا لهم ومصدر ثقتهم، لكنه في الخفاء ما ينفك يرسم خططه الإجرامية ضدهم، ويجد فرصته الثمينة في إبن أخيه إرنست، فيتمكن بدهائه من أن يقنعه بضرورة أن يوقِع الفتاة الهندية مولي (ليلي غلادستون) في حبه من بعد أن يعمل سائقا لخدمتها في قضاء مشاويرها اليومية ساعة تحتاجه، وينجح أرنست في اصطيادها والزواج منها، في ذات الوقت يختطف الموت عائلة مولي، بدءا بوالدتها وشقيقتيها واحدة بعد ألاخرى، فأخت مولي آنا (كارا كايد مايرز) المتزوجة من بريان شقيق إرنست (سكوت شيبرد) يُعثرُ عليها مقتولة بالرصاص بجوار جدول، وفي نفس اليوم يتم إطلاق النار على رجل آخر من قبيلة الأوساج، كما تفقد مولي أختها الأخرى بعد أن أصيبت بالهزال، ويتساقط أيضا أفراد آخرين من قبائل الأوساج واحدًا تلو الآخر بشكل غامض من دون أن يُعرف القتلة، ثم تكتشف مولي أنها مصابة بمرض السكري، وهذا ما يجعلها واهنة وطريحة الفراش، وهنا تحين الفرصة أمام زوجها لينفذ خطة عمه بحقنها بمادة سامة بمواعيد يومية ثابتة للتخلص منها والاستيلاء على ما ورثته من أراضي بعد وفاة جميع أفراد عائلتها، فيخدعها بمعونة أثنين من الأطباء، بأنه سيحقنها بمادة الأنسولين الغالية الثمن التي تم اكتشافها حديثا، وهذا ما يدفع حالتها الصحية إلى التدهور بشكل بطيء. وبعد أن يتم نقلها إلى المستشفى وتستعيد صحتها يطلعها الأطباء على حقيقة السم الذي كانت تُحقن به، آنذاك تكتشف حقيقة أرنست. وعندما يقرر زعماء وأبناء قبيلتها الذهاب عبر القطار إلى عاصمة الولاية للاحتجاج على عمليات القتل الغامضة التي يتعرضون لها تذهب معهم، وينجح مسعاهم في الضغط على الحكومة، فترسل المحققين لكشف ملابسات عمليات القتل، وفي جلسات المحكمة تتكشف خيوط اللعبة، ويتم إدانة هيل وأرنست بالجرائم التي ارتكبت بحق مولي وعائلتها وبقية أفراد القبيلة.

شخصيات مركبة

تمحور بناء السيناريو على ثلاث شخصيات رئيسة «أرنست ومولي وهيل» وهذا الخيار في صياغة الحبكة، لم يغفل الإطارالتاريخي، وبذلك اكتملت دائرة العلاقات التي يتشكل منها المحيط الاجتماعي، فاستدعى مساحة أوسع لشخصيات أخرى مثل جيسي بليمونز العميل الفيدرالي الذي يقود التحقيق في جرائم قتل الأوساج، وجون ليثجو وبريندان فريزر كمحامين متعارضين في القضية، وتانتو كاردينال بدور والدة مولي، ومجموعة من الموسيقيين حولهم سكورسيزي إلى ممثلين من بينهم تشارلي موسيلوايت، وستورجيل سيمبسون، وبيت يورن، وجاك وايت، وجيسون إيزبل الذي جسد شخصية بيل سميث صهر إرنست.

منظور ذاتي

توفرت في الفيلم معظم العناصر الفنية التي لطالما أتقن حبكتها سكورسيزي في أفلامه السابقة، في مقدمتها قدرته على رصد ما تضمره شخصياته العنيفة والمركبة من مشاعر دفينة وهي تشتبك في صراعات دموية مع بعضها، والسيطرة المحكمة عبر المونتاج على إيقاع الفيلم رغم زمنه الطويل، وهذا ما يشير إلى أن سكورسيزي ظل حريصا في مسيرته الفنية على أن يكون بحسه السينمائي المرهف وامكاناته الفريدة في السرد أمينا لشغفه في أن يوصل رؤيته حول تاريخ أمريكا القبيح، بصفحاته الملطخة بالدم وسلب حقوق الآخرين، ولكن وفق منظوره الشخصي.

جلَّادنا المقدَّس واحد

يأتي عرض هذا الفيلم متزامنا مع لحظة مشبعة بالتراجيديا على وقع ما يجري في مدينة غزَّة من عمليات قتل بربرية تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي وغربي، منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ومن الطبيعي أن يُلقي الفيلم بظلاله على وجدان المتلقين، وعلى وجه خاص العرب والمسلمين، لتشابه الظرف التاريخي الذي يجمع الفلسطينيين بسكان أمريكا الأصليين الذين يشكلون المادة الدرامية لهذا الفيلم الذي يستغرق عرضه ثلاث ساعات ونصف، وموضوعة الفيلم تحيلنا إلى استدعاء كلمة مهمة لمايكل هولي إيجل، أحد نشطاء الهنود الحمر يقول فيها: «تاريخنا مكتوب بالحبر الأبيض. إن أوَّل ما يفعله المنتصر هو محو تاريخ المهزومين.
ويا الله، ما أغزَر دموعهم فوق دماء ضحاياهم، وما أسهل أن يسرقوا وجودهم من ضمير الأرض! هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التي واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون كذلك..إن جلّادنا المقدّس واحد». هذه الكلمة تؤكد على ذات الإشكالية الأخلاقية المشتركة القائمة على تهجير وإبادة السكان الأصليين التي تأسس بموجبها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، وستبقى تضرب في عمق القيم الاستعمارية لهاتين الدولتين طالما افتقدتا للقيم الإنسانية.
لاقى الفيلم ترحيبا قويا بعد عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي بدورته السادسة والسبعين في يوم 21 ايار/مايو 2023 في مدينة كان الفرنسية، وأعتبر النقاد أداء دي كابريو لحظة مميزة في مسيرته المهنية بأكملها، ونفس الانطباع كان من نصيب الممثل روبرت دي نيرو، إلى جانب جيسي بليمونز الذي جسد شخصية عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي توم وايت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية