«البنت يللي حبّت خوليو» سيرتها على خشبة المسرح متداخلة مع سيرة الوطن
بيروت ـ «القدس العربي»: في نهايات العام الماضي أنجزت مسرحية «البنت يللي حبّت خوليو» 22 عرضاً ناجحاً. العرض المسرحي الذي انطلق في ايلول/سبتمبر 2022 تعدّل نسبياً في عروض العام 2023. ووضعت الكاتبة والممثلة جوزيان بولس نفسها أمام تحد جديد. انتقلت من مسرح المونو الصغير الحميم، إلى المسرح الكبير. وأضافت إلى عروضها الناطقة بلغتها العربية، أخرى بالفرنسية، من توقيع الفرنسي أوليفيه سوتون.
«البنت يللي حبّت خوليو» مونودراما واقعية ممزوجة ببعض الفانتازيا وخفة الدم، قررت الفنانة جوزيان بولس مشاركتها مع جمهور المسرح. الجمهور دفعته حشريته لاكتشاف ما ستقوله مديرة المونو. لقاء تجاوز الساعة، واضح وصريح. مونودراما جذورها الأنا الممتدّة إلى الآخر، وصولاً إلى مفاصل الوطن المكبّل بأمراض شتى. نص بولس يمثّلها، والبوح عبر المسرح بالمتراكم من أحداث صغيرة وكبيرة على منكبيها، من المفترض أن يكون قد حررها. مؤلم أم مرح ما هي بصدده، لكنّها تضعه على الخشبة بحرفية الممثلة التي تمتلكها.
وتزامناً احتفلت جوزيان بافتتاح بلدية بيروت شارع باسم والدها في السوديكو، حيث منزل العائلة. جان كلود بولس كان الوجه الأول على شاشة تلفزيون لبنان، ومن المؤسسين سنة 1958. أسس لاحقاً شركة اعلان. وترأس الجمعية العالمية للإعلان. وفي التسعينيات شغل مهمة رئيس مجلس إدارة تلفزيون لبنان.
هنا حوار مع «البنت يللي حبّت خوليو» جوزيان بولس:
○ ترك خوليو ايغلاسياس أثراً بالغاً في حياتك. ألهذا السبب شغل حيزاً ملحوظاً من عرضك المسرحي وحلّ في العنوان؟
• ليس بالأثر الكبير، بل منذ خطر لي وضع سيرتي على المسرح كان خوليو العنوان الذي جذبني. فاجأته على طعام العشاء في أحد المطاعم، وكان بصدد حفل في كازينو لبنان، وكان ما كان. العبرة الأساس مما حصل اكتشافي بأني عندما أصمم على أمر ما، سوف يتحقق وسأصل إلى حيث أريد. تأكدت من أن الجرأة وعدم الخوف يساعدان في تحقيق الأهداف.
○ كم ساعدك والدك ووالدتك لتكوين جرأة مميزة؟
• محظوظة بوالديّ رحمهما الله. ولدت في عائلة مثقفة، أفقها منفتح على العالم. وهذا ما فتح لنا أبواب الحياة. أذكر والدي بتواضعه الكبير، رغم مراتبه المهنية. تأكدت منذ بداية وعي على الحياة، أن المراكز لا تصنع الرجال بل العكس. يتميز البشر بأعمالهم ونفسياتهم، رجالاً أم نساءً. الاتكال على الذات والاستقلالية شكلا أساساً لتربيتنا، ما ساعدنا على بناء الخيارات الصحيحة. لا أذكر في طفولتي وشبابي أني سمعت صراخاً في بيتنا، بل الحوارات الهادئة. وهذا ما ساعدني مع شقيقتي وشقيقي، لأن نحقق النجاح في حياتنا الشخصية والمهنية. والنجاح في المفهوم الذي اكتسبناه من والدنا ليس مرادفاً مطلقاً لجمع المال. بل أن يحترم كل منا مهنته والمجتمع الذي يعيش فيه. والنجاح كذلك أن يُنجز كل من منا المشروع المهني الذي يهدف لتحقيقه. الصفات الإنسانية والصدق المهني والتواضع، إرث كبير نفتخر به من أهلنا.
○ نشأتم خلال الحرب الأهلية والقتل على الهوية وحروب أهل الطائفة نفسها. كيف نجوتم من الزوايا الطائفية الضيقة؟
• أصدقاء أهلي من كافة مناطق لبنان وطوائفه. والدتي مساعدة اجتماعية وعملها في سجن رومية. وبيتنا كان مفتوحاً للجميع، ولم نشعر يوماً بتميز أو عنصرية. يحضرني الآن برنامج «أحد ع الهوا» من تلفزيون لبنان وكان يبثّ مباشرة على الهواء من تلفزيون لبنان1 والذي شكل وسيلة التواصل بين العماد ميشال عون واللبنانيين، في نهاية عقد الثمانينيات. وكان تلفزيون لبنان2 ناطقاً باسم الحكومة التي يرأسها الدكتور سليم الحص. و«أحد ع الهوا» كان يبثّ على هواء القناتين. كنت إلى جانب والدي في هذا البرنامج الذي زار كافة المناطق وساهم بمزيد من الدعم لصورة جان كلود بولس الوطنية وأنا معه. علماً أن الحرب مستمرة بالنسبة لي.
○ برأيك لماذا لم يغادر جان كلود بولس لبنان كما فعل كثيرون؟
• سؤال طرحته عليه مرّة «بيي ليش ما فلينا نحنا من لبنان وإنت إلك معارف بكل العالم»؟ ردّ: عندما كنت أقصد قدّاس الأحد، كان يأتي كثيرون للسلام والكلام. وأكثرهم كان يردد لي «انت بعدك هون يعني في أمل». شعر والدي أنّ وجوده في لبنان ليس صدفة. آمن أن البقاء في الوطن يتيح تغيراً ولو طفيفاً. ومنذ عملت في الفن وحالياً في إدارة مسرح المونو هذه الجملة ترافقني. الحراك الثقافي الذي يدور حول مسرح المونو أمدّ الناس ببعض الأمل. كثيرون يكررون الشكر لأن المسرح مفتوح، ويشكّل متنفساً لهم. وجودنا كمواطنين في وطننا له معنى ودور.
○ سيرتك الذاتية على المسرح تنوّعت بين الأهل وخوليو والزواج والإخوة إلى محطات من الحرب الأهلية. لماذا؟
• طموحي الدائم المشاركة على المسرح، وليس المونودراما. كنت بصدد نص يلبي هذه الرغبة، فجأة انقلبت على نفسي وباشرت كتابة «البنت يللي حبّت خوليو» وأنجزت النص خلال عشرة أيام. والنص الذي أعدت تمثيله في نهايات كانون الأول/ديسمبر 2023 هو النسخة الـ12 في دورة إعادة الكتابة للمسرحية. شعرت وكأني أكتب محطات مرّ بها لبنان من خلال قصصي الشخصية. فالحياة في لبنان لها انعكاسها على الحياة الشخصية. الخيارات التي يبنيها الأشخاص في الأوطان المستقرّة تكون شخصية تماماً، فيما خيارات اللبنانيين تمليها حالة الوطن.
○ وكم تأثّر زواجك وطلاقك بحالة الوطن؟
• لا أدري كم فصلهما ممكناً، أو يكونا من ضمنه؟ أنا وطليقي اصبنا معاً خلال الحرب. وانتشرت الشظايا في جسدينا. وهو ما يزال يحتفظ بشظية في رئته. تمرّ محطات في الحياة تدفعنا لرؤيتها بطريقة مختلفة، خاصة عندما يقترب الموت منّا خلال الحرب. وحينها يسأل أحدنا ذاته إن كانت الخيارات الأخرى ضرورية. كزوجين هاجرنا وعدنا، وهذا ما ترك أثراً بالغاً على حياتنا. نحن نعيش ضغوطاً ليست عادية، وأي خلل في الحياة الزوجية يمكنه أن يتضخم كثيراً، وقد يدفعنا لقرارات غير متوقعة.
○ هل كان قرار الطلاق أسهل من الزواج؟
• توافقنا على الطلاق وكان التنفيذ سريعاً جداً. والحق يُقال أن حياتنا معاً لم تكن بهذه الصعوبة، إنما الانفصال فرض نفسه. تعارفنا في آخر يوم مدرسي، وهو كان سكّان الحازمية التي انتقلنا للسكن فيها بعيداً خطوط التماس في السوديكو. الخيارات التي اتخذناها خلال الحرب، ساهمت بدورها لأن ننظم حياتنا من خلالها.
○ أي مشهد من المسرحية يجعلك تنفعلين؟
• أكيد مشهد اللقاء بخوليو، قصة أحبها جداً، وأخبرها للآخرين بعيداً عن المسرح. كذلك مشهد الوزن، أهتمّ به كثيراً. ففي لبنان لا حدود للتنمّر على الوزن والشكل. منذ اللقاء بأحدهم بعد طول انقطاع، الكلمة الأولى «يي نصحانة… يي ضعفانة». لست أدري سبب هذا الاهتمام الذي يقع في غير مكانه، ولهذا ركّزت على هذا المشهد للتأكيد بأن الإنسان حضور ونجاح وعمل وليس طولاً وعرضاً.
○ من التقط لك الصورة مع خوليو؟
• نشرتها صحيفة لبنانية لم أعد أتذكرها.
○ ولماذا العمل مع المخرج الفرنسي اوليفيه سوتون؟
• الإخراج الأول كان للصديق والزميل أغوب بوغاسيان. مع عودتي لتقديم المسرحية مجدداً قررت العمل مع مخرج لا يعرفني، ومن غير ثقافتي. رغبت برأي آخر، إلى جانب رأي الأصدقاء والمحبين، ليس تشكيكاً، بقدر ما هو شغف برأي مخرج قادم للتو إلى لبنان بالنص والأداء. دون شك تعلّمت منه الكثير، ومن المؤكد أنه تعلّم بدوره. كان تواصلا صحياً بين مخرج وممثلة.
○ خلال التمارين اثني كثيراً على حضورك؟
• نعم هذا ما حدث. الممثل والكاتب يحتاج لأفق جديد، يققه بتنوّع المخرجين.
○ وهل هي زيارة اوليفيه الأولى إلى لبنان؟
• بل جاء في 8 تشرين الأول/اكتوبر لتقديم عرض مسرحي خاص به. كنت في حيرة من أمري هل أطلب منه التأجيل أم نسير بالمشروع؟ لكن إلهامي قال بأن يأتي. وهذا ما حدث حيث نجح عرضه Fabrice Luchini et moi جداً. وعاد إلى فرنسا، ليحكي معنا عن غرامه بلبنان. قدّمت له عرض العمل على مسرحية «البنت يللي حبت خوليو». وكان التعاون الأول عبر زوم. ومع حضوره إلى لبنان بات منشغلاً بورشات عمل في المسرح والتمثيل.
○ عرضت مسرحيتك أولاً في المسرح الصغير وفي عروضك الأخيرة كنت على المسرح الكبير. ما الفرق بينهما؟
• للمسرح الصغير حميميته، وكأننا نمثّل في الصالون. ولو تضمّن العرض غرفة نوم، نشعر وكأن المتفرجين يشاركوننا فيها. يوفر المسرح الصغير جهد الصوت، ومساحة الحركة. المسرح الكبير يحتاج لجهد كبير كي يملأه الممثل. يبدأ من الذات والصوت وهلّم جراً وخاصة حضور الممثل إن كان وحيداً.
○ الانتقال إلى المسرح الكبير كان تحدياً؟
• هو تحد للذات. والتحدي يلازم حياتي ويدفعني للاستمرار بالعمل والإنتاج.
○ بحضورك وغيابك جمهور المسرح في لبنان يقول برافو جوزيان. أنت ماذا تقولين عن مسرح المونو؟
• فرحتي كبيرة، أشعر حيالها بإنجاز مميز، أعمل بشغف وعنفوان، إنه عملي. فلست وحيدة، بل إلى جانبي فريق جميل جداً. صدف نهاية العام الماضي أن عرضنا أربع مسرحيات في يوم واحد. توزّعت المسرحيات على ثلاثة عروض في المسرح الكبير، وعرض في الصغير، وجميع الحجوزات مكتملة إلى جانب «وورك شوب». من يتحرم عقل المتلقي، ويعمل باحتراف، سيبادره الناس بالتقدير.
تصوير: جو خوري